» الرئيسية » مقالات المركز » في ذكرى مذبحة المسجدين


في ذكرى مذبحة المسجدين

17 مارس 2021 - 11:28

  

بقلم: طارق الزمر

في ذكرى مذبحة المسجدين التي وقعت في 16 آذار/ مارس 2019 في مدينة "كرايستشيرش" بنيوزيلندا، والتي اتخذها مركز حريات للدراسات السياسية منطلقا للدعوة للحوار بين الثقافات، كما أطلق "ميثاق التعايش بين الشعوب والحضارات"، ودعا للعمل على التأسيس لعالم جديد يسوده السلام والأخوة الإنسانية في مواجهة كافة أشكال الكراهية والعنصرية والقتل على الهوية.. في هذه المناسبة:

يجب أولا.. أن نندد بهذه الجريمة البشعة التي ارتكبها ذلك العنصري المتوحش الذي انطلق من تلك المفاهيم البالية والرديئة التي تستند إلى تفوق العنصر الأبيض على غيره من عناصر البشر، والتي ترتبط أيضا بعداء واضح وكراهية صريحة للمسلمين ولأصحاب البشرة السمراء وللأجانب بشكل عام.. كما يجب أن نذكر في هذا اليوم الشهيد "محمد نبي"، ذلك الرجل الأفغاني المفعم بالإيمان والذي عبر بتلقائية عن عمق التكوين الإنساني للحضارة الإسلامية، والذي جسد قيمها العالمية وثقافتها وتقاليدها المتسامحة في مواجهة قيم العدوان وثقافة الكراهية ودعاوى العنصرية، وذلك حين قابل المعتدي بكلمته الشهيرة: "مرحبا أخي".

في هذه المناسبة.. يجب أن نشيد بسلوك المجتمع النيوزيلاندي قيادة وشعبا في مواجهة الجريمة العنصرية الشنعاء التي لوثت الإنسانية النقية، وفي تعقبه لكافة آثارها.. كما يجب أن نؤكد على سلوك القيادة الممثلة في رئيسة الوزراء "جاسيندا أرديرن" وهي تجسد الإنسانية الصافية في أبهى صورها.. وهي تنتصر لمجتمعها في مواجهة عملية العدوان العنصري على أحد مكوناته.. وهي تتعاطف مع الضحايا وكأنها واحد منهم، بل وكأنها المصاب بالطلقات التي أطلقتها العنصرية.. وهي تعمل على إصدار التشريعات اللازمة لعدم تكرار مثل هذه الجريمة.. وهي ترتدي الحجاب تعاطفا مع المسلمين الذين لم يتم العدوان عليهم إلا لأنهم مسلمون.. وهي تحشد شعبها للتنديد بالجريمة حتى يلاحقها المجتمع كما تلاحقها الحكومة.. وهي تحيي الذكرى كل عام حتى تجدد العزم على محاربة العنصرية وتندد بدعاتها.

في هذه المناسبة.. ندعو كافة حكومات العالم التي تعاني مجتمعاتها من تصاعد موجات اليمين المتطرف والعنصرية والقتل على الهوية وشيوع ثقافة الكراهية والاعتداء على الأجانب؛ أن تتخذ من النموذج النيوزيلندي قدوة حتى تستطيع أن تحافظ على التسامح داخل مجتمعاتها، وأن تحاصر موجات الكراهية التي تجد من يغذيها اليوم أكثر من أي وقت مضى.

في هذه المناسبة.. يجب أن نذكر أن الإسلام هو أول من أسس على مستوى التاريخ الإنساني لحقوق المخالفين في العقيدة داخل المجتمع المسلم، وأعتبر أن العدوان على هذه الحقوق هو عدوان على الدولة والمجتمع.. كما أجمع فقهاء الإسلام على أنه لا يجوز بحال من الأحوال إكراه غير المسلمين على ترك عقيدتهم، بل تعمل الدولة على حمايها كما تكفل ممارسة شعائرهم وعباداتهم وكل ما يقتضيه دينهم في علاقاتهم ومعاملاتهم.. هذا هو الإسلام الذي يهاجمه "ماكرون" اليوم في الوقت الذي يقوم بتقنين أبشع القوانين العنصرية التي تضطهد الجالية المسلمة في فرنسا، وتتدخل بشكل سافر في عقيدتهم ومعاملاتهم!!

في هذه المناسبة.. يجب أن نسلط الضوء على الحضارة الإسلامية التي أسست لأول قواعد للقانون الدولي، بل والتزمت بها وألزمت بها كافة وحداتها فيما أسماه الفقهاء "بعلم السير"، وذلك برغم عدم وجود مؤسسات دولية تحكم بين المختلفين والمتنازعين آنذاك..

