» الرئيسية » مقالات المركز » كلمة د طارق الزمر في ندوة "العالم الإسلامي وآفاق المستقبل" بمناسبة العام الهجري الجديد ١٤٤٢


كلمة د طارق الزمر في ندوة "العالم الإسلامي وآفاق المستقبل" بمناسبة العام الهجري الجديد ١٤٤٢

22 أغسطس 2020 - 03:57

  

ـ في اليوم الأول من العام الهجري الجديد الذي نهنئ فيه الأمة الإسلامية فإننا ندعو المولى عز وجل أن يجعله عام خير وسلام ورحمة للعالمين وأن يعم العدل ربوع الدنيا كلها ففي هذا اليوم يجب أن نتذكر الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم وهو مهاجر من بلده يبحث عن ملجئ يأويه ليبلغ دعوة الحق فكانت هجرتُه بداية عظيمة لرحلة كفاح مستمرة أرست قيما للعدالة والحرية والكرامة الإنسانية التي لم تكن عرفتها البشرية بعد..

ـ في اليوم الأول من العام الهجري الجديد نرحب بالضيوف الأعزاء في ندوة "العالم الإسلامي وآفاق المستقبل" التي ينظمها مركز حريات للدراسات السياسية والاستراتيجية.. والترحيب الخاص بالقائد والمناضل الفلسطيني الأخ "خالد مشعل" الرئيس السابق للمكتب السياسي لحركة حماس الذي تضفي مشاركته بعدا هاما على موضوع الندوة وقد أصبح من المسلمات أن القضية الفلسطينية هي المحدد الرئيس لمستقبل العالم الإسلامي بل ومصيره وبقدر نجاح أمتنا في هذا الاختبار العسير بقدر توقع مستقبل أفضل لمنطقتنا كلها وللأجيال التالية.

ـ بداية لابد من التأكيد على أهمية التعامل العلمي والبحثي مع أهم قضايانا السياسية والاستراتيجية المتعلقة بالعالم الإسلامي وخاصة تلك التي تتعامل مع (وضعيته) الحالية وتحاول استشراف (مستقبله) فميادين الدراسة والبحث لا ينبغي أن تكون بعيدة عن ميادين النضال والبذل والعطاء.

ـ أيها الأخوة الأعزاء.. لقد جاء الإعلان عن "صفقة القرن" في هذه المرحلة التاريخية الخطيرة من مراحل حياة الأمة الإسلامية وبهذه التسمية "صفقة القرن" ليقولوا لنا أنهم سيرسمون من خلالها مستقبل عالمنا الإسلامي لقرن أخر من خلال هذه الصفقة.. فجاء الرفض المدوي من كل مكونات أمتنا العريقة ومن كل جنباتها شرقا وغربا ليقول: إن أمتنا لاتزال حية وإن الدماء لاتزال تجري في عروقها.. وجاء افتتاح "آيا صوفيا" ليرفض ذلك بشكل أخر وليقول بل إن العالم الإسلامي في طريقه نحو تحرير ارادته واستقلال قراره بل إنه يستعد لاستعادة مكانته واستئناف دوره الحضاري.. ثم جاءت خطوة أو خطوات التطبيع الأثيمة مع الكيان الصهيوني لتقول بل انتهي دور العالم الإسلامي ولم يعد أمامه إلا الاستسلام لمصيره البائس والركوع لكل خصومه وجلاديه.. فخطوة التطبيع الأخيرة التي ارتكبها حكام الامارات في خرق واضح للإجماع العربي والإسلامي تؤكد أن العديد من دولنا مختطفة وأن شعوبنا يتم السطو على إرادتها وتجاهل وجودها.. وهكذا فإننا اليوم نشهد صراعا مفتوحا وممتدا في كافة ساحات أمتنا وعلى كل جنبات خريطتها وعلى كل مواقع النفوذ والتأثير في مستقبلها: صراع بين "ثورات الشعوب" الطامحة في العيش بحرية وكرامة وبين "الثورات المضادة" التي تتصور أنها يمكنها أن تُحكم قيد الاستبداد وطوق الاستعباد للأبد.. صراع بين "الشعوب المتطلعة للحرية والاستقلال" وبين "بقايا جحافل الاحتلال" والاستعمار الذي انقرض من جميع انحاء العالم ولم يدرك بعد أن إرادة الشعوب لابد منتصرة ولو بعد حين.. ولهذا يجب أن نؤكد أنه لن ينفع منطق الاحتلال الذي لفظ أنفاسه في كل الدنيا ولن يعطيه فرصة أخرى للحياة تصرفات تلك الحكومات التي تبذل كل جهدها لإطالة عمره وتكريس منطقه ولن ينفع هذه الحكومات المرفوضة من شعوبها أن تحتمي بالاحتلال ولو فتح لها كل خزائن ترسانته المسلحة.. ولهذا فإن تحالف "المحتلين" و"المستبدين" محكوم عليه بالفشل بشرط أن تظل إرادةُ شعوبنا حية وأن تظل متمسكة بتطلعاتها للحرية والكرامة الإنسانية والاستقلال الوطني.

