» الرئيسية » مقالات عامة » خطر الأفكار الداعشية على الإسلام والإنسانية


خطر الأفكار الداعشية على الإسلام والإنسانية

10 فبراير 2020 - 05:13

  

كتبه: د. عطية عدلان

الحمد لله .. والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد ..

ليس غريبا الربط بين الإسلام والإنسانية في هذا السياق؛ لأنّ الإسلام دين الإنسانية، فإذا ما كان هناك خطر من جهة ما على الإسلام فإنّه يكون في الوقت ذاته خطراً على الإنسانية، وعلى إنسانية الإنسان، وإذا كانت الكيانات المفرطة في الغلو والتنطع خطرا على الإسلام وعلى الإنسان فإنّ الخطر الأكبر يتمثل في الفكرة التي تنبت كالسرطان في جسد الأمة وفي الجسد الإنسانيّ كله، وتتسربل بالدين - أيِّ دين - وهي تضمر الكراهية لخلق الله أجمعين؛ لذا وجب التصدي للأفكار أكثر من غيرها.

ولنبدأ طرحنا بالحديث عمَا يتعلق بالجهاد، وهنا نقول: على الرغم من كوننا متعبدين بالحكم لا بالمقصد فإنّ إدراك المقصد الشرعيّ ضرورة فقهية وعملية؛ لأنّه يضبط البوصلة لدى تنزيل الحكم وسحب دلالته على الوقائع المختلفة، وإنّ لنا في كتاب الله تعالى أسوة، فإنَّ أول آيات نزلت في تشريع القتال هي هذه الآيات من سورة الحج، فتأملوها؛ لتروا كيف قُدِّمت المقاصد واحْتُفِيَ بها قبل نزول الحكم التكليفيّ: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40)) (الحج 39-40).

وبهذا الصدد نحن بحاجة إلى أن نرجع إلى الوراء خطوة واحدة؛ فنطرح هذا السؤال الضروريّ: هل الجهاد الإسلاميّ غاية أم وسيلة ؟ وهو سؤال له ما بعده، ولا بد منه قبل الدخول في التفاصيل، ولنترك الآيات القرآنية تجيبنا عن هذا السؤال المهم: يقول الله عزّ وجلّ: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ} [البقرة: 193] ويقول جلّ شأنه: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الأنفال: 39]، فلو تأملنا الآيتين لتبين لنا أنّ الجهاد وسيلة لا غاية، فقد تحدثت الآيات الكريمات عن غايات القتال، وفصلت بينها وبين القتال بحتى الغائية، وحَتَّى هنا حرف غاية وجر، والمراد به التعليل"([1]).

فالقتال إذن ليس غاية في ذاته، والقتل لمجرد القتل ليس مقصوداً ولا مراداً؛ لأنَّ الأصل أنَّ الإنسان بنيان الربِّ؛ فلا مسوغ لأحد في هدمه بغير حكم من الله واضح لا لبس فيه، وعندما يتولى القرآن الكريم تحديد الغاية والمقصد فلا مُتَّسَع لغايات ومقاصد تُولد من رحم الهوى أو تَنْبُت في أرض النزوات والنزغات، فليس من مقاصد الجهاد إرغام الخلق على الإسلام، وليس من مقاصده معاقبة الكافرين على كفرهم، ولا حملهم بحد السيف على الدخول في الإسلام، ولا يوجد في كتاب الله ولا في سنة رسوله ولا في كلام العلماء ما يمكن أن يكون دليلا لمن يدعي شيئا من ذلك وينسبه للإسلام.

