» الرئيسية » تقارير » مفاوضات سد النهضة.. من الألف إلى الياء


مفاوضات سد النهضة.. من الألف إلى الياء

26 يوليو 2020 - 11:51

  

 

مرت هذه المفاوضات بتسعة مراحل أساسية منذ العام 1995 وحتى 23 يوليو 2020، وسوف نتناول هذه المراحل التسعة بشيء من الشمول، وفي نفس الوقت بإيجاز، حتى لا يطول السرد، فتصعب المتابعة، وذلك على النحو التالي:


المرحلة الأولى: استمرت من العام 1995، الى منتصف مايو 2011:

١. اتفقت دول حوض النيل جميعا عام 1995 على إبرام اتفاق شامل ليحكم كافة استخدامات نهر النيل (إطار قانوني ومؤسسي)، بما في ذلك أي منشآت مائية تقام على طول نهر النيل، مثل سد النهضة.

٢. ولقد استمرت تلك المفاوضات، بدعم ومشاركة من 13 جهة دولية، بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية، والبنك الدولي، والأمم المتحدة، حتى الأسبوع الأول من يوليو 2012، وكان قد تم دعم تلك المفاوضات بتأسيس مبادرة دول حوض النيل NBI، عام 1999، بتمويل من تلك الـ 13 جهة دولية.

٣. ولقد نجحت تلك المفاوضات، التي كان شخصي هو السوداني الوحيد الذي شارك في كل مراحلها، في صياغة اتفاقية إطار تعاوني CFA، عرفت باتفاقية عنتيبي، التي وافقت عليها كل دول حوض النيل، خاصة إثيوبيا، عدا السودان ومصر، ولذلك قام السودان في الأسبوع الأول من يوليو 2012،  بتقديم  مقترح في اجتماع وزراء الري بدول حوض النيل، في مدينة كيغالي بدولة رواندا، لتجاوز نقاط الخلاف البسيطة على اتفاقية عنتيبي، ولقد وجد ذلك المقترح قبولا من كل دول حوض النيل، وحددوا اجتماعا طارئا لمناقشته خلال سبتمبر 2012.

٤. ولكن اتضح أنه منذ العام 2008 / 2009، بدأت اثيوبيا ترتيبات بإرادتها المنفردة لانشاء سد النهضة، دون إعلان ذلك، ومع استمرار مشاركتها في مفاوضات اتفاقية عنتيبي.

 ٥. وعلى وجه التحديد فإنها قد أكملت إجراءات بدء التشييد، حتى توقيع العقد مع شركة ساليني في منتصف مارس 2011، ووضع حجر  الأساس في 2 إبريل 2011، ولم تخطر  السودان بكل تلك الخطوات.

٦. وفي اجتماع بتاريخ 12 – 13 مايو 2011، بأديس ابابا، أخطر ميلس زناوي، رئيس الوزراء المصري عصام شرف، بأهمية بدء مفاوضات فنية حول سد النهضة، من قبل ثلاثة مهندسين من كل دولة.

 ٧. وفي يومي 25 و26 مايو 2011، حضر وزير الري المصري، المهندس العطفي، إلي الخرطوم، وقد حضر الاجتماع المهندس كمال على، وزير الري، ود. م. صلاح يوسف وزير الدولة، وم. آدم بكر وكيل الوزارة، و م. إبراهيم صالح رئيس الجهاز الفني للموارد المائية، والدكتور احمد المفتي، بصفته مقررا للجنة العليا للمجاري المائية الدولية منذ العام 1995، وعضو وفد السودان لمفاوضات دول حوض النيل، والمستشار القانوني للوفد.

٨. وأوضح الوزير العطفى، أن إثيوبيا تشترط ألا يتوقف التشييد أثناء المفاوضات، وأن تكون مخرجات المفاوضات غير ملزمة، وأنها غير ملزَمة بإعطاء السودان ومصر إخطاراً مسبقاً، وأنها لا تعترف باتفاقية 1902، التي تلزم إثيوبيا بأخذ موافقة حكومة السودان قبل إقامة منشآت مائية، على بحيرة  تانا، أو نهر  السوباط،  أو النيل الأزرق.