ـ أيها الأخوة الأعزاء.. كلنا يعلم أن المستقبل الواعد لأمتنا مرتبط بوحدتها وتجاوزها لحقبة "سيكس بيكو" التي جعلت شعوبَنا على مدى قرن كامل كالأيتام على موائد اللئام.. فالأمة الإسلامية ليست مجرد مفهوم تاريخي وانقضى بإسقاط أو بسقوط الدولة العثمانية بل هي أمة باقية لأنها أمة الشهادة ولهذا فلا بد وأنها ستتجاوز هذا الواقع المهين وتنطلق من جديد لأداء رسالتها الإنسانية.. لهذا أصبح من الأهمية بمكان الإشارة لعناصر حيوية العالم الإسلامي والاشادة بها ودعمها والتأكيد على استمرار قيامها بواجباتها الهادفة لاستعادة حضور العالم الإسلامي واستئناف الدور الإنساني للحضارة الإسلامية.

ـ أيها الأخوة لقد أصبح من أولويات هذا المرحلة التاريخية الهامة كشف بطلان الدعاية المغرضة التي تصور المسلمين في صورة عدوانية مزرية وتصور العالم الإسلامي بصورة المعتدي الهمجي المتوحش بينما في الحقيقة يتعرض لأخطر مظاهر العدوان على شعوبه وعلى أراضيه وأنه يقف بصدر عار في مواجهة شتى آلات العدوان والغطرسة.

ـ كما يجب أن نعلم أن الوضعية الحالية للعالم الإسلامي هي وضعية لا تليق بتاريخ أمتنا ولا حضارتنا ولا حضورنا الواجب على الساحة الدولية.. كما يجب ألا نستسلم لعمليات شيطنة أمتنا ومحاولات عرقلة نهضتها فكل طموحاتنا المتمثلة في بناء إطار سياسي جامع أو تكتل اقتصادي عابر للقطرية هو حق مشروع بل ولا يصطدم بالقانون الدولي وليس فيه أي نوع من العدوان على الآخر كما يدعون بل كل محاولات نهضة أمتنا تعبر عن مسار دفاعي واجراء وقائي من طراز رفيع.

ـ كما يجب أن نؤكد لشبابنا ونحن نورثهم تركة أمتنا الثمينة والثقيلة: أن الواجب الديني والقومي والوطني يوجب على كل شعوبنا أن تستعيد زمام المبادرة ابتداء من الدفاع عن حريتها واستقلالها الوطني وصولا لرفض ومقاومة الاحتلال والتبعية والتخلف وكل ما يدعم استمرار هذه الأوضاع المهينة.

ـ كما يجب أن نكون على يقين بأن افتتاح "آيا صوفيا" اليوم إنما هو إشارة إيجابية للمستقبل بأن الأمة في طريقها للتحرر والخروج من أسر التبعية وأن كل مقدساتها حتما ستعود إليها وعلى رأسها القدس والأقصى.

ـ لن نضيف جديدا ونحن نؤكد أن الأيام والتحديات المتتابعة تكشف عن أن "القضية الفلسطينية" هي قضية الأمة المركزية وأن الدور الصادق للحركات والشعوب والحكومات المخلصة هو الدور الذي يعمل لذلك.

