» الرئيسية » مقالات المركز » أخطاء منهجية في ورقة المراجعات الفكرية بالسجون المصرية (2/2)


أخطاء منهجية في ورقة المراجعات الفكرية بالسجون المصرية (2/2)

30 أبريل 2020 - 10:09

  

أخطاء منهجية في ورقة المراجعات الفكرية بالسجون المصرية (1/2)

تنبيه
نشر المعهد المصري للدراسات ورقة بحثية بعنوان المراجعات الفكرية هل تكون أمل المعتقلين في السجون المصرية؟؟ شارك في إعدادها كلا من:- محمد إلهامي
أحمد مولانا, أحمد  الأزهري ، علاء عادل، جاءت الورقة لتناقش تجربة الجماعة الإسلامية في مصر حيث سيفيد التعرف على ملامحها وسياقاتها وظروفها في بناء تصور واقعي حول المشاريع الشبيهة المطروحة حالياً كما قال الباحثون

فالورقة تخاطب الأخوان المسلمين ابتداء لتضع أمامهم تصور واقعي عن المبادرات والمراجعات للوقوف علي جدوي تكرار التجربة أو الكف عنها ، ويبدو الباحثون كمن يحملون أجندة مسبقة تتعلق برفض فكرة قيام الإخوان المسلمين بأي مراجعات ولذا جاءت الورقة في مجملها تهدف إلي تشويه مبدأ وفكرة المراجعات من حيث الأصل مع الإسقاط علي تجربة الجماعة الإسلامية كما جاءت تحمل جملة من الأخطاء المنهجية التي من غير الممكن أن تصدر عن الباحثين المشاركين في إعدادها إذ هم أصحاب سبق في إنتاج أوراق تعتمد منهجية حقيقية.. ولهذا فإن تعليقنا على هذا البحث هو من باب حرصنا على توضيح حقائق كثيرة أغفلها الباحثون وتوضيح جانبا من الأخطاء المنهجية التي كنا نتمنى ألا يقعوا فيها حرصا على مستقبلهم البحثي

 

تاسعا : سقوط الاستدلال بالورقة الأمنية في هذا السياق
استدل البحث بالتقرير الأمني الصادر عن وزارة الداخلية بعد ثورة يناير في 2012  والتقرير يشير في مجملة أن الدولة كانت تمهد لتغيير أفكار الجماعة الإسلامية عبر مجموعة من السياسات التي انتهجتها الدولة وقادت في النهاية إلي المراجعات وتوابعها، وهذا التقرير محل نظر حيث لم تكن سياسة الدولة تجاه الجماعة الإسلامية في ذلك الوقت مبنية علي الحل السياسي أو التطويع بل كانت تهدف لتصفية الجماعة الإسلامية واستئصال وجودها كما جاء في البحث ذاته علي لسان بطرس غالي أن مبارك كان حريصا علي إتمام القضاء علي الجماعة الإسلامية بلا تردد رغم أن مركزه تأثر سلبا بالصدام مع الجماعة الإسلامية إضافة إلي رفض الدولة مرارا للتفاوض أو قبول الوساطة بشأن أبناء الجماعة ، أما سياسة الدولة آنذاك فقد ترجمها زكي بدر بقوله " الضرب في سويداء القلب " وهذا يتعارض مع الفكرة التي جاءت بها الورقة الأمنية، وهذا ما أكدته بعض الدراسات الغربية سالفة الذكر بقولها " ومع ذلك فقد لاحظت بعض الدراسات الغربية إلى أن تجربة المراجعة لم تكن نجاحا حكوميا، وإنما كانت بمثابة الفرصة التي وجدتها الحكومة كثمرة ناضجة فتعاملت معها بسياسة “توجيه المسار” لتحقق أهدافها، كما في التقرير الذي نشره المركز الدولي لدراسة التطرف والعنف السياسي ICSR " وعلي ضوء ذلك فقد جاء تعامل الدولة مع المبادرة تاليا لإطلاقها عام 1997 وتم التعاطي الإيجابي معها عام 2001 بعد أحداث سبتمبر الشهيرة نظرا للظروف الدولية والإقليمية التي مر بها العالم آنذاك.
أما عن توقيت الورقة فقد جاء بعد إطلاق المبادرة بخمسة عشر عاما بعد ثورة يناير بلا أدني مناسبة وجاء نشره في هذا التوقيت لمحاولة تحجيم ووقف انتشار وتمدد الجماعة الإسلامية الذي بدا للمتابعين أنها مؤهلة له بعد فوزها غير المتوقع في الانتخابات البرلمانية بشهر واحد.

