» الرئيسية » كتب » حوار هادئ مع داعشي (الحلقة السابعة)


حوار هادئ مع داعشي (الحلقة السابعة)

29 يونيو 2020 - 10:18

  

الحلقة السابعة: دولة داعش سراب يحسبه الظمأن ماء " أبو الوليد المقدسي نموذجا "

قال صاحبي: كلامك مجاف للحقيقة وسأنقل لك كلاما لأبي الوليد المقدسي شرعي النصرة في درعا والقنيطرة وهو يفند مزاعمهم ويؤكد على مشروعية البغدادي ودولته وجاءت كلمته تحت عنوان تأصيل الخلاف بين جبهة النصرة والدولة الإسلامية حيث قال ما نصه:

قال الله تعالى في محكم التنزيل (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) وقال ابن مسعود فيما روي عنه "عليكم بالتؤدة فإنها ستكون أمور مشتبهات فلأن تكون تابعا في الخير، خير من أن تكون رأسا في الشر وعلى هذا فإني العبد الفقير أبو الوليد المقدسي المعروف بأبي الوليد المهاجر أحد المسؤولين الشرعيين في جبهة النصرة في منطقة القنيطرة ودرعا قبل انشقاقي عنهم قد حرصت من التبين من حقيقة الخلاف بين جبهة النصرة والدولة الإسلامية فتبينت لي عدة أمور :

الأمر الأول: أن جبهة النصرة قد أخلت بالبيعة للدولة الإسلامية وانشقت عنها وشقت عصى الطاعة ومن ثم فإن كل بيعات جبهة النصرة بيعات باطلة فكل ما بني على باطل فهو باطل

الأمر الثاني: قد تبين لي من خلال عملي الطويل مع جبهة النصرة كأحد المسؤولين البارزين فيها أن جبهة النصرة تريد فقط النكاية في الأعداء ولا تحمل مشروع تمكين متكامل للمسلمين في بلاد الشام وهي بذلك تسهل للعلمانيين قطف ثمرة جهادنا وجهودنا ودماء شبابنا

الأمر الثالث: وهو أن جبهة النصرة قد وقعت في ناقض من نواقض الدين وذلك بموالاتها للمرتدين من المجلس العسكري الذين يقاتلون في سبيل الديمقراطية والعلمانية ولصالح أمريكا وحلفائها

وبعد أن وردتني بعض الأسئلة من إخوتي وأحبابي في أرض القلمون أرض الجهاد والرباط فلا بأس أن أفصل في هذه المسائل فأقول وبالله التوفيق.

المسألة الأولى : مسألة البيعة، فقد قضى الأصوليون أن البيعات تنقسم إلى عدة أقسام وهي بيعة خاصة كبيعة أمير على السفر أو أمير على القتال أو أمير على الدعوة أو أمير على الأمر بالمعروف وهذه بيعات خاصة وأما النوع الثاني فهو بيعة عامة أي بيعة عامة المسلمين لأمير عام يطبق فيهم شرع الله ويكون خليفة للمسلمين وولي أمر شرعي لهم وأميرا للمؤمنين ومعلوم إذا قرأنا التاريخ أن الفصائل التي كانت في مجلس شورى المجاهدين في العراق وكانت فصائل كثيرة ومن ضمنها تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين قد توحدوا وبايعوا أميرا تحت مسمى دولة العراق الإسلامية وقرروا أن بيعتهم لذلك الأمير هي بيعة عامة تذوب وتندمج كل الفصائل تحتها

بينما تكون البيعة لتنظيم القاعدة بيعة خاصة في كل المناطق التي لا تخضع لسلطان أمير الدولة الإسلامية ومعلوم أن الدولة الإسلامية في العراق أنذاك هي التي أرسلت الجولاني الذي كان أحد رجالها وأمدته بالرجال وأمدته بالمال وأمدته بالسلاح وبذلك أصبحت بلاد الشام تخضع لسلطان أمير الدولة وهيمنته وبذلك يكون أمير الدولة هو الذي يدير شوؤنها، وبذلك نقول أن البيعة للدولة الإسلامية هي بيعة عامة لا يجوز نقضها