ـ ولن نخرج بعيدا عن موضوعنا ونحن نندد بخطوة التطبيع المهينة التي اقترفها حكام الإمارات ونطالب شعوبنا بالإعلان عن رفض ذلك بكل وضوح والتمسك بثوابت الأمة ومقدساتها.

ـ كما أنه من المهم أيها الأخوة الإشادة بكل التحركات القطرية الهادفة لترميم بناء العالم الإسلامي واستعادة حيويته السياسية وكل محاولات استئناف الحضارة الإسلامية لتقوم بدورها الإنساني.

ـ كما يجب العمل معا على مكافحة كل عوامل الطائفية والصراعات العرقية والاستقطاب السياسي والأيديولوجي في إطار بناء استراتيجية جديدة رحبة تضع كل إمكانيات العالم الإسلامي في خدمة مشروع نهضته وتبوأ المكانة اللائقة به على الساحة الدولية.

ـ كما ننبه لأهمية ضخ الدماء من جديد في عروق الكيانات الهامة التي يمكنها تجسير الفجوة بين الأطراف الفاعلة في أمتنا والتي تم تأسيسها خلال العقود الماضية وكذلك كل المؤسسات والهيئات التي تأسست لرفض التطبيع ومكافحة الصهيونية والتي لا يخلو منها قطر من أقطارنا.

ـ أيها الأخوة لم يعد هناك متسع للسكوت على الجرائم التي ترتكب بحق شعوبنا والدماء التي تنزف يوميا على مرأى ومسمع من العالم كله بلا أدنى مبالاة بل يتدفق السلاح ويتم تزويد الأطراف به كلما جرت الدماء الساخنة.. ولا بد من أن تأخذ شعوبنا بزمام المبادرة لوقف كل الصراعات والحروب الأهلية التي تدار على أراضينا وتستنزف دماءنا.

ـ كما أصبح من الضروري بمكان تشكيل "عقل استراتيجي جمعي للأمة" يدافع عن مشروع نهضتها في مواجهة المشاريع المناهضة ويواجه التحديات والمخاطر المستقبلية التي تتعرض لها ويعظم الاستفادة من الفرص المتاحة.

ـ كما يجب السعي لبناء التكتلات السياسية والاقتصادية بين الدول الإسلامية ومأسسة الحوار الفكري وترشيد الخطاب الاعلامي الموجه للعالم والعمل على خلق لوبيات وتكتلات ذات تأثير ايجابي على القرار الدولي وأن يكون ذلك من أولويات العقل الاستراتيجي الجمعي.

ـ كما يلزم العمل على تشكيل "مجلس اقتصادي إسلامي" يكون نواة للعقل الاستراتيجي الجمعي للأمة ويكون مستقلا سـیاسـیا وأيديولوجيا وفـكریـا ومـالـیا وأن يتم مأسسته من قبل لـجنة علمية مـتخصصة مـن خبراء ممثلين لـكل بـلد إسلامي من المفكرين أصحاب الخبرات العلمية والتطبيقية في التخصصات المختلفة.

ـ كما أصبح من الأهمية بمكان دعم "البحث العلمي والتقني" والاستفادة من فرص الاقتصاد المعرفي والاستثمار في العقول ونقل خبرات التجارب التنموية الناجحة في التنمية.

ـ كما يجب دعم "الاعلام الخلاق" لترسيخ القدوة والمثل لمجتمعات الشباب والمرأة وتعظيم دورهم في النهوض بالأمة والحفاظ على هويتها وثوابتها ونشر ثقافة العقل الجمعي للأمة.

ـ وفي الختام.. فإن "مركز حريات" يدعو لبناء "هيئة شعبية جامعة ضد التطبيع" تعمل على تحقيق التواصل والتعاون والتنسيق بين كافة المنظمات والمؤسسات التي تعتني بمكافحة التطبيع وذلك في إطار بناء شبكات اجتماعية للحماية تقي أمتنا من المخاطر المتوقعة وتضمن التواصل بين كافة عناصر حيويتها.. فالتصدي لكل مظاهر التطبيع مع الكيان الصهيوني وتأسيس هيئة جامعة تمثل الأمة بكل تياراتها وكل مكوناتها الحية أصبح من ضرورات المرحلة فلا شك أننا أمام خطر داهم ولابد من التصدي له "بمشروع متكامل".