٩. ولقد وافق السودان ومصر على تلك الشروط المجحفة، التي سلبتهما كل حقوقهما المائية، ولكن رفَض شخصي تلك الشروط، وغادر ملف مياه النيل، ووَصفْت المفاوضات التي تم الاتفاق عليها  بأنها ” عبثية “، لانها سوف تعطي إثيوبيا كل شئ، ولا تعطي السودان ومصر  أي حق من حقوقهما المائية.


المرحلة الثانية: وهي مرحلة تقديم اللجنة الدولية لتقريرها عام 2013:

وأخطر ما ورد في التقرير:

أن أمان السد غير مكتمل، وأنه لم تجرِ له دراسات اقتصادية، واجتماعية، وبيئية.


المرحلة الثالثة: وهي مرحلة توقيع اعلان مبادئ سد النهضة عام 2015:

١. ولقد كانت إثيوبيا حريصة جدا على التوقيع على الإعلان، حتى تُكسب أعمال التشييد غير المشروعة، منذ العام 2011 “مشروعية”.

٢. وفي مقابل ذلك التزمت إثيوبيا صراحة في إعلان المبادئ، بـ “استكمال”  أمان السد، وعمل الدراسات التي طلبتها اللجنة الدولية، خلال 15 شهرا، وكانت آنذاك قد أنجزت بعض أعمال أمان السد، ولذلك وعدت بـ “استكمالها”  في الفقرة الثانية من المبدأ رقم 8 من إعلان المبادئ، ولكنها لم تفِ بتلك الالتزامات حتى الآن.


المرحلة الرابعة: من مارس 2015 وحتى نوفمبر 2019:

وتواصل التفاوض المباشر بين الأطراف، ولقد أفلحت إثيوبيا في حصر التفاوض في مناقشة الملء الأول والتشغيل السنوي للسد، وعدم التطرق للحقوق المائية للسودان ومصر، وهي أمان السد، والأمن المائي (الاحتياجات المائية الحالية والمستقبلية)، ولذلك انتهت تلك المرحلة بالفشل.


المرحلة الخامسة: من نوفمبر 2019 وحتى 28 أبريل 2020:

وهي مرحلة تدخل الولايات المتحدة الأمريكية والبنك الدولي كمراقبين: 

وانتهت تلك المرحلة كذلك بالفشل، لأن إثيوبيا رفضت التوقيع على المسودة التي أعدها المراقبان، والتي وقعت عليها مصر بالأحرف الأولي في 21 أبريل 2020، ورفضت إثيوبيا حضور الجولة الأخيرة بتاريخ 27 – 28 إبريل 2020، بحجة إجراء مشاورات داخلية.


المرحلة السادسة: من 28 أبريل 2020 إلي يونيو 2020:

 وهي مرحلة رفع الدول الثلاثة الأمر لمجلس الأمن الدولي، ولكن إثيوبيا طالبت بتدخل الاتحاد الأفريقي، ولذلك أحال مجلس الأمن الامر إلى الاتحاد الأفريقي، ومراقبة الولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد الأوروبي.


المرحلة السابعة: وهي مرحلة القمة الأفريقية المصغرة الأولي:

ولقد انعقدت برئاسة جنوب أفريقيا والدول الثلاث الأطراف وبقية مكتب الاتحاد الأفريقي، وهم كينيا والكنغو الديمقراطية، ومالي، وذلك بتاريخ 26 يونيو 2020، واستمرت لمدة 11 يوما، وفشلت كذلك.


المرحلة الثامنة: وهي مرحلة الملء الأول بإرادة منفردة من إثيوبيا، بعد أسبوعين من انعقاد القمة المصغرة الأولي:

١. ولقد وجهت القمة المصغرة الأولي إثيوبيا بعدم بدء الملء إلا بعد إبرام اتفاق مع السودان ومصر، كما وجه مجلس الأمن الدولي بذلك، ولكن إثيوبيا بدأت الملء الأول بإجراء منفرد وأعلنت ذلك عبر التلفزيون الإثيوبي، ثم أنكرت ذلك، ثم أعلن رئيس الوزراء الاثيوبي اكتمال المرحلة الأولي من الملء بإجراء منفرد، وذلك يوم انعقاد القمة الإفريقية المصغرة الثانية، بتاريخ الثلاثاء 21 يوليو 2020.