أما البيعة لتنظيم القاعدة فهي بيعة خاصة ومعلوم أن البيعة العامة مقدمة على البيعة الخاصة ومعلوم أن أرض الشام كانت تخضع للبيعة العامة حيث لا اعتبارات لحدود سايكس وبيكو، لذلك تكون جبهة النصرة نقضت بيعتها للدولة الإسلامية وبايعت أيمن الظواهري لتسبغ الشرعية على انشقاقها عن الدولة الإسلامية والسمع والطاعة لأميرها ولذلك تقرر أن ما بني على باطل فهو باطل فكل البيعات التي قدمت لجبهة النصرة تكون باطلة شرعا وعقلا

اما المسألة الثانية : هي عدم عمل جبهة النصرة للتمكين الحقيقي للأمة، فقد عاينت ذلك بنفسي عندما عملت كمسؤول شرعي في جبهة النصرة، فالمناطق التي تحررها جبهة النصرة لا تسعى لإقامة المحاكم الشرعية الفعالة فيها ولا لجبي أموال الزكاة وتوزيعها على الفقراء ولا لفرض الحجاب وتطبيق حدود الزنا ولا لإقامة الولاء والبراء وإدخال المهاجرين وربطهم بالأنصار ولا تسعى لأن تستلم أمور التعليم والمدارس فيها وتحارب مناهج النظام النصيري، وبذلك كانت جبهة النصرة تحرر المناطق ثم تتقدم بدعوى أنها تريد قتال النظام النصيري فتترك كل تلك المناطق التي حررت بأموال المسلمين وبدماء المجاهدين وبجهود الدعاة المخلصين تتركها للعلمانيين لكي يقطفوا ثمرة جهاد المؤمنين فيها وهذا ما عايناه بأنفسنا في كل مقام

ولذلك فنقول وجب اليوم على كل مجاهد أن ينضم لمشروع التمكين الحقيقي وأن يترك مشروع يكون مجرد مشروع قتال بسيط مجرد قتال للنكاية في الأعداء، فمعلوم أن هدفنا هو إعلاء كلمة الله بإقامة الدولة الإسلامية وبسط الشريعة في كل مكان

وأما الأمر الثالث: فهو أن جبهة النصرة قد وقعت في موالاة المرتدين وتحالفت مع فصائل من المجلس العسكري ضمن مجلس شورى المجاهدين في الشرقية وقامت مع المجلس العسكري بمجلس شورى واحد وبغرف عمليات موحدة لقتال الدولة الإسلامية والله تعالى يقول (ومن يتولهم منكم فإنه منهم) فهذه موالاة للمرتدين واضحة ظاهرة ولا يجوز موالاة المرتدين وهذا ناقض من نواقض الإسلام كما هو معلوم

وعلى هذا فإننا نرى منهج الدولة منهج صحيح وهو منهج أهل السنة والجماعة وأن الشيخ الإمام أبي بكر البغدادي هو خليفة للمسلمين وجب على المسلمين بيعته وعلى هذا فأقول أن جبهة النصرة وقعت في كل تلك المخالفات فهي

أولا: شقت عصى الطاعة ونقضت بيعتها للدولة الإسلامية

ثانيا: لا تسعى للتمكين الحقيقي للأمة فلا تطبق الشريعة في المناطق التي تسيطر عليها

ثالثا: لقد والت المرتدين من المجلس العسكري على الدولة الإسلامية

وأبين مسألة أخيره

وهي أننا بتكفيرنا لجبهة النصرة لا نكفر كل أفرادها وإنما نكفرها كفر طائفة ونقاتلها على ذلك ولسنا مطالبين بالتمييز ولكننا نقول أن كل من جهل هذا الأمر وهو أن جبهة النصرة تقاتل في تحالف موحد مع المجلس العسكري المتحالف مع أمريكا ضد الدولة الإسلامية فإننا لا نكفره ولا نكفر من قاتلنا لمجرد قتالنا لذلك أقول أن منهج الدولة الإسلامية ملتزم بضوابط أهل السنة والجماعة في مسائل الإيمان والكفر كما أن الدولة الإسلامية تمد يدها لكل ناصح ولكل من يرغب في بناء هذا الصرح وندعو شباب الإسلام في القلمون وفي كل مكان إلى مبايعة الدولة الإسلامية.

والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون والحمد الله رب العالمين .

