» الرئيسية » مقالات المركز » خلايا السيسي النائمة تهاجم أردوغان! - بقلم: سمير العركي


خلايا السيسي النائمة تهاجم أردوغان! - بقلم: سمير العركي

04 مارس 2019 - 04:25

  

فوجئنا عقب إدانة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بقوة تنفيذ أحكام الإعدام في مصر (وهو الوحيد بين رؤساء العالم الذي أدانها حتى الآن) وإعلانه عدم ترحيبه بلقاء مع عبد الفتاح السيسي حتى يطلق سراح جميع المعتقلين، بهجوم ضار عليه رغم أن العقل والمنطق يحتمان شكر الرجل على موقفه الأخلاقي الذي لم يتزحزح قيد أنملة منذ الثالث من يوليو ٢٠١٣ وحتى الآن في الوقت الذي باركت ودعمت ديمقراطيات كبرى في أوربا والولايات المتحدة السيسي ونظامه إما باستقباله مكرما معززا! أو الذهاب إليه زرافات ووحدانا كما رأينا وتابعنا مؤخرا في القمة العربية الأوربية التي استضافتها مدينة شرم الشيخ، الأمر الذي حدا بالمتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم قالن إلى مخاطبة القادة الأوربيين المشاركين في القمة بقوله: "العار يلحقكم جميعا"

هذا الموقف المتقدم من أردوغان ومن كبار قادة الدولة التركية حمل النظام المصري على استدعاء بعض خلاياه التي كانت حتى وقت قريب "نائمة" داخل صفوف المعارضة المصرية للهجوم على الرجل، لذا لم يكن من الطبيعي الهجوم عليه لتنديده بتنفيذ أحكام الإعدام وتكرار رفضه لقاء السيسي، ومن هنا فقد تم اختيار خطة بديلة تركزت على الهجوم عليه من باب علاقته بالثورة السورية على مدار ثماني سنوات تقريبا حتى الآن.

"الأخت الفاضلة" التي تولت المهمة بأكبر تصعيد والتي لا يعرف في تاريخها تبحرا أو تعمقا في الشأن السوري أو اهتماما بثورتها طالبت أردوغان بـ "غسل يديه من دماء أطفال إدلب" واتهمته بـ " الغدر بثلاثة ملايين مسلم في إدلب" وتسليم "عدة ملايين لبشار في اتفاقيات خفض التصعيد"

وإذا كان كشف الغطاء عن "أختنا" - كما يحلو لأحد "المشايخ" نعتها - يتم على قدم وساق داخل معسكر المعارضة المصرية فإن هذا المقال معني بإعادة التذكير بالجهد الذي بذله أردوغان بصفة شخصية لخدمة الثورة السورية، نجح في تحقيق بعض ما كان يرجوه وحالت المؤامرات الدولية والإقليمية -دونما شك- بينه وبين تحقيق أهداف أخرى.

أردوغان يتحمل شخصيا عبء الثورة السورية
رغم أن الدولة التركية بجميع مؤسساتها ساهمت في تحمل أعباء وآثار الثورة السورية إلا أن أردوغان يبقى كلمة السر في ظل انتهاج تركيا تلك السياسة والحفاظ عليها حتى الآن فمنذ الشهور الأولى للثورة أعلن أردوغان – وكان آنذاك رئيسا للوزراء – وقوف تركيا بجوار مطالب الشعب السوري ودعا بشار إلى الاستماع لمطالب الشعب رغم أن علاقة قوية جمعت بين الرجلين في السنوات القليلة التي سبقت اندلاع أحداث الثورة في إطار سياسة "صفر مشاكل" التي تبنتها تركيا حينها والتي عمدت من خلالها إلى تصفير المشاكل مع الجيران المحيطين بها وهي السياسة التي وضع أسسها رئيس الوزراء الأسبق أحمد داود أوغلو.

لكن صوت أردوغان كان الأعلى في انتقاد ممارسات بشار ونظامه وسرعان ما تحول النقد اللفظي إلى إجراءات دبلوماسية حين قطعت أنقرة العلاقات مع دمشق رغم ما تمثله سوريا من قيمة اقتصادية مهمة لتركيا لكن المبدأ الأخلاقي كان الحاكم في توجهات أردوغان وسياساته تجاه ثورتها

ومع تدفق موجات اللجوء تجاه الحدود التركية السورية كانت تعليماته واضحة بفتح الحدود أمام اللاجئين السوريين وتوفير الدعم اللازم لهم الذي تحول بمرور الأيام إلى شكل من أشكال الرعاية الاجتماعية والتعليمية والصحية بموجب قوانين أصدرتها حكومات حزب العدالة والتنمية المتعاقبة بقيادة أردوغان والتي انتهت إلى فتح الباب أمام تجنيس عشرات آلاف السوريين وفق ضوابط وشروط معروفة.