ويترتب على هذا ضرورة التقيُّد بغايات الجهاد ومقاصده؛ بما لا يخرج به عن مقتضيات هذه الغايات والمقاصد التي من أجلها شُرع؛ فلا يصح - بحال - أن يتلبس المجاهد بظلم أو تعدّ - بما أنّه مجاهد - فمنهج الله تعالى لا يحابي أحداً مهما كانت منزلته؛ لذلك وجدنا حِبَّ رسول الله وابنَ حِبِّه يتعرض من رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذا التأنيب الشديد عندما تأَوَّلَ وقتل من نطق بالشهادتين: "يَا أُسَامَةُ، أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟ " قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّمَا كَانَ مُتَعَوِّذًا مِنَ الْقَتْلِ. فَكَرَّرَهَا عَلَيَّ حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ إِلَّا يَوْمَئِذٍ"([2])، ونزلت: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [النساء: 94] .

واللافت للنظر بشدّة تلك اللفتة القرآنية الرحيمة العادلة: "كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا". أي تذكروا أنكم كنتم من قبل مثل هؤلاء الذين تسارعون إلى قتلهم إذا ظفرتم بهم، فمَنَّ الله عليكم واستنقذكم من الكفر ومن الاستضعاف؛ فتبينوا إذاً ولا تحرموا عباد الله ما منّ به عليكم، قال سعيد بن جبير: معناه كنتم مستخفين من قومكم بإسلامكم، خائفين منهم على أنفسكم، فمنّ الله عليكم بإعزاز دينكم، وإظهار شريعتكم، فهم الآن كذلك، كل واحد منهم خائف من قومه، متربص أن يصل إليكم فلم يصلح إذا وصل أن تقتلوه حتى تتبينوا أمره([3]).

لذلك اتفق العلماء على تحريم قتل نساء الكفار وصبيانهم وَخَنَاثَاهُمْ ومجانينهم إذا لم يشاركوا في الحرب، ولم يكونوا مخالطين للمقاتلين، وعلى تحريم قتل الرسل المُوفَدِينَ مِن العدو لتبليغ رسالة أو لتفاوض أو ما شابه ذلك([4])، ومستند الإجماع على عدم جواز قتل النساء والصبيان أحاديث صحاح، منها ما رواه الشيخان عن ابن عمر -رضي الله عنهما- "أنَّ امرأة وُجِدَتْ في بعض مغازي النبي -صلى الله عليه وسلم- مقتولة، فأنكر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قتل النساء والصبيان"([5])، قال النووي: "أجمع العلماء على العمل بهذا الحديث، وتحريم قتل النساء والصبيان إذا لم يقاتلوا"([6])، ومستند إجماعهم على تحريم قتل الرسل ما رواه أبو داود والحاكم عن نعيم بن مسعود -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لابن النواحة وصاحبه، اللذين أوفدهما مسيلمة إليه: "لولا أن الرسل لا تُقْتَل، لضربت أعناقكما"، قال العلماء: "ومضت السنة أن الرسل لا تُقتل"([7]).

ويَلحق بالنساء والصبيان والرسل في تحريم قتلهم كلُّ مَن ليسوا محاربين، وهو قول الجمهور؛ من الحنفية، والمالكية، وأحد قولي الإمام أحمد، والشافعية في قول عندهم([8])، وحجة الجمهور غاية في القوة والظهور؛ فقد احتجوا بالقياس على النساء والصبيان، بجامع انتفاء علة المقاتلة، فيبقى مَن لا يتأتى منهم القتال على أصل عصمة الدم، فيدخل فيهم الرهبان والشيوخ والزَّمْنَى والسُّوقَة من تجار وأصحاب صنائع وفلاحين وعسفاء (أُجَرَاء) ووصفاء (مماليك)، ومَن يُعَدُّ مِن المستضعفين؛ لأن مظنة عدم حدوث الضرر تقوم مقام عدم حدوثه حقيقة([9]).

