» الرئيسية » كتب » حوار هادئ مع داعشي (الحلقة الثالثة)


حوار هادئ مع داعشي (الحلقة الثالثة)

09 مايو 2020 - 05:10

  

الحلقة الثالثة: تابع الفصل الأول التنظيم بين التهجين وسلامة التكوين

 

الملامح العامة لأطوار التنظيم من النشأة إلى الخلافة

 التنظيم مر بثلاثة أطوار أساسية، الطور الأول هو طور النشأة والتكوين ويمكن تحديد مداه الزمني من بداية التأسيس على يد الزرقاوي في 2003 وحتي موت أبي عمر البغدادي وتولي أبوبكر البغدادي خلفا له في2010 والطور الثاني يمكن أن نسميه طور الغيبة والتراجع ويمكن تحديد مداه الزمني من بداية تولي أبوبكر البغدادي إمارة التنظيم في إبريل 2010 وحتي تأسيس جبهة النصرة في يناير 2012، والطور الثالث يمكن تسميته بالبعث من الرماد وإعلان الخلافة  ومداه الزمني من تأسيس جبهة النصرة وإلى اليوم ، ولكل طور من الأطوار الثلاثة جملة من الملامح الخاصة بها يمكن إجمالها فيما يلي :

الطور الأول : طور النشأة والتكوين (2003-2010)

وهو من بداية التأسيس علي يد الزرقاوي في 2003 وحتي موت أبو عمر البغدادي وتولي أبو بكر البغدادي خلفا له في 2010 وتتسم هذه المرحلة بمجموعة من السمات 

السمات العامة للطور الأول : اتسمت هذه المرحلة بشكل عام بالتبعية لتنظيم القاعدة إلا في بعض الاستثناءات الإجرائية التي لم تكن تخل بالنظام العام والاستراتيجية الكلية  وخاصة فيما يتعلق بالدولة والخلافة الإسلامية فقد كان مشروع القاعدة لإعادة الخلافة ينطلق من نظرية قتال العدو البعيد على اعتبار أن وجود الولايات المتحدة على رأس النظام العالمي سيجهض أي محاولة لإقامة إمارة أو دولة إسلامية وأن عودة الخلافة تبدأ باستنزاف القوة الأمريكية حتي تصل إلى مرحلة الانهيار وبعدها تبدء مرحلة قتال الأنظمة المحلية التي يري التنظيم أنها لن تسقط إلا بسقوط أمريكا ثم تأتي مرحلة إقامة الدولة ومد الموجة الجهادية والتمدد حولها لإقامة الخلافة الإسلامية، كما اتسمت هذه المرحلة بوجود المرجعيات الشرعية ذات التاريخ الجهادي الطويل واحترامها، كما كان هناك تشددا كبيرا في عملية التجنيد حيث كان يقوم على الاصطفاء والولاء واختبار العقيدة مع رفض كامل لمن يحمل فكرا وطنيا أو يقاتل من أجل الديمقراطية أو القومية أو غيرها  .

وعلى ضوء هذه الرؤية العامة اتخذت القاعدة جملة من الأهداف التكتيكية وخاصة بعد 11سبتمبر و منها :

1- التحرك في صورة تنظيمات فكرية ليس بينها وبين القيادة المركزية روابط عضوية حتي لا يتم ضربها بسهولة  

2- اتباع مبدء الحياد مع القطاعات الشعبية التي لا تدين بأفكارها في المناطق التي تسيطر عليها

3- عدم الاصطدام مع التيارات والجماعات الجهادية الأخري

4- تحييد أطراف وجماعات محلية واقليمية فاعلة على الأرض لكنها لا تشترك مع القاعدة في المنطلقات الأيدلوجية نفسها وربما تقبل بالتعاون معها في إحدي مراحل الصراع

5- العمل وفق أولويات تراتبية فقتال واستنزاف الأمريكان هو الأولي وعدم الاصطدام مع الدول المحلية المعادية إلا حال الاعتداء وهي نقطة خلاف بين القاعدة الأم وفرع العراق إذ كان الزرقاوي يري استهداف الشيعة باعتبار إيران لا تقل خطورة عن الأمريكان

6- محاولة خلق حاضنة شعبية متعاطفة ومؤيدة للقاعدة من خلال توظيف الغضب الشعبي المتصاعد ضد السياسات الأمريكية

الطور الثاني : كهف الغيبة والتراجع  (2010-2012)

الملامح العامة للطور الثاني : طور الغيبة والتراجع ويبدأ من تولي أبي بكر البغدادي إمارة التنظيم في إبريل 2010 وحتي تأسيس جبهة النصرة في يناير 2012

واتسمت هذه المرحلة بتراجع التنظيم وافتقاد حاضنته الشعبية وانسحابه إلى الجبال والسهول والمناطق النائية، وبروز حالة من العداء الشديد بينه وبين الحركات الجهادية الأخرى داخل العراق، ومطاردة قياداته وعلى رأسهم البغدادي نفسه مع ندرة شديدة في التمويل والتسليح والتجنيد، إضافة إلى تراجع الموقف الفكري والأيدلوجى للتنظيم بعد ثورات الربيع العربي حيث قدمت الثورات في بدايتها نموذجا لإمكانية التغيير السلمي على نحو مغاير لما تقدمة القاعدة بشكل عام .

