» الرئيسية » كتب » حوار هادئ مع داعشي (الحلقة الرابعة)


حوار هادئ مع داعشي (الحلقة الرابعة)

16 مايو 2020 - 07:42

  

 

الحلقة الرابعة : تابع الفصل الأول التنظيم بين التهجين وسلامة التكوين

سؤال مشروع : وهنا تحديدا يحق لنا أن نتسائل عن العامل الرئيس الذي بعث البغدادي ودولته من الرماد ليتربع على هرم التنظيمات القتالية الأشرس في العالم كما يحق لنا ان نتسائل عن العوامل التي أدت الي تغيير المنطلقات والقواعد الاستراتيجية في فكر التنظيم خلال عامين فقط مما يجعلنا أمام تنظيم مغاير عن ذاك الذي أسسه الزرقاوي.

تطورات أدت إلى تحولات

أجاب الداعشي : اكتشف الشباب بعد فشل ثورات الربيع العربي فساد منهجكم القائل بإمكانية التغيير عن طريق السلم والديمقراطية وغيرهما من المناهج الكفرية العفنة وانحازوا إلى منهج الدولة الإسلامية ، كما كانت براعة التخطيط لدي قيادات الدولة في الانتقال من العراق حيث المؤامرات والدسائس إلى سوريا تحت أهداف جديدة سببا رئيسيا في إنعاش الدولة وانتقالها إلى مرحلة الخلافة الاسلامية .

قلت : إن التحول الذي حدث في التنظيم أكبر من كونه قد حدث بسبب تراجع الربيع العربي أو لمجرد الانتقال إلى القتال في سوريا وربما كان الانتقال إلى سوريا هو نتيجة لجملة من التحولات سبقت قرار فتح جبهة في سوريا، وبالتالى تصبح سوريا نتيجة وليست سبب .

حل الجيش العراقي

قال : وماذا تعني بذلك ؟؟

قلت : أعود بك للوراء قليلا لنتعرف على مشهد هام غيّر تاريخ العراق بكليته وسيساهم في فهم كيفية انبعاث البغدادي من الرماد وتربعه على عرش التنظيمات الأشرس عالميا.

فبعد انهزام صدام حسين أنشئت الهيئة الوطنية العليا لاجتثاث البعث بقانون صادر عن سلطة الائتلاف المؤقتة برئاسة الحاكم الأميركي بول بريمر بتاريخ 16 أبريل 2003 وكانت تهدف إلى اجتثاث هيكل حزب البعث في العراق وإزالة قيادته من مواقع السلطة وكانت وظيفة هذه الهيئة تقوم على توفير معلومات تكشف عن هوية البعثيين من ذوي درجات عضوية محددة (عضو فرقة فما فوق) ليتم فصلهم من مرافق الدولة، فتم وفقا لذلك حل الجيش العراقي وطرد ما يقرب من 400 ألف عسكري إلى أحضان البطالة والفقر(6)،

ووضع هؤلاء العسكر تحت مطرقة التصفية والاجتثاث من جانب المليشيات الشيعية والقوات الأمريكية وسندان استحالة الاندماج في الصف الوطني بسبب حجم الجرائم التي ارتكبوها في ظل نظام صدام حسين بحق الشعب العراقي، وكان من بين هؤلاء ضباط كبار يملكون أيدولوجيات خاصة بهم وفكرا قوميا يميزهم، فحزب البعث سعي إلى توحيد العالم العربي تحت حكمه بخلفية مسلحة وحكم العراق بالقوة والبطش والحديد والنار، وفي الفترة التي سبقت حرب الخليج غير صدام حسين وكبار الضباط وقادة البعث التكتيكات الأيدلوجية لتحويل مسار الحرب إلى حرب دينية مقدسة لإحراج العالم الإسلامي الذي تحالف مع الأمريكان ضده ومن أجل حشد العراقيين خلفه بمرجعية جديدة بعد فشل المرجعية القومية، وبعد حل الجيش العراقي خرج الضباط والعساكر إلى مواقع المقاومة (7) هربا من المطاردات تارة ومن المجتمع تارة ولمقاومة المحتل تارات أخري وكانت غالبية المقاومة أنذاك يغلب عليها الطابع الإسلامي ويبرز منها في ذلك التوقيت تنظيم القاعدة والتنظيمات المسلحة الأخري ذات الأيدلوجيات المختلفة والتوجهات المتعددة والمشارب المتفرقة، وتفرقت هذه القوات في الفصائل المتنوعة وانتظم أغلبهم تحت قيادة عزة الدوري في جيش الطريقة النقشبندية، كما انتظم العديد منهم في تنظيم الدولة الإسلامية وعلى رأسهم المقدم عدنان اسماعيل نجم - من رجال الحرس الجمهوري- الشهير بأبي عبد الرحمن البيلاوي وكان الساعد الأيمن لأبي مصعب الزرقاوي وأكثر الرجال قربا من أبي بكر البغدادي ومنهم العقيد حجي بكر – من كبار ضباط صدام حسين -  الذي جمع بين براعة التخطيط العسكري والعمل الميداني، وأبو أيمن العراقي  - من كبار قادة الجيش العراقي – والذي اعتقل في 2007 واطلق سراحه في 2010 وعاد ليتولي مسئولية الأمن في دولة البغدادي، والعميد محمد ندي الجبوري الملقب بالراعي والعميد إبراهيم الجنابي والعقيد عدنان لطيف السويداوي وغيرهم وغيرهم(8).