٢. ولذلك قدمنا وصفة قانونية كاملة الدسم، لما ينبغي على حكومة السودان فعله، بعد بدء إثيوبيا الملء الأول بإجراء منفرد، وذلك للمحافظة على حقوق السودان المائية، على الرغم من التكتيكات الإثيوبية، من تأكيد وإنكار للملء، والتي شلّت بها حركة السودان ومصر، مدعية أنها مجرد سقوط أمطار غزيرة، ولكن أكدت وزارة الري لسودانية، انخفاض المنسوب في محطة الديم الحدودية بـ 1.27 متر، عن منسوب العام الماضي، وأن ذلك يؤكد بدء إثيوبيا للملء، وتلك الوصفة هي كالآتي:

(ا) إيقاف المفاوضات فورا، حتى لا يعتبر استمرارها، اعترافا “ضمنيا “، بمشروعية الملء، وحتى لا يشكل الأمر “سابقة قانونية” تعطي إثيوبيا الحق في مواصلة الملء والتشغيل بإجراء منفرد.

(ب) سحب التوقيع على إعلان المبادئ فورا، لأن الملء بإجراء منفرد، يعتبر انتهاكا من قبل إثيوبيا لإعلان المبادئ، إضافة إلي انتهاكات إثيوبيا الأخرى للإعلان.

(ج) إرجاع الأمر لمجلس الأمن فورا، لاستصدار قرار بموجب الفصل السابع، لإلزام إثيوبيا بوقف الملء الأول، أو عدم الاستفادة منه، إذا ما تم، إلا بعد وصول إثيوبيا إلي اتفاق ملزم، مع السودان ومصر، يحدد حقوق والتزامات كل دولة، لأن مجلس الأمن سبق له أن طلب من إثيوبيا، عدم الملء بإجراء منفرد.

( د ) تكوين فريقين سودانيين، لدراسة آثار الملء، وتحديد الأضرار على المواطنين السودانيين، على طول مجري النهر حتى الحدود السودانية المصرية، وذلك لتحديد ما يلزم، من تعويضات، وبـ “مشاركة المواطنين” المتضررين، علما بأن إثيوبيا قد التزمت بتلك الدراسات، في إعلان المبادئ، ولكنها لم تفعل، وذلك على النحو التالي:

– فريق لإجراء الدراسات الاقتصادية، والبيئية، والاجتماعية، والتعويض عن الأضرار.

–  وفريق ثان لدراسة “استكمال” إثيوبيا لأمان السد، حسبما التزمت في الفقرة الثانية من المبدأ رقم 8، من إعلان المبادئ.


المرحلة التاسعة: وهي القمة الإفريقية المصغرة الثانية والتي انعقدت ليوم واحد بتاريخ 21 يوليو 2020:

١. ولقد سبق أن توقعنا فشل ثلاثي مزدوج لتلك القمة، ولكن الفشل كان أكبر مما توقعنا، على الرغم من عدم اعتراف السودان به كالعادة.

٢. ويتمثل ذلك الفشل في الآتي:

(ا) إكساب “شرعية” لملء إثيوبيا للسد بإرادتها المنفردة، على الرغم من اعتراف إثيوبيا بذلك بعد أن أنكرته، وإضافة إلي ذلك، عدم وضع ذلك الأمر كبند يناقش في الاجتماع، على الرغم من توجيه مجلس الأمن الدولي، والقمة الإفريقية المصغرة الأولي، لإثيوبيا بعدم الملء بإجراء منفرد.

(ب) عدم التوصل لحل أي نقطة من نقاط الخلاف، وذلك أمر طبيعي لأن إثيوبيا حصلت على كل ما تريد، فما الذي يجعلها تتفق على أي شيء.

(ج) وعلى الرغم من ذلك، وبدل الاعتراف بفشل المفاوضات، الموافقة على مواصلة المفاوضات، من دون تحديد إطار زمني، على الرغم من الفشل في الاتفاق على أسهل نقطتين خلافيتين، وهما إلزامية الاتفاقية، وإلزامية آلية حل المنازعات.

(د) صرح وزير الري السوداني، في صحف 22 يوليو 2020، عقب القمة الإفريقية المصغرة الثانية، والتي فشلت بامتياز، أن السودان يوافق على منح إثيوبيا، الحق في إقامة “مشروعات مائية مستقبلية” أخرى، بخلاف سد النهضة، بما في ذلك بناء سدود أخرى.

(ه) ولكن لم يطالب الوزير السوداني بحقوق السودان المائية، المتمثلة في أمان السد، والأمن المائي، والتعويض عن الأضرار الاقتصادية، والبيئية والاجتماعية.

