» الرئيسية » كتب » حوار هادئ مع داعشي (الحلقة السادسة)


حوار هادئ مع داعشي (الحلقة السادسة)

22 يونيو 2020 - 06:06

  

الحلقة السادسة: الخديعة الكبرى ابتلاع النصرة بوهم إقامة الدولة                           

الغايات تبرر الوسائل

قال صاحبي: أستوقفني في حديثك أن رجال البعث سيطروا على التنظيم وأن البغدادي تحول من الأيدلوجية إلى البرجماتية فماذا تعني بذلك ؟؟؟

قلت : نعود إلى الوراء قليلا وبالتحديد في مارس 2011 حيث اندلعت الثورة السورية ومنذ ذلك الحين والأسد يتجه إلى دفع الثورة إلى العسكرة والتمهيد لميلاد أو تغذية وتقوية تنظيمات تكفيرية عنيفة داخل المشهد السوري، وبالفعل اتجهت الثورة إلى العسكرة بعد أربعه أشهر تقريبا من اندلاعها على أثر الممارسات الوحشية للأسد ونظامه، وفي هذا التوقيت الذي من المفترض وفقا لسياسات الأسد الدموية أن يعدم من لديه من الجهاديين في السجون السورية، إذ به يفرج عنهم مع علمه المسبق  بتبعيتهم لتنظيم القاعدة وغيرها من التنظيمات الجهادية الأخرى، وكان على رأس هؤلاء أبو محمد الجولاني  - اعتقل منذ عام 2004 وحتي عام 2011 -  والذي اتجه مباشرة فور خروجه من السجون السورية إلى أبي بكر البغدادي ليقترح عليه تكوين مجموعة للقتال في سوريا – وعلى ضوء إخراج الجهاديين من السجون السورية في أوج أوقات المواجهة بين الجيش الحر وجيش الأسد – نستطيع الجزم أن الأسد كان قد بدء فعليا التمهيد لصناعة تيار متشدد في سوريا في منتصف 2011، وقوبل اقتراح الجولاني بالرفض المبدئي ثم الموافقة كما أسلفنا بعد خطة بكر بالذهاب المشروط بعدم ضم عراقيين في المجموعة المقترحة، وبدأت جبهة النصرة المنتمية فكريا وتنظيميا للظواهري والقاعدة تنمو بقيادة الجولاني ويبرز اسمها على الساحة السورية بشكل كبير وسريع وأصبحت قبلة لكثير من المقاتلين من دول عربية وإسلامية في الفترة من يناير 2012 وحتي بدايات 2013 وعلى مدار عام واحد فقط .

 في حين كان البغدادي يئن هو وبقايا تنظيمه في صحراء وجبال العراق مطاردا من الصحوات والأمريكان والمكونات السنية الأخرى، وفي هذا التوقيت تحديدا والذي يمكن حصر مداه الزمني في الفترة من نهاية 2012 وحتي إعلان ضم جبهة النصرة في إبريل 2013 وضع حجي بكر خطة الانتقال إلى سوريا كمسار وحيد لإنقاذ التنظيم من الهلاك في صحراء العراق، حيث استمرار التنظيم في العراق تحت ضغط المطاردة وقلة الموارد المالية والبشرية كان سيقضي عليه حتما، وبالتالى كانت فكرة الانتقال إلى سوريا هي الملاذ الوحيد أمام التنظيم للبقاء، وكان لابد من تبرير هذا التمدد والانتقال بعد رفضه مسبقا ووضع تشديدات وصلت إلى حد اعتبار من يفكر بالانتقال إلى سوريا من مقاتلي الدولة منشقين، وكان لابد أيضا من شرعنه هذا التبرير، فكان التبرير الشرعي للانتقال هو توسيع الدولة الإسلامية من العراق لتشمل الشام لتصبح الدولة الإسلامية في العراق والشام بدلا من الدولة الإسلامية في العراق فقط .