العوامل المشتركة بين ضباط البعث وتنظيم الدولة

وكان انضمام كبار ضباط الجيش العراقي في صفوف الدولة الإسلامية للعديد من العوامل المشتركة أهمها

- الظروف الضاغطة على الطرفين: فالتهديد كان وجوديا وضاغطا علي كلا الفريقين واحتياج أحدهما للأخر كان حتميا مما سهل عملية الاندماج والتلاحم وجعل تنظيم الدولة يزيل العقبات واحدة تلو الأخرى أمام ضم ضباط البعث وقادته

- الأهداف المشتركة : حيث يشترك كل الضباط السابقين في القناعات القائلة بحتمية استعادة حكم الدولة والجيش كمسار وحيد لمواجهة الاحتلال إضافة إلى فكرة البعث القومية المتأصلة في وجدانهم والداعية إلى توحيد العالم العربي تحت حكم البعث، وهما هدفان مشتركان مع تنظيم الدولة الذي يري حتمية السيطرة علي الدولة العراقية ثم التمدد في دول الجوار وإعلان الخلافة الإسلامية – وإن كانت القاعدة تري عدم التعجل بذلك حتي ملائمة الظروف – فالأهداف مشتركة وإن كانت المرجعيات مختلفة والمسميات مختلفة

- العداء الشديد لإيران : إذ أن هذا الجيل من الضباط هو من خاض الحرب العراقية الإيرانية وعقيدته العسكرية بنيت في الأساس على تأجيج هذا الصراع وبالتالى فهو يراها عدو يحتل أرضه، ويتشارك ضباط البعث مع تنظيم الدولة في هذا العداء حيث يري تنظيم الدولة أن إيران أشد خطرا على المشروع الإسلامي من الأمريكان وطالما طالبوا القاعدة بفتح هذه الجبهة دون جدوي .

- العداء الشديد للأمريكان : حيث يتشارك ضباط البعث وتنظيم الدولة في رؤيتهم تجاه المحتل الأمريكي الذي يرونه العامل الأهم في ضياع بلدانهم ونهب ثرواتهم

وإذا عدنا إلى أجواء العراق في 2010 و2011 نجد البغدادي يئن تحت ضغط الواقع وتحت إمرته ضباط كبار من الجيش المنحل والحرس الثوري، وباقي ضباط الجيش العراقي يعانون شبح التصفية والطرد والإبعاد والجوع والفقر والبطالة بعد انتخاب المالكي لفترة ثانية واتجاهه إلى الحكم الطائفي وتكثيّف عملية اجتثاث البقية الباقية من "حزب البعث" من البلاد كما عمد إلى تكديس الثروات وعيّن شخصيات شيعية موالية له في مفاصل الدولة  والقوات المسلحة وهمّش الأحزاب والمنظمات السنية الأخرى، والبغدادي والبعث يحملون أهدافا مشتركة وظروفا متشابهة وإن اختلفت الأيدلوجيات، فكلا الطرفين في احتياج ماس للأخر فالبغدادي يريد الإمداد بالمال والسلاح والرجال والخبرات التنظيمية والإدارية  ليخرج من كهف الغيبة ولينقذ تنظيمه من ضياع محقق والضباط يريدون إزاحة المالكي ومقاومته ومقاومة الأمريكان  تحت راية مغايرة للقومية التي أثبتت عدم فاعليتها والتمدد بمشروعهم القومي واستعادة مجدهم من جديد .