(و) السودان يتجاهل “الأمن المائي”، والاتحاد الأوروبي يذكره، حيث دعا الاتحاد الأوروبي في تصريح بعد القمة المصغرة الثانية، بـ “الأمن المائي”، لكافة دول حوض النيل، وهو أحد الحقوق التي ظللنا نطالب بها منذ العام 2011، ونصت عليه الفقرة 15 من المادة 3 من اتفاقية عنتيبي، وهي فقرة حظيت بإجماع كل دول حوض النيل.

(ز) ومن الحقائق المرعبة التي ظهرت بعد الملء الأول، عن تصريف النيل الأزرق حاليا، مقارنة بالعام الماضي، أن تصريف سد الروصيرص ١٢٤ مليون م. م.  مقارنة بـ ٤٤٨ مليون م. م. العام الماضي، وتصريف سد سنار ٧٣ مليون م. م. مقارنة ب ٣٧٣ مليون م. م. العام الماضي، وفي الخرطوم ١٢ م ارتفاع المنسوب، مقارنة بـ ١٤.٦ م العام الماضي.

(ح) ولذلك أعلنت إثيوبيا يوم 23 يوليو الجاري أن النيل الأزرق أصبح “بحيرة إثيوبية”، بفضل سد النهضة، تتصرف فيه كما تشاء، وأقاموا احتفالات ضخمة بتلك المناسبة، بل دعوا الخرطوم والقاهرة لإقامة احتفالات مماثلة.

(ط) ولقد ألجمت الدهشة الخرطوم والقاهرة، فلم ترد أي واحدة منهما على ذلك التغول غير المشروع على حقوقهما المائية، بل لم ترد أي واحدة على الاستفزاز الإثيوبي، بدعوتهما للاحتفال بحقوقهما المسلوبة.

(ي) ولكن من جانبنا اعتبرنا أن  مياه سد النهضة  أصبحت مياها حمراء – Red Waters، من وجهة نظر الشعوب، ما دامت الحكومات قد استسلمت، والمياه الحمراء- Red Waters، هي وصف  نبتكره،  للمياه التي يحتجزها سد النهضة، لأي غرض من الاغراض، سواء للملء، أو التشغيل لأغراض توليد الكهرباء، أو خلاف ذلك، من دون وجود اتفاق نهائي وملزم، يضمن أنه يتم استخدام تلك المياه بطريقة “مشروعة”، وفق القانون الدولي، بما يعرض حياة  شعوب أسفل النهر، للخطر، وبما أن المياه تملكها  الشعوب، وليس الحكومات، فإن ذلك الوصف يصبح هو الوصف الأدق، في اعتقادنا، من وجهة نظر الشعوب، إلى حين إبرام  الحكومات لذلك الاتفاق، الذي يضمن شرعية الاستخدام، وبذلك تعود المياه إلي طبيعتها، مياها زرقاء، وبخلاف ذلك تظل مياها حمراء، من وجهة نظر الشعوب، لا يحق لأي دولة أو جهة تنفيذ أي مشروع، مع إثيوبيا، يتعلق باستخدام تلك المياه الحمراء غير المشروعة، لأنها سوف تصبح شريكا في عدم المشروعية، كالتعامل في المال المسروق.

(ك) ولأن الأمر غير محتمل، فإنه قد وردت صحيفة السوداني الصادرة صباح أمس الخميس، 23 يوليو 2020، أن مجلة فورين بوليسي الأمريكية، نقلا عن 6 مسؤولين أمريكيين، أوضحت أن إدارة الرئيس ترامب تدرس حجب بعض المساعدات عن إثيوبيا، لعدم التوصل لاتفاق حول سد النهضة، يحفظ حقوق البلدان الثلاثة، وذلك أمر مستغرب، لأن السودان ومصر لم يعلنا فشل القمة الإفريقية المصغرة الثانية، بل أعلنا عن اتفاق الدول الثلاثة على الاتفاق على مواصلة المفاوضات، وفي اعتقادنا، أن أمريكا ليست أحنّ على الشعب السوداني من حكومته، ولكنها وجدت نفسها ملزمة، من ناحية قانونية وأخلاقية، أن تصدر ذلك التصريح، لأنها أحد المراقبين للمفاوضات.

 



روابط ومصادر

- المعهد المصري للدراسات



القضايا



الوسوم