قلت : كلام أبو وليد المقدسي هام جدا في استدلالى على الطرق الخداعية التي استخدمها البغدادي لشق جبهة النصرة وسحب قادتها إلى صفوف دولته مستخدما الأدوات الشرعية، ومتلاعبا بها، ولاويا لأعناقها، فالبغدادي قد أكد في البداية على تبعية النصرة له من خلال المراسلات الأولية التي طالب فيها الجولاني بإعلان التبعية ومطالبته بأوامر هو يعلم أن الجولاني لن يحققها لتصدير صورة  الإخلال بالبيعة وشق عصا الطاعة وهذه الجزئية هي التي روجها البغدادي بين جنود الجولاني وسعت فيهم كالنار في الهشيم حتي أننا نجد أبو الوليد المقدسي شرعي النصرة تنطلي عليه الخدعة ويستدل بها في افتتاحية كلامه فيقول " إن جبهة النصرة قد أخلت بالبيعة للدولة الإسلامية وانشقت عنها وشقت عصى الطاعة ومن ثم فإن كل بيعات جبهة النصرة بيعات باطلة فكل ما بني على باطل فهو باطل " متجاهلا التبعية الأولي للبغدادي والجولاني للظواهري والقاعدة  وفقا لما ذكره أبو محمد العدناني المتحدث الرسمي لداعش في إصداره عذرا أمير القاعدة حيث قال(24) ما نصه " أرسلت الدولة عبر أبي حمزة المهاجر رسالةً لقيادة القاعدة تؤكّد فيها ولاء الدولة لرموز الأمّة المتمثّلين بالقاعدة، وتُخبرهم أنّ الكلمةَ لقيادة الجهاد في العالم لكُم  برغمِ حلّ تنظيمكم على أرض الدولة، تبقى الكلمة لكُم حفاظاً على وحدة كلمة المجاهدين، ورصّ صفوفهم، ولأجلِ ما ذكرنا كلّه، ظلّ أمراء الدولة الإسلامية يُخاطبون قاعدة الجهاد خِطابَ الجنود للأمراء، خطاب التلميذ لأستاذه، والطالب لشيخه، خطاب الصغير لكبيره، وظلّت الدولة الإسلاميّة تلتزم نصائح وتوجيهات شيوخ الجهاد ورموزه."

وعلى ضوء كلام العدناني الذي يؤكد على تبعية الدولة للقاعدة تصبح بيعة البغدادي والجولاني للظواهري والقاعدة هي البيعة العامة وبيعة الجولاني للبغدادي بيعة خاصة باعتبار البغدادي هو أحد الأمراء الذين عينتهم القاعدة على فرعها في العراق، وتصبح تبعية الجولاني للبغدادي باعتباره أميرا على فرع العراق له من السمع والطاعة بمقدار التزامه بتوجيهات من له البيعة العامة وهو الظواهري، وهذا ما فهمه الجولاني فرفض أوامر البغدادي مستدلا بأنها تخالف السياسات العامة للقاعدة، ثم أكد لاحقا أنه بايع البغدادي باعتباره أميرا على فرع القاعدة في العراق 

أما استدلال أبو الوليد بما حدث في مجلس شوري المجاهدين وتوحيد الفصائل في الشام تحت راية واحدة وهي راية تنظيم الدولة في العراق فقد نسخه تنظيم الدولة ذاته وأعاد قيادة الجهاد في بلاد الشام إلى القاعدة مرة أخري عبر الرسالة التي أرسلها التنظيم إلى القاعدة من خلال أبوحمزة المهاجر النائب الأول لأبي عمر البغدادي ووزير الحرب في دولته أنذاك وأكد فيها على أنه رغم حل تنظيم القاعدة في العراق إلا أنهم يؤكدون على تبعية الدولة للقاعدة وفقا للحيثيات السابق ذكرها كوحدة الصف وغيرها

المدخل الثاني : وهو الوتر الذي لعب عليه البغدادي لجذب قيادات النصرة وتوهين ارتباطهم بالقاعدة وخاصة الوافدين منهم وهو حلم التمكين والخلافة واتجه البغدادي اليه نظرا لمعرفته باستراتيجيات القاعدة التي تري تأخير مراحل إعلان الدولة لحين قدوم اللحظة المناسبة، ولذا نري تهافت الوافدين على حلم الخلافة ووهم الانضواء تحت لواء واحد وقيادة موحدة  فنري المقدسي يذكر أن من مثالب النصرة أنها لا تحمل مشروع تمكين متكامل في حين أن البغدادي يقدم نفسة على خلفية هذا المشروع

