» الرئيسية » مقالات المركز » في ذكراها العاشرة: كيف تفاعلنا مع ثورة يناير؟


في ذكراها العاشرة: كيف تفاعلنا مع ثورة يناير؟

28 ديسمبر 2020 - 11:23

  

ماذا يمكن أن يصنع العنف بسفينة الوطن؟
٩ فبراير ٢٠١٣

يجب أن يكون واضحا منذ البداية أن مصر التي نحبها جميعا ونعتز بالانتماء إليها تتعرض اليوم لأكبر الأخطار.. وأن المعارك السياسية الدائرة اليوم على أرضها ليس فيها غالب ولا مغلوب وإنما فيها عار وشنار، وأن الإثم سيلحق قطعا ويقينا بكل من استخدم العنف في السعي لتحقيق مكاسب فئوية أو حزبية أو طائفية أو سياسية.. لأنه سيبقى ما بقي له من عمره جنائيا وليس سياسيا، وذلك لأن العمل السياسي والمعارضة السياسية في أي مكان في العالم تتحول إلى جرائم إذا ما تجاوزت القانون المعمول به.

والسبب في نظري في تغليظ تلك الأفعال بل تلك الجرائم سياسيا يرجع بالأساس إلى أن مصر اليوم غير مصر الأمس، فقد أصبحت لنا بعد أن سرقت منا على مدى عقود طويلة، وأننا قد استعدناها بشهداء لاتزال دماؤهم تعطر أجواء مصر وتزين أرضها وجدرانها.. كما أن كل من يلجأ إلى العنف بشكل مباشر أو يستخدم البلطجية فى العمل السياسي بعد أن فتحت أمامه كل أبواب التعبير والتغيير السلمي إنما يشارك في هدم هذا الوطن وليس بناءه، وهو أيضا يعلن صراحة عن خروجه عن مسيرة الشرف التي يساهم فيها كل من يعيش اليوم على أرض مصر ساعيا في بناء مصر الجديدة.
تعجبت كثيرا أثناء حواراتي التليفزيونية مع بعض رموز المعارضة المصرية وأنا أسمعهم يبررون الأفعال العنيفة التي يشهدها الشارع المصري هذه الأيام والتي أصبحت من مستلزمات المعارضة السياسية!! لكن عجبي بلغ مداه حين سمعت من يقول دون تردد إن قطع الطرق وإغلاق الميادين وتعطيل القطارات والمتروهات واستعمال المولوتوف هو فعل ثوري، وإنه مستمر حتى إسقاط النظام!!

كنت كلما ذكرت أن بعض رموز المعارضة يحرضون على العنف سمعت من يقول هذا ادعاء ينقصه الدليل، وكان البعض يلقى بتبعة التخطيط للعنف على طرف ثالث لا ينتمي للمعارضة أو أنه يعمل لحساب خطتها دون اتفاق.. لكنى عندما سمعت بأذني هذه الأقوال الخطيرة عدت إلى مراجعة تصريحات رموز المعارضة على مدى الشهور القليلة الماضية مراقبا مدى دلالتها على الدعوة للعنف أو تحبيذه أو التسويق له، فوجدت أن الأمر واضح وضوح الشمس، وأن بعض رموز المعارضة يعتقدون أن الثورة المصرية ضد مبارك لم تنجح إلا بالعنف!! وأن هذا العنف يجب أن يستمر حتى يسقط الرئيس الجديد!!

لم أكن أتخيل أن بعض رموز المعارضة لم يدركوا حتى الآن الفارق الكبير بين الرئيس الذي كان يحكم بتزوير إرادة الناخبين والرئيس الذي اخترناه نحن بكامل إرادتنا ووعينا في أول انتخابات رئاسية حقيقية على طول تاريخ مصر!!
الحقيقة أن تبنى العنف والتحريض عليه إذا كان نهجا للبعض، فقد رأينا سلوكا أخر لبعض الحركات الثورية يدعو للفخر ويبعث برسائل الأمل مثل ما قامت به حركة 6 إبريل وبعض الأحزاب التي أعلنت عن انسحابها من أمام قصر الاتحادية، احتجاجا على العنف الذي صاحب المظاهرات التي كان من الواجب أن تظل سلمية.

إنني هنا أجد نفسي ملزما بنصح إخواني المعارضين والمؤيدين على السواء ومن كل اتجاه: بأن يراعوا دائما في كل حركاتهم، بل تصوراتهم النظرية المطروحة هدفا واحدا، وهو العمل على نجاح الثورة المصرية العظيمة لأنها لا قدر الله إذا سقطت فإنها ستسقط بمصر كلها، وستدمر ذلك الحلم الجميل الذى عشناه جميعا بعد الثورة مباشرة، وذلك ليس بالنسبة لهذا الجيل فقط، بل لكل الأجيال التالية.. إن الحقيقة التي يجب أن تكون محلا للاتفاق ولا تحتاج إلى أي جهد للتدليل عليها هي أن العنف المتصاعد اليوم لن يكون أبدا سببا في استكمال الثورة، بل هو في الحقيقة أخطر الأسباب التي يمكن أن تؤدى إلى فشلها لهذا نعلم تماما أن أعداء الثورة في الداخل وفى الخارج، إنما يسعون إلى توسيع دائرته التي تؤدى حتما إلى نتيجتين:

الأولى.. تزايد حدة الاحتقان بين الأطراف السياسية، وهو ما يعرقل أي إمكانية لحوار جاد يستوعب مشكلات المرحلة ويضع تصورا مشتركا لاستكمال الثورة.. بل هناك من يهدف إلى تفكيك المجتمع والدولة وذلك من جراء اتساع دائرة العنف.

الثانية.. تكفير المجتمع كله بالثورة التي أوصلتنا إلى هذا الصراع والتي أدت إلى تعطيل مصالح الناس.. وهو ما جعلنا نسمع من يقول: فينك يا مبارك!!

إنني أدعو كل المخلصين في بلادنا إلى مراقبة العقبات والمشكلات التي تزرع في وجه الثورة التونسية، وتلك التي نراها في شارعنا السياسي، وعندها سيجدون أن التشابه كبير بين الأوضاع في البلدين.. تعقلوا يا قوم واعلموا أن هناك طرفا واحدا يسعى لإجهاض الثورتين، وأنه يستخدم بقايا النظم الساقطة في تدمير النظم التي يسعى الثوار في البلدين إلى تأسيسها، وأن زرع بذور العنف هو أهم العوامل التي تعمل على إجهاض الثورات وتفكيك المجتمعات.

ورغم كل ذلك فلا يخالجني لحظة أن كل المؤامرات التي تحاك اليوم في الظلام للإمساك بالتحولات السياسية أو التأثير فيها عن طريق العنف لن يكتب لها النجاح، وليراجع من يريد أن يراجع تاريخ مصر كله وكيف أنه لم يشهد يوما تلك التحولات الدراماتيكية التي شهدتها مجتمعات أخرى.. وأنه دائما لم يعرف غير التغيرات الطبيعية والسلمية والتلقائية التي تنساب على أرضها كما تنساب مياه النيل بسهولة ويسر مع رفق وهدوء واضحين، وهو ما رأيناه في ثورة 25 يناير برغم أنها من أعظم الثورات في التاريخ!!



الوسوم