 

عاشرا : الاستدلال بمرجعيات هشه
1-اعتمد الباحثون على مصادر غير موثقة في أغلب ورقتهم حيث احتل عبد المنعم منيب صدارة المصادر المعتمد عليها ب 15 اقتباس وبما يوحي أنه كان مطلع على كواليس المراجعات أو مشارك فيها برغم أنه لم يكن قريبا منها بحال ولهذا جاءت استنتاجات البحث الكثيرة التي اعتمدت على رواياته غير منهجية ولو تم تفريغ الورقة منها لما وجد البحث ما يعتمد عليه في استدلالاته ولا استنتاجاته.
2-استند الكاتب أيضا الي أقوال الحكايمة وهو منفصل عن الجماعة حتي قبل المراجعات ولو كلف الكاتب نفسه عناء البحث لوجد بيانات الجماعة وقتها تؤكد انضمام الحكايمة للقاعدة قبل وقت المراجعات.

 

الحادي عشر : الخلط بين الخلاف الشرعي والخلاف السياسي
استند الكاتب إلي مقتطفات من كلام الدكتور أسامه رشدي والشيخ محمد شوقي  واستنتج من خلاله رفضهما  للمراجعات وهو أيضا كلام عار من الصحة فهناك فرق بين الخلاف الشرعي المفضي إلي رفض فكرة المراجعات بالكلية أو رفض الأسس والمنطلقات الشرعية التي قامت عليها المبادرة وبين الجانب السياسي منها وكيفية توظيفها والاستفادة منها ، فالخلاف حول المبادرة كان يدور حول سبل التفعيل والتوظيف السياسي لها
يقول الدكتور أسامه رشدي تحت عنوان هل كانت المبادرة إعلان للهزيمة أم تحول استراتيجي (مركز حريات)

يقول: لم تكن مبادرة وقف العنف في يوليو 1997من وجهة نظري إعلانا للهزيمة كما يذهب البعض بقدر ما كانت تعكس رؤية إسلامية وسياسيه واستراتيجية انتهت لقناعة كامله بأن العنف لم يساهم إلا في تكريس الاستبداد والانهيار على كل المستويات السياسية والاقتصادية وملف الحريات وحقوق الإنسان وأن العنف ليس هدفا في حد ذاته.

ثم يفرق بين قناعاته بالمبادرة وأهمية القضايا المطروحة وبين تخوفه من أخطاء المعالجة البوليسية فيقول:
ولكنني عبرت في أكثر من مناسبة في هذا الوقت عن خوفي على هذه المبادرة من المعالجات البوليسية التي لا تراعي الأهمية الاستراتيجية لهذه التحولات والتي لو أحسن تقديمها للرأي العام وللشباب الباحث عن الإجابات حول انشغالاته لأصبحت عملا مهما ولا سيما أن القضايا الفكرية التي عالجتها هذه المراجعات تتعلق بقضية لها أبعاد استراتيجية دولية وليست فقط قضية مصرية  
أما عن رأيه في نجاح المبادرة بعد سنوات من تفعيلها وأثرها علي ثورة يناير  فيقول:
لا نبالغ إذا قلنا أن المبادرة ونجاحها علي أرض الواقع نزع عن نظام مبارك ورقه الحرب علي الإرهاب التي كان يلوح بها دائما لتبرير احتجاز التطور الديمقراطي وإطلاق الحريات السياسية والمدنية وقد مهدت المبادرة لقدر من الانفتاح والتفاعل كان الأرضية التي مهدت لثورة 25 يناير 2011"
فالخلاف الذي ذكره الباحث بين الداخل والخارج كان مرده إلى الشق السياسي منها المتعلق بكيفية تفعيل المبادرة وسبل الاستفادة منها ولم يكن أبدا متعلقا بمشروعية المبادرة