المدخل الثالث: هو هدم القيادات والمرجعيات الاخري باتهامهم بالعمالة والصحوات والردة وموالاة الكفار وغير ذلك، وهو عين ما ذهب إليه المقدسي في مأخذه على النصرة، ولذلك خلص المقدسي بردة وعمالة النصرة وشرعية قتالهم والقضاء عليهم، فوثيقة المقدسي هي في الحقيقة تعبر تعبيرا مركزا عن برجماتية البغدادي المقيتة وتعكس خطواته التي انتهجها لسحب قيادات النصرة ممتطيا الشعارات الدينية ومتلاعبا بأمال الشباب وأحلامهم .

قال صاحبي .. أنت تبالغ في تحليلك بشأن خطط البغدادي لإيهام القيادات بما هو غير حقيقي ولا ظل له على الأرض إذ أن أبو الوليد المقدسي كان صاحب عقل وفطنة وذكاء فهو ليس جنديا عاديا، فهو مع كونه فلسطيني الأصل يتحدث الإنجليزية والألمانية والفرنسية بطلاقة، عاش في سويسرا ويحمل جنسيتها، بدأ مسيرة جهاده في الصومال وبعدها انتقل إلى اليمن، إلى أن وصل إلى سوريا وتم تعيينه مسؤولاً شرعياً للنصرة وبالتالى فهو مجاهد له باع طويل على الساحة الجهادية والشرعية على حد سواء، فكلماته ذات ثقل ومعني وحكمه لابد وأن يكون مبنيا على رؤية صحيحة ولن ينتقل من النصرة إلى الدولة الإسلامية إلا إذا رأي أن مشروع الدولة مشروعا حقيقيا وليس وهما كما تدعي، ثم إن أهداف البغدادي هي تحرير البلاد من حكم الطواغيت المرتدين والعلويين والصفويين ثم إقامة حكم إسلامي فور السيطرة عليها وتوسيع رقعة الدولة الإسلامية وتحكيم الشريعة وهو ما تم بالفعل فأقامت الدولة الإسلامية الحدود وجمعت الزكاة وفرضت الجزية وبدأت في تطهير مناهج التعليم والإعلام من سموم العلمانية التي أفسدت القلوب وشوهت العقول وخربت الأجيال، أما الفصائل السوريا فهدفها إسقاط بشار وإقامة دولة مدنية تعددية تؤمن بالديمقراطية والحريات المفتوحة وتداول السلطة وهو ما ثبت لكل من عنده مسحة من عقل أو أثارة من علم وشئ من بصيرة أنها لعبة لإلهاء الشعوب العربية وشغلها وإبعادها عن الحكم الإسلامي الرشيد وأن الديمقراطية لن تسمح أبدا بإقامة دولة الإسلام إن لم تأت بما يوافق سياساتهم ويحقق أهدافهم، فانظر أي الهدفين أولي بالمناصرة والمحبة  فضلا عن التأييد والموالاة، وقد أعلنتها الدولة صريحة منذ سنتين " سنحرر المحرر مالم يطبق فيه شرع الله وتعلن فيه إقامة الدولة "

قلت : من حسن الطالع أنه بين يدينا وثيقة أخري لنفس الرجل أبو الوليد المقدسي الذي انشق عن جبهة النصرة  وأصدر بيانه الذي أدان فيه النصرة ودعا المقاتلين للالتحاق بجنة داعش صاحبة الدولة الإسلامية المأمولة وحلم الخلافة المنشود  – كما روج البغدادي واقتنع أبو الوليد بنفس العلل التي ذكرتموها من تمدد الدولة والخلافة وغيرها -  إلتحق الرجل سريعا بصفوف الدولة وتلقفته داعش وعينته كمسئول شرعي لها في القلمون فور انضمامه مباشرة ، ولكن المفاجأة أنه وبعد ستة أشهر فقط اكتشف أبو الوليد صاحب الثقافات المتعددة وهم الدولة وخداع البغدادي فاتهمته داعش بالردة والعمالة وقامت مجموعة الاغتيالات التابعة للمجموعات الأمنية بمهمتها على أكمل وجه، وأصبح أبو الوليد المقدسي أثرا بعد عين ليس هو فقط وإنما هو وزوجته .