 

تحولات لاحتواء التغيرات

وفي تقديري أنه في هذه الفترة تحديدا حدث اندماج واسع بين ضباط حزب البعث والدولة الإسلامية وقام البغدادي بإجراء تحولات جذرية في مفاهيم التنظيم وسياساته لاحتواء التغيرات الجديدة فأحدث نقلات هائلة في التصورات والمفاهيم والأولويات وغير الأسس والمرتكزات التي كان يقوم عليها التنظيم فترة تبعيته للقاعدة ونستطيع الجزم أنه في هذه المرحلة ازدادت لدي البغدادي البرجماتية البشعة والانتهازية السياسية وتحول من حالة الحرب الشرعية علي العدوان الأمريكي إلى حالة الحرب النكائية المتحللة من ضوابط الشريعة وأطرها الحاكمة، ويمكن الإشارة إلي بعض التحولات التي طرأت علي التنظيم لاحتواء عناصر البعث فيه من خلال النقاط التالية 

أولا : الانحراف بالمعين الأيدلوجي

- فعمد البغدادي إلى الانحراف بالمَعِين الإيديولوجي الذي يستقي منه تنظيم" قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين" أفكاره، ويبني عليه أفعاله، وهذا الانحراف هو الذي سيسمح له بالتحلل من التبعية لتنظيم القاعدة وتنصيب نفسه كمرجعية للتنظيم الجديد ، وكان البغدادي يهدف بهذا الانحراف إلى أمرين :

 أولهما : هو إسقاط المرجعيات الشرعية الأخري ولا سيما تنظيم القاعدة ليصبح التنظيم الجديد هو قبلة المجاهدين في العالم مستقبلا، وفق ما كان يتصور البغدادي، فتوسع في التكفير بشكل لافت إلى المدي الذي اتهم فيه الظواهري بالكفر العلني واتهم القاعدة بالإرجاء لأنها لا تكفر من وجب تكفيره ، كما اتهم الفصائل المجاهدة الأخري بالردة لمجرد أنهم لم يبايعوه أو خالفوه في بعض اجتهاداته، وكفر عوام الشيعة ورأي وجوب قتالهم خلافا للقاعدة التي كانت لا تكفر إلا غلاة الشيعة فقط ولا تري قتالهم وغيرها من الأمور العقائدية التي خالف فيها تنظيم القاعدة والتي أعلنها أبو محمد العدناني في إصدارات بعنوان عذرا أمير القاعدة والسلمية دين من ؟؟ ثم قفز على الجميع واعتلي صدارة المشهد وأعلن نفسه خليفة للمسلمين ومرجعية لهم وطالب الجميع ببيعته والانضمام تحت لوائه والهجرة إليه .

وثانيهما : هو شرعنة توجهاته السياسية والحركية وإصباغ طموحاته التوسعية بالصبغة الدينية


ثانيا : التوسع في التجنيد

- كما فتح البغدادي أبواب التجنيد على مصرعيها، فبينما كان في عهد سلفه أبي عمر البغدادي لا يقبل في التنظيم إلا من هو صاف العقيدة ويرفض كل من يحمل أفكارا قومية أو علمانية أو ديمقراطية نراه اليوم  لا يضع شرطا في قبول التجنيد إلا بيعته وفقط .

ثالثا : التحالفات المتخطية للأيدلوجيات

- كما توسع في عقد التحالفات المتخطية للأيدلوجيات فنراه يتحالف مع العشائر والفصائل السنية والقومية والبعثية التي كانت بالأمس تطارده في جبال العراق وصحاريها على أهداف جزئية كان يرفضها سابقا حتي أشترك مع جميع الفصائل العراقية في الاستيلاء علي الموصل والفلوجة وغيرها من خلال غرفة عمليات مشتركة، وعن ذلك، يقول العميد الركن المتقاعد، مصطفى المشهداني، إن الملاحظ في تلك الفصائل أنها تختلف من حيث المبدأ والفكر بين وطنية وقومية وإسلامية وقبلية، تحتكم إلى عادات عربية قديمة في ثورتها ضد المالكي ويرى المشهداني أنّ توحد تلك الفصائل جاء للضرورة والمصلحة العليا في تغيير النظام الموجود في العراق ويعتبر العميد الركن المتقاعد أن غالبية تلك الفصائل، باستثناء “داعش”، ترى في المالكي شخصية لا تمثل الشيعة العراقيين، بقدر ما تمثل تطلعات إيران .

