» الرئيسية » مقالات المركز » المعارضة المصرية وفقه المبادرات – بقلم: سمير العركي


المعارضة المصرية وفقه المبادرات – بقلم: سمير العركي

08 أغسطس 2018 - 03:52

  

دون الخوض في تفاصيل أو تقييم المبادرة التي طرحها مؤخرا السفير معصوم مرزوق، والتي تحتاج إلى نقاشات أوسع، فإن الأهم الآن يتعدى ذلك إلى التساؤل عن مدى إمكانية قبول المعارضة المصرية للمبدأ ذاته؟ والذي قد يجر بطبيعة -حسب تطور سياقاته- إلى القبول بمبدأ التفاوض وما يستتبعه من أخذ ورد وتنازلات لابد منها في أي مسار تفاوضي، والتخلي عما كان يعد من الثوابت.

فهل المعارضة المصرية مستعدة لكل ذلك؟

المتأمل لقوى المعارضة خاصة خارج مصر، يدرك أنها تعاني من أزمة كبيرة عصفت بها وفتت قواها وأحالتها إلى جزر منعزلة رغم تقارب المسافات "الجغرافية" فيما بينها.

هذا التفتت لم يكن بفعل عوامل أو ضغوطات خارجية بقدر ما كان نابعا من داخل المعارضة نفسها، التي لم تتبن استراتيجية واضحة ومحددة منذ وقوع الانقلاب العسكري قبل أكثر من خمس سنوات وحتى الآن، وتركت نفسها كريشة تعصف بها الريح يمنة ويسرة دون رؤية واضحة، فلم تفلح التشكيلات "الثورية" التي أنجزت لتحقيق الأهداف الموضوعة بدءا من التحالف الوطني لدعم الشرعية، مرورا بالمجلس الثوري وجميع الكيانات التي تشكيلها والتي شهدت "حماسة" وقتية سرعان ما خبت ثم انزوت.

لقد كانت الثورة المصرية وأهدافها بمثابة عقد اجتماعي بين قوى الثورة المختلفة والشعب المصري تم بمقتضاه منح تلك القوى الشرعية اللازمة مقابل الالتزام بتحقيق الأهداف التي خاطر الشعب بحياته من أجل تحقيقها، لكن للأسف الشديد فشلت تلك القوى في إنجاز ما وعدت به الشعب نتيجة التحيزات الإيديولوجية والحسابات التنظيمية الضيقة، حتى وصلنا إلى مشهد انقلاب الثالث من يوليو ٢٠١٣ وما تبعه من تجدد الثورة الشعبية رفضا للانقلاب وانتصارا لأهداف ثورة يناير ٢٠١١، ومجددا أيضا أنجزت تلك الجموع عقدا مع القوى المتصدرة للثورة فيما عرف بتحالف دعم الشرعية يلتزم الطرف الأخير بمقتضاه أمام الشعب بتحقيق الأهداف التي خرج الشعب من أجلها.

لكن فشلت تلك القوى مجددا في تحقيق تلك الأهداف، حتى وصلنا إلى المشهد الحالي إذا قررت تلك القوى ومن طرف واحد إيقاف الثورة دون أن تطلع الشعب على سبب الإيقاف وإن شئنا الدقة سبب الفشل الذي لازمها، حتى أنه لم يعد باقيا من ذكريات الثورة سوى بيان يخرج على استحياء يذكر باسم الأسبوع الثوري الجديد! رغم أن الساحة خلت تقريبا من الثورة والثائرين!

هذا الفشل الذي لازم قوى الثورة المصرية وامتد إلى قوى معارضة انقلاب الثالث من يوليو كان لزاما أن يتوقف في لحظة ما، بقرار لا تنقصه الشجاعة للمحاسبة، ومساءلة المتسبب في تلك الهزيمة التي نالت من ثورة غضة طرية كان يمكن لها أن تتطور لتحدث تغييرا استراتيجيا ليس في مصر وحدها بل على مستوى العالمين العربي والإسلامي.

لكن ومع غياب المحاسبة والمساءلة استمر تمدد الفشل داخل المعارضة المصرية، وتباعدت قواها المؤثرة، ما سمح ببروز أصوات زادت المشهد رهقا، وعظمت من حالة الفوضى السائدة بفعل غياب الرؤى والمحددات الحاكمة.

إن الأزمة العميقة التي تعصر المعارضة المصرية لا تخفى على مكوناتها لكن يبدو أن ثمة قناعة لدى الجميع أن وقت الإصلاح فات أوانه، لذا فإن أي حديث مع تعامل المعارضة مع مبادرة معصوم أو غيره، حديث متخم بالأمنيات ما لم تسارع المعارضة إلى المحاسبة والمساءلة الداخلية وصولاً إلى نقطة الإصلاح، أما غير ذلك فأخشى أن يكون ضربا من إضاعة الوقت.

==============

أ. سمير العركي – رئيس وحدة الدراسات الإقليمية بمركز حريات للدراسات السياسية والاستراتيجية