وبالعودة إلى تسجيل المقدسي الذي انتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي تحت عنوان " اسمعوا منا ولا تسمعوا عنا " يقول أبو الوليد المقدسي متحدثا عن وهم الدولة ما نصه:

"منذ قدومي إلى القلمون أدركت من ينتسب إلى الدولة هنا وهم عدد قليل من التكتلات والتحزبات بل والعصابات التي كان يعمل كل واحد منها على حدة مع بغض وعداوة شديدة ولم يكونوا على حال قويم، فحاولت الإصلاح ما استطعت لكن وجدت العجب العجاب وجدت أن الأشخاص لا يوضعون في المكان المناسب، لا توزع المهام ولا تحصر الاختصاصات، لا رقابة ولا محاسبة، ارتقاء لبعض الأشخاص إلى سلم الإمارة بشكل سريع جداً، عدم استشارة ذوي الخبرة، عدم وجود تنسيق بين الأجهزة، اختراق وفشل أمني، عدم وجود ألىة للانتساب، مجموعات تتكلم باسم الدولة وهي ليست منها، الاستدراج من قبل مدسوسين لمعركة فاشلة في عرسال، وجود عناصر متواصلة مع صحافيين يعملون على تصفية حساباتهم عبر نشر الفضائح، ضعف في المستوى الشرعي أدى إلى تفشي ظاهرة مجاهد غير منضبط، وجود حالات من الغلو، تطبيق الحدود من دون مقومات، عدم توزيع الغنائم، أخذ أموال وممتلكات للمسلمين بتهمة أنهم مرتدون بينما لا حقيقة لذلك كله، عدم وجود دروس أدى إلى خلل عقائدي وانتشار البدع في عدد من المقرات، وجود مشكلة مع الأموال وغياب ميزانية محدودة لكل شخص، إذ كان عدد جنود الدولة الإسلامية المكتوب على الورق عند قدومنا ومن يصرف لهم رواتب يزيد عن 250 شخصاً فيما كان العدد الحقيقي لا يتجاوز 85 شخصاً " أنتهي كلام أبو الوليد المقدسي

واعتزل الرجل بعد هذه الكلمة في خيمة مستقلة بعيدا عن تنظيم الدولة هو وزوجته.

فقامت داعش بقتل قاضيها الشرعي المخلص لتوجيهاتها ورغباتها  "أبو الوليد المقدسي"، وزوجته السورية، عقب نشره لهذه الكلمة والتي تبرأ فيها من أفعال التنظيم، واتهمه بـ"الفساد، والعمالة، والاختراق"، وعللت داعش قتل أبو الوليد بعدة أمور منها أن به بعض صفات الخوارج وأنه عميل للمخابرات الأردنية وأنه أصدر بيان هاجم فيه تنظيم الدولة وتبعه بخطبة جمعة بنفس المعني وأنه لم يستجب  لدورية التنظيم التي ذهبت للقبض عليه، ويعد أبو الوليد قبل هذا الإصدار أحد النماذج المعبرة عن سياسات داعش بشكل حرفي إذ بمجرد توليه قاضيا شرعيا للقلمون بادر بتخيير الفصائل المتواجدة هناك، إما أن يبايعوا البغدادي أو يسلموا المقرات التابعة لهم والسلاح الذي بحوزتهم، وأفتي باقتحام المقرات ومصادرة السلاح واغتيال كل من يرفض المبايعة وإخلاء الأرض لتنظيم الدولة، واعتبر جبهة النصرة طائفة كفر وردة وجب قتالهم، حتي أنه أفتي بقتل أبو أسامة البنياسي أمير داعش في القلمون أنذاك بحجة أنه يتواصل مع النصرة ولا يكفرها، وأخذت القيادة العامة بتوصيات أبا الوليد وأمرت بقتل البنياسي وتكفلت المجموعات الأمنية باغتياله .