رابعا : تغيير الأولويات والتراتبيات

- كما غير في الأولويات وترتيبها فتعجل بإعلان الدولة والخلافة وبدّل الاستراتيجية الكلية للقاعدة فبدلاً من وضع قتال العدو البعيد على رأس الأولويات جعل قتال العدو القريب هو الأولي وتحول من حالة تحييد الدول المجاورة إلى استعدائها ومن التعاون مع الفصائل المجاهدة إلى قتالها .

البعث في صفوف التنظيم

وعلى ضوء هذه المتغيرات استوعب البغدادي كبار ضباط الجيش العراقي داخل منظومة الدولة الإسلامية وتقلدوا أرفع المناصب داخل التنظيم حتي نستطيع القول أن المفاصل الرئيسية لتنظيم داعش يهيمن عليها قادة وضباط البعث العراقي ، فعلى سبيل المثال لا الحصر يهيمن البعث على موقع نائب الخليفة و المجلس والعسكري بشكل ثابت، وهما المنصبان الأهم داخل تنظيم الدولة الإسلامية نظرًا لطبيعة التنظيم العسكرية ويشغل قائد المجلس العسكري منصب نائب البغدادي، ولخطورة هذا المنصب احتفظ الزرقاوي  بالمنصبين لنفسه، ثم تولى منصب القائد العسكري أبوحمزة المهاجر كوزير للحرب في حقبة دولة العراق الإسلامية وإمارة أبي عمر البغدادي وهو مدني مصري الجنسية، وفي ولاية أبي بكر البغدادي نلحظ أن هذا المنصب بعثي بامتياز حيث تولاه  حجي بكر، وهو العقيد سمير عبد محمد الخليفاوي، ثم شغل المنصب بعد مقتله في سوريا في يناير 2014 أبوعبد الرحمن البيلاوي، وهو النقيب عدنان إسماعيل البيلاوي، الذي قُتل في يونيو 2014؛ ثم تولى رئاسة المجلس العسكري الحالى أبو مسلم التركماني، وهو فاضل الحيالى العقيد في المخابرات العسكرية بجيش صدام حسين

وينقسم المجلس إلى هيئة أركان وقوات الاقتحام، والإنغماسيين، وقوات الدعم اللوجستي، وقوات القنص، وقوات التفخيخ، وأبرز قيادات المجلس العسكري هما  أبو أحمد العلواني – قائد الجيش العراقي في عهد صدام حسين - ووليد جاسم – النقيب في جيش صدام حسين أيضا ويقوم المجلس بكافة الوظائف والمهمات العسكرية، كالتخطيط الاستراتيجي، وإدارة المعارك، وتجهيز الغزوات، وعمليات الإشراف والمراقبة والتقويم لعمل الأمراء العسكريين، بالإضافة إلى تولي وإدارة شؤون التسليح والغنائم العسكرية، إضافة إلى الاشراف المباشر على الولايات التابعة للدولة الاسلامية.

كما يهيمن البعث أيضا على المجلس الأمني وهو أحد أهم المجالس في تنظيم الدولة الإسلامية و أخطرها، إذ يقوم بوظيفة الأمن والاستخبارات ويتولى رئاسته أبو على الأنباري، وهو ضابط استخبارات سابق في الجيش العراقي، ولديه مجموعة من النواب والمساعدين غالبيتهم ضباط كبار في الجيش المنحل، ويتولى المجلس الشؤون الأمنية للتنظيم، وكل ما يتعلق بالأمن الشخصي لـ"الخليفة"، وتأمين أماكن إقامة البغدادي ومواعيده وتنقلاته، ومتابعة القرارات التي يقرها البغدادي ومدى جدية الولاة في تنفيذها، ويقوم بمراقبة عمل الأمراء الأمنيين في الولايات والقواطع والمدن، كما يشرف على تنفيذ أحكام القضاء وإقامة الحدود، واختراق التنظيمات المعادية، وحماية التنظيم من الاختراق، كما يقوم بالإشراف على الوحدات الخاصة كوحدة الاستشهاديين والانغماسيين بالتنسيق مع المجلس العسكري، ويشرف المجلس على صيانة التنظيم من الاختراق، ولديه مفارز في كل ولاية تقوم بنقل البريد وتنسيق التواصل بين مفاصل التنظيم في جميع قواطع الولاية، كما أن لديه مفارز خاصة للاغتيالات السياسية النوعية والخطف وجمع الأموال (9).