 

الثاني عشر : الخلاصات
ورقة الباحثين ليست موجهة للجماعة الإسلامية أو حزب البناء والتنمية تحت أي مستوي ولا علاقة لها مطلقا بالتقييم الموضوعي للمبادرة والمراجعات وإنما وضعت الورقة بهدف التنفير من المبادرات والمراجعات بشكل عام وذلك للتخديم على رؤية محددة تقتضي قطع الطريق على دعوات الشباب لإنقاذهم من محنة السجن وعلى التيار المنادي بضرورة الاستجابة لندائهم، فالورقة بالأساس موجهة للإخوان ابتداء وهو ما أشار إليه الباحثون في صدر ورقتهم "
" تزايد الجدل في الآونة الأخيرة حول مدى واقعية أو جدية المبادرات المطروحة من قبل بعض المعتقلين، من خلال الرسائل المسربة من السجون والتي وفَّر لها إعلام النظام المصري أحيانا مساحة واسعة للنقاش، وأعيد النقاش حول تجربة مراجعات الجماعة الإسلامية التي جرت قبل نحو عشرين سنة ....... وهو ما أسفر في النهاية عن الإفراج التدريجي عن بعض القيادات وكثير من العناصر"

ثم يذكر الباحث سبب التعرض للمبادرة فيقول:-
" سيفيد التعرف على ملامحها وسياقاتها وظروفها في بناء تصور واقعي حول المشاريع الشبيهة المطروحة حالياً "
ثم يتجاوز الكاتب كل المنهجيات المتعارف عليها في الأوراق البحثية ويشوه المبادرة وصانعيها ليصل إلى النتيجة المرادة المقررة سلفا فيقول في الخلاصة والاستنتاج النهائي :- " أنها تجربة متأثرة بواقع السجن والهزيمة أمام قوة السلطة " ثم يخاطب التيار المنادي بالمراجعات والحلول السياسية داخل الإخوان المسلمين سواء كانوا في السجن أو الخارج فيقول بشكل قسري ونهائي وجازم: "مهما تصور الذين يكتبون المراجعات الفكرية أنه عمل ذاتيٌّ خالص فهو في الواقع جزء من برنامج السلطة لتتويب الجماعات المعارضة لها، ولن يمكن أن تكون المراجعة الفكرية وسيلة للخروج من السجون إلا حين ترى السلطة نفسها أنها قد حققت غرضها من هذه المراجعات وأنها تأتي على مقاسها تماماً "
ثم يستكمل رسائله لذات المستهدفين فيقول: "وبهذا تكون النتيجة المباشرة لدراسة تجربة المراجعات داخل السجون هو التساؤل عن مدى استعداد السلطة للإفراج عن المعتقلين وليس مدى استعداد المعتقلين لتقديم مراجعات فكرية"

ثم يوجه رسالته لمن يفكر في عمل نقد وتقييم ذاتي أو مراجعات داخلية فيقول: "وفي مثل هذا السياق يكون الحديث عن أخطاء المعتقلين أو المعارضين نوعا من العبث الفكري أو حتى نوعا من النفاق السياسي للسلطة، وذلك أن الأخطاء السياسية التي ارتكبتها الجماعة الإسلامية قديما أو الإخوان المسلمون حديثا لا يمكن أن تقارن بإجرام نظام الدولة التي مارست كل أنواع الجرائم خارج القانون".. علما بأن خطايا النظام لا تصحح بحال ـ من وجهة النظر الشرعيةـ أخطاء الحركات المعارضة له.
ثم يحذر من كون المراجعات ستكون سببا في تفكك الجماعة فيقول: "وبذلك يمكن القول بأن مراجعات الجماعة الإسلامية أدت إلى خروج عناصرها من السجن لكن مع تلاشي منهج الجماعة الذي تأسست عليه، وتفكك لحمتها، وإصابتها بتشوه يجعلها تسعى دائما للهرب من الماضي الذي يطارد مخيلة قادتها" وهو ما يتجاهل عودة الجماعة بالمراجعات إلى خطها الأصلي وخطتها الاستراتيجية قبل وقوع الصدام مع النظام وهو ما وضح بشكل جلي من خلال ممارساتها السياسية والجماهيرية آبان ثورة يناير وما بعدها واستمرار تمسكها بأهداف يناير التي تعتبرها معيار الإصلاح السياسي والاجتماعي في مصر.
ثم يذكر الفروق بين عهد مبارك والسيسي ليخرج بالمنتج النهائي فيقول: "وهذه الفروق لا تسمح بتاتاً بتوقع أن تكون عملية المراجعات داخل السجون المصرية الآن مفضية إلى نفس المصير الذي أفضت إليه عملية المراجعات الفكرية قبل نحو عشرين عاماً"