خطوات الخداع

1- إحياء مفهوم التبعية والجندية

ووضع بكر خطة متدرجة للانتقال إلى سوريا وابتلاع جبهة النصرة، ولكنه كان يدرك مخاطر الانقلاب المباشر على النصرة صاحبة الوهج الإعلامي والانتصارات الميدانية، فقد كان يريد النصرة بكل مكوناتها دون انشقاقات عليه، وبشكل يبدو شرعيا أمام مقاتلي النصرة ومقاتلي تنظيم الدولة،  فبدء بالانقلاب الناعم لإرساء مفهوم تبعية النصرة والجولاني له، حيث كان يريد ترسيخ هذا المفهوم بشكل أساسي قبل القيام بأي إجراءات أخري، حيث غاب هذا المفهوم عن الساحة طوال عام تقريبا وخاصة لدي المقاتلين الجدد الذين انضموا حديثا للنصرة، فطلب البغدادي من الجولاني أن يعلن تبعية النصرة لدولة العراق بقيادة البغدادي ولم يُلحق هذا الطلب بأي طلبات أخري وهو طلب غير مبرر مطلقا في هذا التوقيت إلا إذا فهم في سياق التأكيد على مفهوم الجندية والتبعية والتمهيد للانتقال من العراق إلى سوريا وهو في تقديري مطلب معلوم مسبقا رفضه حيث أن حيثيات عدم إعلان النصرة تبعيتها للقاعدة أو لدولة البغدادي أو غيرهما ما زالت قائمة وهي مخاطر الإعلان عن هذه التبعية على الثورة السورية ومسارها، التي دخل البغدادي سوريا على خلفية نصرتها، ولكنه رغم رفض الطلب فقد حقق البغدادي مراده منه.

2- إسقاط المرجعية

 وبعد تثبيت مفهوم تبعية النصرة للبغدادي بدأت معركة التصعيد الفكري والشرعي لإسقاط مرجعية الجولاني وإظهاره في صورة  المخالف لقيادته المتخاذل عن تنفيذ قراراتها فتداخل البغدادي في تكتيكات المعارك وخططها وترتيب أولوياتها على غير اعتياده خلال العام المنصرم كله، فرفع سقف مطالبه المعلوم مسبقا رفضها ووفقا لخطة بكر فقد طلب البغدادي من الجولاني أن يقوم بعملين عسكريين ضد قيادات الجيش الحر، أحدهما في تركيا والأخر في سوريا وعلل ذلك بحجة غير منضبطة لا يمكن قياسها وتختلف الأراء في جدواها فعلل قراره  بأنهم صحوات المستقبل العملاء للأمريكان وأن الضربات استباقية تستهدفهم قبل استفحال أمرهم وتمدد خطرهم، وهذه الأوامر تتعاكس بشكل مباشر مع استراتيجية جبهة النصرة وأولوياتها، فهي لا تتصادم مع المكونات العسكرية الأخري ولا تسعي إلى استعداء الدول التي تعتبرها صديقة وذلك وفق استراتيجية القاعدة التي يتبعها الجولاني ومن المفترض أن يكون البغدادي تابعا لها أيضا حتي هذا التوقيت، واعتبر الجولاني هذه المطالب مخالفة للسياسات الكلية التي تنتهجها القاعدة فأرسل ردا مفصلا للبغدادي يخبره فيها برفضه هذه الأعمال باعتبارها خطأ استراتيجيا كبيرا مضرا بالثورة السوريا، ولم تكن لهذه المطالب أيضا أي دواعي عسكرية تبررها ميدانيا ولا عسكريا إلا إذا فهمت من خلال رغبة البغدادي في إسقاط مرجعية الجولاني وإحداث انشقاقات داخل النصرة بين مؤيد لسقف البغدادي المرتفع ومعارض له، كما كان الهدف الأصيل أيضا هو تأكيد و ترسيخ تبعية وجندية الجولاني للبغدادي من خلال مراسلات الأخذ والرد التي لا تتم إلا بين الجندي والقائد، ووقع الجولاني في الفخ على أثر حرصه على عدم شق الصف .

3- ميلاد الدولة مبرر لابتلاع النصرة

ثم سارع بكر بخطوات متقدمة لسحب أتباع الجولاني والتمهيد للانقلاب عليه، وهذه الخطوة هي الأصعب إذ كان البغدادي يعلم أن وهج النصرة لن يتم التغلب عليه إلا بوهج أكبر منه، فكان الترويج لمشروع تمدد الدولة الإسلامية من العراق إلى الشام تحت قيادة موحدة هو المشروع الجاذب الذي يستطيع من خلاله احتواء وهج النصرة، فأرسل بكر مجموعة من القيادات الموثقة لديه إلى سوريا للالتقاء بقادة الأفرع وقيادات جبهة النصرة وخاصة الوافدين من الخارج – المهاجرين -  للترويج لمشروع تمديد الدولة الإسلامية تحت قيادة واحدة  لعلم البغدادي أنهم أتوا من أجل حلم الخلافة والتمكين .