ومن خلال ضباط الجيش العراقي خرج البغدادي من الرماد وأعاد تكوين قوته العسكرية والأمنية ولكن في المقابل أصبح التنظيم هجينا مختلطا يمسك مفاصله ويرسم سياساته ويصوغ استراتيجياته عناصر البعث العراقي .

أسئلة مشروعة أم تفتيش في الضمائر

قاطعني صديقي الداعشي قائلا أنت تفتش في الذمم والضمائر فما أدراك أن هؤلاء لم يتوبوا ويحسن إسلامهم ؟؟

قلت إنَّ معظم قيادة تنظيم داعش من العراقيين المنتمين لحزب البعث العراقي، وفي نفس الوقت كانوا من القادة العسكريين في الجيش، أو جهاز الاستخبارات أو الحرس الوطني زمن الرئيس السابق صدام حسين، ومعلوم أنَّ حزب البعث ما كان يضمُّ في صفوفه ولا يترقي  لمصاف الكبار فيه إلاَّ من كان مخلصاً للحزب وأفكاره وتوجهاته وكان الحزب يحارب بشدة وبقسوة أيَّ نشاط إسلامي لأيِّ جماعة إسلامية، ولم يسلم من اضطهادهم حتى العلماء، الذين كانوا يتعرضون للملاحقة والسجون، والدعاة الذين كانوا يواجهون الاعتقال والتعذيب؟!

وعلى الرغم من ذلك فأنا لا أفتش في الصدور ولكن أليس هناك احتمالية قائمة بأن بعضا من هؤلاء قد اخترقوا التنظيم فعليا ووجهوا مساره وفق أهوائهم ومشاربهم وهذا التداخل الكبير في مفاصل التنظيم  من بعث صدام حسين ألا يؤثر بلا شك  في اتخاذ قراراته ورسم استراتيجياته ويدفع الحجة القائلة باستحالة الاختراق نتيجة سلامة النشأة ونقاء الميلاد ففي مقابل خلو تنظيم داعش من شخصيات شرعية معتبرة، تتصدر السلّم القيادي  يتواجد شخصيات عسكرية، معظمهم كانوا ضباطاً في الجيش العراقي البعثي ألا يثير وجود هؤلاء على رأس تنظيم داعش، من دون أن يكون لهم أي سابقة، أو تاريخ في العمل الجهادي، ومن دون أي مخزون شرعي أو ثقافة جهادية، أو تطور منطقي في تراتبية التنظيم والولاء تبرر قيادتهم تنظيماً، ألا يثير ذلك أسئلة مشروعة عن الدوافع المحركة لهذه القيادات، وطبيعة هذا التنظيم وظروف تكوّنه، وعن مدى وجود بناء نظري متماسك صلب لدى هذه القيادات تُمثل محركاً رئيسياً للقيام بمشروع جهادي كبير .

 

البعث يسيطر على التنظيم

قال صاحبي: البغدادي رجل قوي يستطيع احتواء هذه القيادات بما يضمن أن يكون ولائهم له وجهدهم في خدمة التنظيم لا في خدمة أهدافهم الشخصية لو سلمنا جدلا بأن لهم ميول وأهداف أخري غير صالح الدولة الإسلامية كما تزعم .

قلت: رجال البعث هم من فصلوا البغدادي عن التنظيم وتحكموا في مساراته وليس العكس وسأكتفي بمثال واحد على ما أقول، فالعقيد حجي بكر التحق بالتنظيم زمن أبي عمر البغدادي  ثم سرعان ما حصل بكر على ثقة البغدادي لدوره في الحصول على أسحلة للتنظيم من الجيش العراقي السابق وقدراته العسكرية والتنظيمية العالية ثم قتل أبو عمر البغدادي ونائبة أبوحمزة المهاجر في غارة واحدة من القوات الأمريكية ليتحول بكر من قائد موثوق فيه داخل التنظيم إلى الرجل الثاني في التنظيم،