وبحسب ما نقله موقع عربي21 فقد كشف أحد أقرباء "أبو الوليد المقدسي التفاصيل الكاملة لحادثة مقتله على يد تنظيم الدولة"

فقال أن حادثة قتله كانت بشعة للغاية، حيث اقتحم عناصر من تنظيم الدولة خيمة "أبو الوليد" التي كان يعيش فيها مع زوجته في عزلة عن باقي الفصائل – بعد اكتشافه لوهم الدولة - وأصابوه بثلاث رصاصات في قدمه ولم يتمكنوا من قتله قبل مغادرتهم " بحجة أنه مرتد وعميل" و ظل ينزف لمدة ثلاثة أيام دون أن يلقى أي شفقة من قبل تنظيم الدولة ثم عادوا إليه مرة أخري ودخلوا عليه، وهو ينزف، وكان يودع أمه على الهاتف مدركًا أنه على وشك الموت، فصوب أحدهم مسدسه نحو رأسه، فأرداه قتيلًا، واختبأت زوجته برفقة بعض النسوة إلا أن عناصر التنظيم لاحقوها وأطلقوا عليها الرصاص فقتلت .

وهذا التسجيل الصوتي لأبي الوليد يعد وثيقة شديدة الأهمية لعدة اعتبارات

 أهمها أبو الوليد نفسه، فهو شخصية كما ذكرتم ذات ثقل في الساحة الجهادية والشرعية فضلا عن كونه يحمل ثقافة عالية مزجت بين الشرق بعروبته وإسلاميته والغرب بتنوع ثقافاته، إضافة إلى كونه حالم بمفهوم الخلافة والتمكين ومن ثم يصبح حكمه المبني على التجربة ذات أهمية حال الرصد والتحليل

 والاعتبار الأخر هو أن تقييم الرجل أتي من داخل دولة البغدادي وليس من خارجها  فتقييم المقدسي لم يأت عن طريق السماع ولا العنعنة ولا الإرسال وإنما عن طريق المشاهدة والمعاينة والاختبار مما يجعل قيمة هذا التوثيق ذات معني، وإذا أضفنا أن أبا الوليد كان في قلب دائرة صنع القرار وتطبيقه ومن القلائل الذين يثق فيهم البغدادي داخل القلمون لفهمنا الأهمية القصوي لشهادة أبا الوليد .

 والاعتبار الأخير هو اعتبار التوقيت فقد بث أبو الوليد هذه الكلمة الصوتية التي كانت سببا في مقتله في نهاية مايو 2015 في أوج شهرة تنظيم الدولة ووهج الخلافة، فقد كانت داعش تستولي في هذا التوقيت على نصف مساحة سوريا تقريبا فضلا عن محافظات صلاح الدين ونينوي والموصل والرمادي بالعراق إضافة إلى حقول البترول التي كانت تحت سيطرة التنظيم بشكل حقيقي، بمعني أن ما وصفه المقدسي يعبر عن حال الدولة ليس في بداية تكونها ولا فترات ضعفها وإنما في أوج انتصاراتها وهو ما يعكس حجم الانهيار الداخلي لدولة الخلافة المزعومة الذي تغطية طبقة رقيقة من هالة إعلامية مصطنعة.

أشار أبو الوليد إلى العديد من المشاهد الهامة، لخص بها حال دولة الخلافة التي يتسابق الشباب للالتحاق بها ومنها :

 المشهد الاول .. مسألة اختراق التنظيم التي صرح بها في قوله وهو يتحدث عن العيوب التي رصدها خلال فترة الستة أشهر التي قضاها في التنظيم ( اختراق وفشل أمني ) بينما نجد في المقابل أن الدولة نفسها هي من تتهم أبا الوليد بالعمالة للمخابرات الأردنية في وثيقة الاتهام التي اغتيل على أثرها، وأيا من كان متهما بالتخابر والاختراق فإننا نرصد هنا قولا موثقا سواء من الدولة أو من المقدسي أن التنظيم مخترق بشكل مباشر، فإن صدقت الدولة في زعمها بعمالة أبا الوليد فهو توثيق جديد منها أن هناك اختراقات مباشرة وصلت إلى أعلى رتبة شرعية في التنظيم وساهمت في قتل مسؤل داعش في القلمون أبو أسامة البنياسي، وبالتالى هناك عملاء يصلون إلى مفاصل التنظيم ويؤثرون في قراراته وتوجهاته ورسم سياساته وتنخدع بهم القيادة العامة إلى الدرجة التي تقدم بها الدولة على اغتيال أحد قادتها بناء على توجهات هذا العميل، وإذا صدق المقدسي فهو قد عاين بما لا يدع لديه مجالا للشك أن هناك اختراقات أمنية ومخابراتية دفعته مع غيرها من العوامل الأخري إلى الاعتزال وترك جنة التنظيم مفضلا الموت على البقاء فيه.