كما يجب أن نذكر المثال المشرق في ذلك عندما شكا أهل "سمرقند" إلى "عمر بن عبد العزيز" خليفة المسلمين أن قائد جيشه "قتيبة بن مسلم" أخذ بلادهم غدرا، فكتب الخليفة عمر إلى والي أقرب ولاية لسمرقند قائلا: "إذا أتاك كتابي هذا فأجلس لهم القاضي فلينظر أمرهم، فإن قضى لهم فليرجعوا إلى معسكرهم كما كانوا، قبل أن يظهر عليهم قتيبة، فما كان من القاضي "سليمان بن أبي السرى" إلا أن قضى بأن يخرج جيش المسلمين من البلاد التي دخلوها ويرجعوا حيث كانوا، وذلك لأنهم لم يلتزموا مع أهل هذا البلد قواعد الحرب التي وضعها المسلمون لأنفسهم.

في هذه المناسبة (مناسبة ذكرى العدوان على المسجدين في نيوزيلندا).. نتوجه بالنداء من قلب العالم الإسلامي لكل شعوب العالم كي تتضافر جهودها جميعا؛ وتنتج قواعد ومنابر ومنصات للحوار، يمكن البناء عليها في هذا القرن المعبَّأ بكل أسباب الصراع، والمكتظ بالتناقضات الساخنة، والملغم بالخيارات الكارثية، تداركا لتحول المجتمعات إلى ساحاتٍ للصراع.. كما دعوتنا لشعوب العالم كافة للتداعي في هذه الحقبة من تاريخ البشرية؛ لوضع أسس للتعايش والحوار لضمان الحد الأدنى من الحياة الآمنة الكريمة لكل الشعوب والأمم، كمقدمة ضرورية لبناء "سلام عالمي" ينطلق من قلب طموحات الشعوب والمجتمعات، وليس من داخل قصور الحكم وكواليس السياسة، وأن تنتدب الشعوب لذلك من يمثلها ويعبر بإخلاص عن تطلعها للحياة الآمنة الكريمة.

في هذه المناسبة.. نؤكد على أهمية أن تقوم الشخصيات العامة والعالمية والمرموقة والمؤثرة في مجتمعاتها، والتي تنطلق من ثقافات العالم كافة، وتتمتع بقدرٍ كافٍ من تغليب مصلحة التعايش والحوار على مصالح الصراع والحروب، وأن تكون في ذلك متجردة من آفات الصراع السياسي الذي يميز الساحات الدولية، وأن تكون متحررة من أمراض المصالح القومية الضيقة والنزعات العنصرية المقيتة، وذلك لكي تنهض بهذه المهمة الجليلة والجسيمة مهمة الحوار بين الحضارات، وصولا للتعايش والتكامل بينها في مواجهة دعاوى صدام الحضارات، التي كادت أن تطمس كل ملامح إنسانيتنا، وتؤذن بإفناء الوجود البشري.

في هذه المناسبة.. ندعو الأمم المتحدة إلى ضرورة ملاحقة العنصرية، والوقوف في وجهها بكافة السبل القانونية والمجتمعية والثقافية.. والتعريف الجامع وغير المنحاز للإرهاب؛ ليشمل كل صور ومظاهر العدوان على الإنسان، بما في ذلك إرهاب الدولة الأبشع والأخطر والأعمق أثرا من إرهاب الأفراد والتنظيمات.

في هذه المناسبة.. يجب التأكيد على أن الإرهاب لا ينتمي لدين معين أو ثقافة معينة، بقدر ما ينتمي للبيئة والظروف والملابسات السياسية والمجتمعية البائسة وغير السوية التي تعيشها العديد من المناطق حول العالم.. وإذا كانت العديد من مراكز القرار في العالم اليوم توجه سهام اتهاماتها في نشر الإرهاب نحو مناطق وثقافات معينة، فإننا ندعوها لدراسة الأوضاع السياسية والاستبدادية التي تعيشها هذه المناطق حيث الاحتلال الأجنبي والقمع السياسي، والتي تتحمل بشكل كامل المسئولية الأولى عن التفريخ الواسع والإنتاج المنظم للإرهاب.

وأخيرا.. فإن دعوة "مركز حريات" لكافة منظمات المجتمع المدني والشخصيات والرموز العامة والعالمية لا تزال مفتوحة، وذلك للمشاركة في التحضير والمشاركة في تدشين المؤتمر التأسيسي لمبادرة التعايش بين الحضارات والشعوب، وذلك لوضع ميثاق التعايش بينها وبناء الهيكل التأسيسي للمبادرة، واختيار المنسق العام ومقرري الوحدات في عواصم العالم المختلفة.