فأعاد حجي بكر هيكلة التنظيم بعد تولي البغدادي مباشرة  فقام بعدة خطوات مكنته من الهيمنة الفعلية علي التنظيم منها استحداث جهازين داخل التنظيم، أحداهما مخابراتي يختص بالأمن الداخلي ويضمن به عدم تصدع التنظيم وحمايته من الداخل والأخر يضمن الموارد المادية وتدفقها بشكل دوري، كما عمل علي ضمان تبعية الجهازين له وسيطرته عليهما، فاستغل حالة الارتباك التي سادت عقب اغتيال أبي عمر ونائبة، إذ كانت القراءات الأولية تشير إلى ضلوع أحد المقربين من الرجلين في عملية الاغتيال بإرشاد الأمريكان بمكان تواجدهما، فعمد إلى تغيير الهيكلة الإدارية للتنظيم بحجة تأمين البغدادي وتحصينه من محاولات الاغتيال والتصفية والتتبع واحتمالية الاختراق والتجسس حيث كان أبوبكر مطلوبا بشكل شخصي من المخابرات الأمريكية، حيث جعل البغدادي لا يلتقي بالقيادات الفرعية لإصدار التعليمات والتوجيهات وإنما جعل العلاقة بين القيادة العامة وقيادة الأفرع علاقة غير مباشرة، فلا يلتقي البغدادي بقادة الأفرع كما كان يحدث زمن الزرقاوي وأبي عمر وإنما تتلقي قادة الأفرع أوامرهم عن طريق مجلس الشوري الذي سعي بكر إلى تضييقه بشكل كبير حتي وصل في تلك الأثناء إلى 8 أشخاص منهم ثلاثة على الأقل من كبار ضباط حزب البعث العراقي وأصبح حجي بكر نائبا للبغدادي، وبهذه التعديلات أصبح  بكر هو قناة التواصل الوحيدة بين التنظيم وقائده فالتقارير الميدانية يتلقاها البغدادي من نائبه بكر نقلا عن قادة الأفرع وغيرهم، والتعليمات والتوجيهات يتلقاها قادة الأفرع من حجي بكر نقلا عن البغدادي ومجلس الشوري وبذلك استطاع بكر أن يفصل بين البغدادي وكبار القادة ليضمن السيطرة الفكرية والميدانية على التنظيم، ليصبح بكر بعد أشهر قليلة هو القائد الفعلى للتنظيم بعد عزل البغدادي بشكل عملي عن القيادة، كما أنشأ مجموعة أشبه بالحرس الثوري في جيش صدام أختارهم بكر شخصيا من الضباط السابقين في الجيش العراقي ومجموعات فدائي صدام حسين وتدين هذه المجموعات بالولاء الكامل لبكر حيث المعين الأيدلوجي الواحد والمرجعية المشتركة، وتتبع هذه المجموعات القيادة العليا بشكل مباشر ولا تتلقي أوامرها إلا من البغدادي نفسة أو نائبه بكر ومهمتها هي تصفية واغتيال كل من يبدو منه انشقاق أو عصيان من رجال الدولة أو القادة الميدانيين أو القضاة الشرعيين بشكل سري للغاية، وبهذه الإجراءات بدء البغدادي يشعر بنوع من الاطمئنان مقارنة بتخوفاته على أثر اغتيال سابقه وبدء بكر في القيادة الفعلية للتنظيم (10). 

التنظيم الهجين

قال صديقي: أنت تبالغ في الأثر المترتب على دخول بعثيين في صفوف تنظيم الدولة !!

قلت :إن مسألة التوسع في التجنيد التي انتهجها البغدادي خلافا لسلفية الزرقاوي وأبي عمر، لا تتم لمن يعرف بناء المجموعات القتالية إلا تحت الاضطرار الملجئ  و أبوبكرالبغدادي كان فعليا تحت هذا الإضطرار عندما ألجأته الصحوات والمكونات السنية الأخري إلى الهروب في صحراء العراق فقد كان مضغوطا تحت واقع قلة عدد جنوده وندرة التسليح، والتوسع في التجنيد بالشكل الذي صنعه البغدادي يصحبه حتما قبول التعدد الأيدلوجي إذ لم يشترط سوي البيعة وفقط، ومن ثم يصبح التنظيم مهجنا له شكل ثالث لا هو تنظيم البغدادي الذي أسسة الزرقاوي ولا هو حزب البعث وضباط صدام حسين، وهذه المعطيات تنسف بشكل كبير الفرضية القائمة على سلامة النشأة والتكوين وتضعنا أمام فرضية التهجين .. يتبع