والعامّ إذا خُصِّصَ جاز عند الجمهور تخصيصه بعد ذلك بالأقيسة، وقد خُصِّصَ عموم قتل المشركين بالنهي عن قتل الرسل والنساء والصبيان، فجاز التخصيص بعد ذلك بالقياس، وقالوا : ليس من غرض الشارع إفساد العالَم، وإنما إصلاحه، وذلك يحصل بقتل المحاربين، وليس المدنيين؛ لأن ما ثبت بالضرورة يتقدَّر بقدرها([10])؛ ومن هنا يترجح أنّ موجب القتل ليس مجرد الكفر، وإنّما الكفر مع الحرابة، وهو الصحيح الذي يجب المصير إليه، وهو المتفق مع المقاصد العامة لرسالة الإسلام.
هذه هي الأحكام الشرعية فأين هم منها، لقد قلبوا القتال من كونه وسيلة إلى كونه غاية في ذاتها، وجعلوا الكفر وحده مبيحًا للقتل، ولكي يتوسعوا في القتل اتخذوا التكفير بابًا إلى القتل الذريع، ولم يرحموا أحداً صغيرًا كان أو كبيرًا، رجلًا كان أو امرأة، محاربًا كان أو مسالماً، بل إنّهم قتلوا المجاهدين لمخالفتهم في الانتساب لتنظيم واحد، كأنّهم تألهوا على الناس يحكمون فيهم وينفذون دون وازع من عقل أو ضمير.

لقد تضرر الإسلام والمسلمون من هذا الفكر المنحرف؛ إذ تشوهت صورة الإسلام لدى كثير من أعدائه، بل تشوهت لدى كثير من الخلق الذين نطمع في إسلامهم، وتشوهت كذلك صورة المسلم، ولم يعد بالإمكان تحقق القدوة به في الحياة، وتضررت فريضة الجهاد نفسها بحرفها عن مسارها وجعلها مجرد أداة لتحقيق المغانم وتنفيس الأحقاد، وتضررت الإنسانية إذ حُرمت من رؤية الحقيقة بسبب ما ران عليها من أفعالهم.
إنّنا بحاجة إلى إحياء الجهاد النظيف الذي تُراعى في مقاصد الشريعة ومصالح المسلمين وتتحقق به خيرية هذه الأمة، بعيداً عن صور الدعشنة والغلو.
وليس انحرافات الفكر الداعشي منحصرة في هذه الزاوية؛ لذلك سيكون لنا مقالة أخرى نتحدث فيها عن الانحرافات في ميدان السياسة الشرعية.

________________________________________
([1]) إعراب القرآن وبيانه 1/282
([2]) صحيح البخاري (5/ 144) صحيح مسلم (1/ 97) مسند أحمد ط الرسالة (36/ 73-74)،
([3]) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (تفسير ابن عطية)(2/ 97)
([4]) (الدر المختار ورد المحتار (3/224، 244)، روضة الطالبين (10/24)، منهاج الطالبين وشرحه للمحلي (4/218)، منح الجليل (1/714)، المغني (9/249) تحقيق د. التركي - ط الثانية - القاهرة 1413هجرية-1992م، الإنصاف (4/128-129)، مطالب أولي النهى (2/517)، زاد المعاد (2/75 ،3/32)).
([5]) أخرجه البخاري (3014)، ومسلم (1744). اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان (رقم 1138)
([6]) شرح النووي على صحيح مسلم (12/48)
([7]) عون المعبود (7/242)، المستدرك (3/53)، البداية والنهاية (5/52)، زاد المعاد (2/75 ،3/32).
([8]) (بدائع الصنائع (7/101)، منح الجليل (1/714، 715) و شرح منهاج الطالبين (4/218)
([9]) (تبيين الحقائق (3/345)، بدائع الصنائع (7/107)، فتح القدير (5/202-203)، بداية المجتهد (1/383-385)، جواهر الإكليل (1/253)، حاشية الدسوقي والشرح الكبير (2/176)، منح الجليل (1/714)، اللباب في شرح الكتاب للميداني (4/119)، المغني (13/178-180)، الأم (4/240)، الإنصاف (4/128)، القوانين الفقهية (ص 98). والتعبير بالسوقة في أسنى المطالب (4/190)، وانظر معنى الوصفاء في الأحكام السلطانية للماوردي (ص 41)، المحلى (7/296-297)).
([10]) نصب الراية (3/386-387)، منح الجليل (1/714)، مجموع الفتاوى (28/355)