 كما اعتمد البغدادي لشق النصرة على مجموعة من القيادات كانت على خلافات حادة مع الجولاني حول مسائل استهداف الشيعة والتوسع في التكفير والدعوة إلى قتال المكونات السنية الأخري التي لا تنتهج نهج جبهة النصرة، حيث اعتبر البغدادي هذه المجموعة هي النواة الصلبة داخل النصرة التي يمكن البدء بها والاعتماد عليها، ومن هنا يمكن فهم مغزي وهدف أخر للأوامر غير المبررة التي أرسلها البغدادي للجولاني والتي ترغب في استهداف الجيش الحر، إذ كانت تلك الأوامر بمثابة الرسائل الموجهة إلى تلك المجموعات بأن القيادة العليا تؤيد توجهاتكم وتدعمها، وكانت الاستجابة قوية من غالبية المجموعات التي عرضت عليهم الفكرة، فقد وافق غالبية قادة الأفرع على فكرة تمديد الدولة الإسلامية تحت قيادة واحدة بدافع حلم الخلافة والتمكين، أما المجموعات المعارضة لسياسات الجولاني فقد كانت استجابتهم فورية وكان على رأس هؤلاء أبو عمر القحطاني  الذي حبسة الجولاني ثلاث مرات وسحب سلاحه بسبب نشره للفكر التكفيري والتحريضي ضد المخالفين لجبهة النصرة، وقد قبض أبو عمر القحطاني ثمن الانشقاق على النصرة وتولي أعلى منصبا شرعيا في دولة البغدادي وصار الشرعي العام لدولة العراق والشام فيما بعد.

ودخل البغداي سوريا بعد أن أطمئن إلى وجود مجموعات داعمة له داخل النصرة والتقي بالعديد من القيادات وساعده في ذلك اختفاء الجولاني تحت ضغط المطاردات الأمريكية له، حيث وضُعت النصرة على قائمة الإرهاب ووضُع الجولاني على رأس قائمة المطلوبين في سوريا " وإذا رصدنا تاريخ وضع النصرة على قائمة الإرهاب الأمريكية ووضع الجولاني على قائمة المطلوبين في ديسمبر 2012 لوجدنا تطابقا بين تواريخ محاولات البغدادي إسقاط الجولاني ودخول سوريا في نفس التوقيت، مما يضع علامات استفهام أخري حول هدف التوقيت الأمريكي وهل كان يصب في اتجاه إضعاف الجولاني لصالح البغدادي الأكثر تشددا أم لا ؟؟ "

 -  وفي إبريل 2013 وبعد عام وأربعة أشهر تقريبا من ميلاد النصرة أعلن البغدادي تمدد دولته من العراق إلى الشام ليصبح المسمي الجديد " الدولة الإسلامية في العراق والشام " وانضمت المجموعات التي تم الاتفاق والترتيب معها وأغلبهم من الوافدين من الخارج إضافة إلى المجموعات صاحبة الخلاف مع الجولاني وبقيت مجموعة على الحياد بين الفريقين وظلت مجموعة مع الجولاني وأغلبهم من المقاتلين السوريين

قال صاحبي : لا أريد أن أقطع استرسالك  فلي ملاحظات سأذكرها حينما تنتهي ولكني أود أن أسجل هنا أن البغدادي وفقا لهذا السرد لم يجبر أحدا على الدخول في دولته أو مبايعته كما تزعمون ؟؟

قلت : أول إجراء قام به البغدادي بعد الإعلان عن قيام دولته هو تشكيل فرق أمنية لها ثلاث مهمات أساسية

 الأولي: هي الاستيلاء على الأراضي ومخازن السلاح التي في حوزة النصرة بحجة أن الأرض والسلاح ملك للدولة الإسلامية ومن يرفض التسليم يقتل

والثانية: هي اغتيال قيادات وشرعي الفصائل المختلفة التي ترفض مبايعة البغدادي

والمهمة الثالثة: هي تصفية كل من حاول الانشقاق عن دولة البغدادي من داخلها.

وبدأت المجموعات الأمنية عملها منذ اليوم الأول في ظل حالة ارتباك شديدة في صفوف النصرة وموقف شرعي متردد من محاربة من كانوا في صفوفهم بالأمس، واستخدمت داعش كل وسائل الاغتيالات من الرصد والقنص والتفخيخ وتفجير السيارات مستعينة في ذلك بكل خبرات رجال البعث وضباطهم.