ورغم أن المعارضة التركية استغلت ملف السوريين للتشهير بأردوغان وتأليب الرأي العام الداخلي عليه إلا أنه تصدى لتلك الحملات بكل قوة ورفض إجبار السوريين على الرحيل في وقت بات ذلك الملف ورقة انتخابية يتم اللعب بها من قبل المعارضة بالحديث المتكرر عن إرجاع السوريين إلى بلادهم حال فوزها مستغلة في ذلك بعض الاحتكاكات التي تحدث بين الحين والآخر بين سوريين وأتراك على خلفية مشاكل حياتية عادية.

مناكفات المعارضة لم تتوقف عند ملف اللاجئين بل طالب زعيم المعارضة كمال قليتشدار أوغلو  أردوغان في سبتمبر/أيلول الماضي بـ " الجلوس إلى طاولة الحوار مع حكومة دمشق دون تضييع للمزيد من الوقت" وحجته في ذلك أن "الأسد ربح الحرب الداخلية في بلاده، والحديث معه سيحقق منافع كبيرة لتركيا".

لكن أردوغان ظل متمسكا بمبدأ عدم التطبيع مع النظام السوري وأعلن بكل بوضوح استحالة الاستمرار مع الأسد "الذي قتل ما يقرب من مليون مواطن" وقال أردوغان بكل وضوح إنه "من المستحيل أن تقبل تركيا بذلك"

أردوغان يمنع كارثة إنسانية في إدلب
نظرا لأن "الأخت الفاضلة" التي تم تكليفها بالهجوم على أردوغان لا تعرف الفرق بين جبهة النصرة وبين أحرار الشام أو طبيعة شرق الفرات من غربه! فقد هاجمت أردوغان في موضع يعد إنجازا له حيث زعمت أنه "غدر" بأهل إدلب وأنه "سلم" ثلاثة ملايين مدني في المحافظة لبشار!!!!!

تقول ذلك والقاصي والداني يعلم الجهد الذي بذلته تركيا ورئيسها أردوغان للحيلولة دون تكرار مأساة حلب والغوطة وحمص وغيرها في إدلب والجولات المكوكية التي قام بها أردوغان وقادة الدولة التركية إلى طهران وموسكو حتى توجت تلك الجهود باتفاقية خفض التصعيد وإنشار المنطقة العازلة وتدشين منصة "سوتشي" بين الدول الثلاث والتي عقدت أربع جولات مباحثات آخرها في روسيا قبل أيام.

ورغم الخروقات التي يقوم بها النظام السوري والميليشيات المتحالفة معه إلا أن أنقرة ما زالت تبذل جهودا كبيرة للحفاظ على الاتفاق وعدم السماح بانهياره حفاظا على أكثر من ثلاثة ملايين مدني ومنعا من حدوث كارثة إنسانية.

وقبل أيام قليلة أماط أردوغان اللثام عن اتفاق يجري الإعداد له بالمشاركة مع روسيا وإيران لتحويل إدلب إلى منطقة آمنة حفاظا على حياة المدنيين ومنعا من انزلاقها إلى وضع مأساوي كما حدث في مناطق أخرى من ذي قبل.

الأمر الذي استحقت عليه تركيا الإشادة من المنظمات الدولية والعواصم الغربية

أردوغان والحيلولة دون تقسيم سوريا
كان المخطط الأمريكي بالتعاون مع عواصم عربية (لم تتعرض لها بالمناسبة الأخت الفاضلة) يسير في اتجاه إنشاء كيان انفصالي كردي شمالي سوريا يمتد من الحسكة شرقا حتى البحر المتوسط غربا عبر استغلال سيطرة تنظيم داعش على بعض البلدات في تلك المناطق لتبرير العمليات العسكرية التي تقودها القوات الأمريكية مع ميليشيا وحدات الحماية الكردية وصولا إلى تثبيت وجود تلك الميليشيات بزعم محاربة الإرهاب

 لكن التحرك التركي العسكري في عمليتي درع الفرات وغصن الزيتون قطع الطريق أمام إتمام المخطط إضافة إلى الدفع بتعزيزات عسكرية هي الأكبر في تاريخ الجمهورية التركية استعدادا لعملية عسكرية مرتقبة في منبج وشرق الفرات لاستكمال طرد التنظيمات الإرهابية من تلك المناطق.

ورغم أن تلك العمليات تهدف في المقام الأول إلى الحفاظ على الأمن القومي التركي إلى أنها حالت أيضا دون إتمام الانفصال الذي كان قاب قوسين أو أدنى الأمر الذي عززته أيضا تصريحات متتالية من أردوغان بضرورة الحفاظ على وحدة الأراضي السورية وعدم السماح بتقسيمها.

ورغم كل ذلك فأنا أدرك تماما أن الملف السوري بأزماته الإنسانية وتعقيداته السياسية والعسكرية هو آخر ما يهم "الأخت الفاضلة" لكني أوقن أنها أرادت استغلاله للنيل من أردوغان والإيقاع بينه وبين المعارضة المصرية الموجودة في تركيا التي احتفلت بها يوما ما باعتبارها رمزا ثوريا مهما وعجبي!!



روابط ومصادر

- المصدر: الجزيرة