المشهد الثاني..  هو مشهد الزكوات والغنائم فأنت تدعي أن الدولة أقامت الخلافة وجمعت الزكاة والغنائم وقسمتها على الفقراء والمساكين، والقاضي الشرعي المسئول المباشر عن الزكوات وتقسيم الغنائم يقول بشكل واضح لا لبث فيه أن السرقة والاختلاس والنصب هو المبدء الساري في التنظيم تجاه تلك الأموال فجنود الدولة على الحقيقة 85 شخص وقيادات الدولة تسجل على الورق 250 شخص تصرف لهم الرواتب والمقررات الأخري من الزكاة والغنائم وغيرها وهذه المشاهد لا يمكن أن تكون ضمن مشروع إسلامي جهادي كبير بحجم دولة الخلافة ومشروعها ولا يمكن فهمها إلا من خلال الحديث عن العصابات والتشكيلات الإجرامية

المشهد الثالث .. هو مشهد تطبيق الحدود والتي استدللتم بها على صحة منهج الدولة، فالقاضي الشرعي المسئول المباشر عن تلك الإجراءات يقول أن حالات الغلو هي السائدة و تطبيق الحدود يتم من دون مقومات وأموال المسلمين تجبي وتؤخذ قصرا بتهمة أنهم مرتدون بينما لا حقيقة لذلك كله.

المشهد الرابع .. عدم وجود ألية للانتساب وهي التي أشرنا إلىها في النقاش السابق تحت مسمي "التنظيم بين التهجين وسلامة التكوين"  حيث فتح البغدادي أبواب التجنيد على مصرعيها مخالفا سياسات سلفيه الزرقاوي وأبي عمر البغدادي الذين كانوا يتحفظون تحفظا شديدا في مسألة الانتساب والتجنيد فلا يقبلون في التنظيم إلا من هو صاف العقيدة ويرفضون كل من يحمل أفكارا قومية أوعلمانية أو ديمقراطية، توسع البغدادي في قبول الانتساب ولم يشترط غير قبول بيعته ليستوعب رجال البعث وغيرهم مما وسع مساحات وفرص الاختراق وأوجد مشكلات حقيقية أشار إليها أبو الوليد بقوله " لا توجد أليه واضحة للانتساب " كما أن المنتسبين للدولة وفق قول أبو الوليد هم عدد من التكتلات والتحزبات بل والعصابات التي كان يعمل كل واحد منها على حدة مع بغض وعداوة شديدة ولم يكونوا على حال قويم .

المشهد الخامس .. ضعف في المستوى الشرعي أدى إلى تفشي ظاهرة مجاهد غير منضبط، وهنا تجدر الإشارة إلى أزمة الشرعيين في التنظيم والتي بذل فيها البغدادي ورجاله جهداً غير عادي من أجل تجنيد شرعيين معتبرين ولكنهم فشلوا في الوصول إلى هدفهم اللهم إلا من بعض النكرات ممن لا باع لهم على الساحة الجهادية أو الإعلامية مما نشأ عنه ما أسماه المقدسي بالمجاهد غير المنضبط،

 ثم قلت لصاحبي : وعلى ضوء ما سبق يتبين مدي البرجماتية الممقوتة التي تدثر بها البغدادي ورجال دولته فقد اعتبروا أن إنقاذ التنظيم من الهلاك في العراق غاية تبررها كل الوسائل وتستباح في سبيلها كل الدماء، وكان في إمكانهم البقاء في العراق لممانعة التمدد الإيراني أوالانضمام إلى القتال في سوريا لتقوية الثورة وتدعيمها ولكن هوس السلطة والزعامة لدي البغدادي جعلته يستبيح كل المحرمات ويبني دولته على جماجم وأشلاء إخوانه ورفقاء دربه، فخدع المقاتلين باسم الدين وأوهمهم بجنة الدولة المزعومة وحلم التوسع وأمال الوحدة، لتحقيق مأربه وإرواء رغباته وإشباع هوسه اللامتناهي بالسلطة والزعامة حتي وإن كانت الأثمان رقاب شباب الأمة ودماء أبنائها وتهجير نسائها ويتم أطفالها وتمزيق أرضها.