» الرئيسية » تقارير » “تشريح الثورة المصرية”: انتهت مرحلة الأزمة وبدأت تظهر أعراض الحمى.. فما هي المرحلة القادمة؟


“تشريح الثورة المصرية”: انتهت مرحلة الأزمة وبدأت تظهر أعراض الحمى.. فما هي المرحلة القادمة؟

13 فبراير 2020 - 12:02

  

إنه عامي الأخير في كلية طب الأسنان، وها هو موعد اختبار الشفوي والعملي لمادة الجراحة يقترب، أتممت استعداداتي بشكل جيد، ثم جاء الدكتور ليسألني قبل أن أبدأ في حقن المريض بإبرة التخدير عن الوصف التشريحي للمكان الذي سأحقن المريض فيه، وما هو العصب الذي سيتم تخديره تحديداً، ولماذا هذا المكان دون غيره. إن أجبته بشكل خاطئ فأنا راسب في هذا الامتحان، علاوة على أن المخدر لن يعمل، وربما تسببت بمضاعفات للمريض، حاولت استحضار كل ما درسته في مادة التشريح حتى أرى الصورة بشكل جيد وأصل إلى ما أريد.

تشريح الثورة.. جملة يمكن أن يفهمها ويفسرها البعض على أن الثورة المصرية قد ماتت وتحولت لجثة هامدة، وذهب أصحابها بها إلى المشرحة للتعرف على أسباب الوفاة، ولكن ذلك لم يكن أبداً ما أراده كرين برينتن، المؤرخ الأمريكي الشهير، حين كتب كتاباً في عام 1938، وأعاد طباعته في عام 1964 عنونه باسم “تشريح الثورة”. حاول برينتن أن يقدم تشريحاً حقيقياً وتوصيفاً علمياً لمراحل الثورات، بعد دراسته لأربعٍ من أهم ثورات التاريخ (الثورة الفرنسية، الثورة البلشفية، الثورة الأمريكية والحرب الأهلية البريطانية”، وتوصل إلى خلاصة من أربع مراحل تمر بها الثورات على اختلاف بلدانها ومسبباتها، ولكن التشابهات بينها كبيرة للغاية.

أعراض ومراحل الثورة

أعراض احتقان شديد وضعف كفاءة الحاكم وتململ الطبقة المتوسطة، مع قمع شديد من قبل السلطات كلها تذهب بالبلاد إلى حمى متصاعدة تنبئ بلحظة انفجار شديدة تحدث بشكل مفاجئ من الشعب الذي تقوده الطبقة المتوسطة. بينما لا تصمد أجهزة الدولة البيروقراطية طويلاً في مواجهة الشعب، عندها تتمكن الثورة من الإطاحة بالنظام. ثم تمر هذه المرحلة بما سمّاه برينتن شهر عسل قصيراً بين من وصفهم بـ “المعتدلين”، وهم قادة الثورة ممن كانوا في المعارضة، وبين “المتطرفين” وهم كيان يعطي عن نفسه صورة الأكثر ثورية والأكثر تشدقاً بخطابات وشعارات وأهداف الثورة.

تمر البلاد بعد ذلك بمرحلة سيادة ثنائية بين “المعتدلين” و “المتطرفين” حول طريقة إدارة البلاد، المعتدلون الذين لا يملكون خبرات كبيرة في إدارة البلاد يصطدمون بالواقع السياسي والاقتصادي الصعب الذي تعيشه البلاد، مع حيرتهم الشديدة في آلية التعامل مع المتطرفين. إذ يمنحهم الإعلام حرية كبيرة في التعبير وعدم تطبيق سياسات أمنية صارمة على وجودهم، كل هذا يجعل من “المعتدلين” لقمة سائغة  لـ “المتطرفين” الذي يملكون خبرات أكبر وعلاقات أشمل داخل الدولة، مع تبنيهم لخطابات الثورة في بداية الأمر، تلك المواجهة يصفها برينتن بأنها مرحلة الأزمة التي تعيشها الثورة حتى يحسمها جناح “المتطرفين” بتنفيذ انقلاب على الشرعية، متمثلة في تيار “المعتدلين” الذي ينتهي به المطاف على مقصلة الإعدام أو منفياً أو مقتولاً.