الطور الثالث : البعث من الرماد وإعلان الخلافة (2012-2017)

أما الملامح العامة للطور الثالث : البعث من الرماد وإعلان الخلافة

فاتسمت هذه المرحلة بالصراع المكتوم مع القاعدة والذي تطور إلى التمرد والعصيان الكامل والانفصال، حيث الخلاف المنهجي والاستراتيجي فتغيرت الرؤية لمشروع الدولة والخلافة، وتغيرت التراتبية والأولوية من قتال العدو البعيد إلى قتال العدو القريب وقضم مناطق وإعلان قيام الدولة عليها ثم إعلان قيام الخلافة الإسلامية، كما اتسمت هذه المرحلة بالتمدد العشوائي للتنظيم داخل الحركة الجهادية بشكل عام وداخل الدول ذات الظرف السياسي المناسب بشكل خاص، كما أن المناخ الإقليمي والدولي ساهم في تدعيم نظرية داعش إلى حد كبير حيث كان الارتداد عن المسار الديمقراطي في عدد من بلدان الربيع العربي أحد أهم العوامل التي ابتعثت داعش من الرماد، كما اتسمت هذه الفترة بغياب المرجعيات الشرعية ذات الثقل في التاريخ الجهادي، و الترخص في عمليات التجنيد وقبول كل من بايع البغدادي عضوا في التنظيم، كما أتسمت هذه المرحلة بالتطور الإداري والإعلامي والعسكري مع زيادة مستوي العنف كمّاً ونوعاً .

وعلى ضوء هذه الرؤية اتخذ أبوبكر البغدادي جملة من الأهداف التكتيكية يأتي على رأسها

1- فتح جبهة جديدة في سوريا والدخول في حرب لها شكل مختلف عن الحرب في العراق

2- العمل وفق شبكات حديدية مركزية تعلن مبايعته من البلدان المختلفة والتبكير بإعلان الدولة ثم الخلافة والتمدد في الدول المجاورة

3- فرض سياساته وأسلوب إدارته ومفهومه للشريعة على المناطق التي يسيطر عليها وإرغام القطاعات الشعبية المختلفة على بيعته

4- الهيمنة على الساحة الجهادية ومحاولة ابتلاع الجماعات والتنظيمات الجهادية الأخري التي ترفض مبايعته

5- الأصطدام مع الجماعات المحلية والإقليمية الفاعلة على الأرض التي لا تشترك معه في المنطلقات الأيدلوجية نفسها .

6- استعداء كل الدول المحيطة ووضعها في قائمة استهدافاته  وداخل إطار دولته

قراءة في سمات الأطوار الثلاثة

وبمقارنة السمات العامة لطور النشأة والتكوين والسمات العامة لطور البعث من الرماد وإعلان الخلافة نجد أننا أمام تنظيمين مختلفين تماما على مستوي الرؤية والأهداف والمنطلقات الاستراتيجية والتكتيكية والمنهجية بل ربما في التوجه الأيدلوجي ذاته، وبالتالى لابد وأن نستقرئ الأسباب والعوامل التي دخلت علي التنظيم وفرضت هذه التحولات الجذرية إلي الدرجة التي بدا عليها أننا أمام تنظيمين يكادان يكونان مختلفان تماما

فإذا كان ضغط الواقع هو الذي أدخله في مرحلة الغيبة حيث واجه التنظيم خطرا وجوديا حقيقيا وكاد أن يتواري ويتلاشي تماما في صحراء العراق، فالتنظيم مطارد من الصحوات و الجماعات السنية المختلفة ومن المليشيات الشيعية الموجودة في العراق ومن الجيش العراقي ذاته فضلا عن القوات الأمريكية التي طلبت رأس البغدادي نفسه، إضافة إلى تراجع الظهير الجماهيري والحاضنة الشعبية بسبب ممارسات التنظيم العنيفة وفرض رؤيته وأسلوبه على المناطق التي يسيطر عليها، كما كانت هناك مشكلات ضخمة تتعلق بالتسليح وتوفير الموارد المادية للطعام والشراب والإمداد وخلافه، كما أدي تراجع فكرة التنظيم أمام ثورات الربيع العربي إلى ضعف الإمداد بالجنود، هذه المشكلات عبر عنها أبو محمد العدناني المتحدث الرسمي باسم داعش في رسالته الصوتية التي حملت عنوان عذرا أمير القاعدة موجها حديثه إلى الدكتور أيمن الظواهري وهو يعدد معاناته في صحراء العراق والتي لم يجد لها يدا ممتدة من القاعدة وأميرها حيث قال ما نصه (إنك لم تسألنا يوماً .. كَم عدد جنودكم؟ ما هو سلاحُكم؟ من أينَ تمويلكُم ؟ من أين تتسلّحون ؟ هل عندكم ما تأكلون؟ ما هي مشاكلكم؟ ما هي مُعاناتكُم؟ قل لي بربّك: ماذا قدّمتَ للدولة ؟ بماذا أمدَدّتها؟ )

ضغط الواقع هو الذي أدخل البغدادي ورجاله كهف الغيبة منتظرين مصيرهم الحتمي في الفناء والضياع باستثناء بعض العمليات بين الحين والأخر التي كانت تستهدف الأسواق والمحال التجارية بهدف توفير القوت ومستلزمات الحياة الضرورية، وهنا تحديدا يحق لنا أن نتسائل عن العامل الرئيس الذي بعث البغدادي ودولته من الرماد ليتربع على هرم التنظيمات القتالية الأشرس في العالم كما يحق لنا ان نتسائل عن العوامل التي أدت الي تغيير المنطلقات والقواعد الاستراتيجية في فكر التنظيم خلال عامين فقط مما يجعلنا أمام تنظيم مغاير عن ذاك الذي أسسه الزرقاوي ... يتبع.