وأخيرا: فالبحث الذي سعي لتشويه المراجعات وأصحابها استهدف فيما يبدو عددا من الارتدادات يمكن ايجازها فيما يلي:-
1-توجيه رسائل تحذيرية إلى قواعد الإخوان المسلمين بشكل عام والتيار الداعم لفكرة المراجعات داخل الجماعة بشكل خاص سواء كانوا داخل السجون أو خارجها
2-الهجوم الشامل وغير المنهجي على مبدأ المراجعات يستهدف أو يؤدي لوقف عمليات النقد والتقييم الذاتي المتوقع والبحث في أخطاء الماضي التي لا يرغب البعض في كشفه أو الاعتراف به برغم أنه من حق المجتمع كله لأنه أصابه كله، وحجة الباحث أنها بمثابة النفاق السياسي للسلطة وأنها لا تقارن بجرائم الدولة.
3-تخفيف الضغط عن التيار الرافض للمراجعات السياسية والفكرية داخل الإخوان المسلمين وذلك عبر تقديم صورة سلبية عن المراجعات وتشويه القائمين عليها.
4-إظهار الرافضين للمراجعات داخل الإخوان بصورة المحافظ علي قيم الجماعة وأعرافها
5-صناعة رأي عام داخل الجماعة داعم لرفض المراجعات.
6-قطع الطريق على التيار الداعي للمراجعات واتخاذ خطوات سياسية للإفراج عن المعتقلين وإظهاره في صورة المتراجع الداعي لتفكك الجماعة وانهيارها.
7-وضع الداعين للمراجعات تحت ضغط الرأي العام الداخلي الرافض لها
أما عن توقيت البحث: فهو تزايد المطالبات الحالية سواء من داخل السجون أو خارجها لقيادات الإخوان المسلمين بالتدخل وطرح مبادرة لإنقاذ المعتقلين داخل السجون المصرية وربما تكون هناك مبادرات يتم إعدادها بالفعل، فجاء البحث في هذا التوقيت للتخفيف من حدة تلك المطالبات 
وأخيرا : إذا كان الباحثون أضاعوا كل قيم ومنهجيات البحث الأكاديمي في الاستدلال والاستنتاج بهدف تشوية تجربة مراجعات الجماعة الإسلامية وذلك من أجل أجندة ضيقه ربما توافقوا علي أهميتها ، فلربما يكونوا قد ساهموا فعلا في تشويه تجربة ناجحة في عين قطاع من متابعيهم كان من الممكن أن تستفيد بها، ولكنهم قطعا فقدوا جزءا كبيرا من مصداقيتهم لدي قطاع أخر، ولهذا فمن غير المتوقع أن يؤثر في قيمة ومركزية مبادرة وقف العنف التي أطلقها القادة التاريخيون للجماعة الإسلامية التي ستبقى نموذجا ناجحا للنقد الذاتي والإصلاح الداخلي مع الحفاظ على المسارات الاستراتيجية في ضوء الأصول الشرعية والنظرة الواقعية والمستقبلية.  


وحدة البحوث الإسلامية بمركز حريات