 تستمر مرحلة الأزمة التي تعيشها الثورة بضعة أشهر وربما تمتد لسنوات، وفيها يحكم “المتطرفون” لفترة لا يبقى فيها احترام للشرعية وإرادة الناس، وبعد الفترة الصاخبة التي تعلو فيها مطالب الحرية تتحول البلاد على أيديهم إلى استبداد متوحش، وأثناء حكمهم ينتشر الخوف بين المواطنين، ويمكن أن تنتفض مدينة أو قرية هنا أو هناك إلا أن الخوف يظل هو الحاكم الفعلي للبلاد.

في فترة الأزمة تحدث كثير من التحولات المجتمعية، فمن كانوا غير منتمين للثورة يتحول كل همهم إلى البحث عن لقمة العيش والانشغال بأزماتهم الاقتصادية، أما من كان مؤمناً حقيقياً فيصبح تدريجياً أقرب للامنتمي، فبعد مدة تبدأ الثورة في استنزافه، ويشرع في الإعراب عن التردد والشكوك، ويبدأ الشعور بالملل من المراسم التي لا تنتهي والتفويضات واللجان والمحاكمات وعمل الميليشيات والنشاطات الأخرى الضرورية لتحقيق أهداف الثورة. غير أن المخلصين حقاً يبقون إلى النهاية، حتى توضع رؤوسهم على المقصلة.. فيما يبدو أن هذا المنتمي يجد في خدمته المخلصة للثورة معظم الرضا النفسي الذي يزوده به الدين.

نهاية الأمر في مرحلة أطلق عليها برينتن “مرحلة النقاهة”، وفيها تهدأ الأمور قليلاً وتعود بشكل بطيء إلى الاستقرار وتخبو الثورة في النفوس، ويحكم البلاد شخص منتم للنظام القديم، يتحكم في البلاد بشكل مركزي، فيحاكم من تبقى من المؤمنين بالثورة، ويعفو عن “المعتدلين”، لتعود الأمور في النهاية إلى حال أشبه بما ثار ضد الناس في بداية الثورة.

الثورة المصرية في المشرحة

إذا ما وضعنا الثورة المصرية في مشرحة برينتن، وطبقّنا تشريحه للثورة عليها، فسنجد تشابهاً كبيراً في المراحل والمسميات التي أطلقها. “المعتدلون” في الحالة المصرية هم جماعة الإخوان المسلمين ومن شاركهم في الحكم، و “المتطرفون” بكياناتهم وخطابهم القريب للثورة في البداية هم الجيش كمؤسسة والمجلس العسكري، وقد مرا بشهر عسل قصير بعد الثورة. ثم بدأت مرحلة السيادة الثنائية بكل ما حمله عام حكم الرئيس الراحل محمد مرسي، ثم نهاية تلك المرحلة والدخول في “مرحلة الأزمة” التي عاشتها الثورة وما زالت من قمع شديد ومستمر ضد كل رموزها ومكوناتها، حتى وصلنا إلى هذا الحاكم الذي يمتلك جميع السلطات، ويحاكم مَن تبقى من الثورة، ويصل بالبلاد إلى أيام ما قبل يناير 2011.

مع ظهور محمد علي تفاءل الكثيرون بأننا أمام موجة ثورية ثانية، ولكن بالعودة إلى ما قاله برينتن، فأرى أننا قد مررنا بمراحل الثورة الأربع التي تحدث عنها في كتابه، بل تجاوزنا المرحلة الأولى مرة أخرى، هي مرحلة ظهور الأعراض من قمع وقلة كفاءة الحاكم وغضب الطبقة المتوسطة.

ما تعيشه الثورة المصرية الآن هي مرحلة الحمى الصاعدة مرة أخرى، فالجميع يرى الأعراض ويتألم منها، الطبقة المتوسطة تتآكل، وغضب الطبقات الأفقر في ارتفاع مستمر، وباتت الدولة عاجزة عن إيجاد أي حلول أمام هذا الغضب، إلا الحلول الأمنية وزيادة القمع، الذي سيصل بنا في نهاية المطاف إلى لحظة الانفجار المفاجئة التي أشار إليها برينتن، والتي سينهار فيها نظام السيسي بأجهزته البيروقراطية، أمام غضب الشعب الذي يعاني من أعراض الحمى الثورية المتصاعدة.



روابط ومصادر

- عربي بوست



القضايا



الوسوم