» الرئيسية » إصدارات أخرى » نصر أكتوبر وأكذوبة الهزيمة!


نصر أكتوبر وأكذوبة الهزيمة!

07 اكتوبر 2021 - 02:51

  

محمد الشبراوي
كاتب ومحلل سياسي
عرض مقالات الكاتب


لم تكن حرب السادس من أكتوبر/ تشرين الأول 1973 مجرد حرب ضد عدو استراتيجي لاسترداد أرض وثأر لعرض وكرامة، ولكنها كانت بعثا لروح أمة بأكملها، وفتحا لباب أمل نحو طريق عودتها.

لم يكن لمصر والأمة العربية والإسلامية من خيار سوى خوض غمار هذه المعركة العظمى، وصنع لحظة تاريخية فارقة في تاريخ الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي، فكانت هذه الحرب التي مثلت انفجارا مدويا في موازين القوة الدولية، وحدثا تاريخيا وانقلابا شاملا بعد مرارات هزيمة يونيو/ حزيران 1967.

لقد كانت حرب السادس من أكتوبر/ تشرين الأول حدا فاصلا في تاريخ عدو متغطرس زلزلت كيانه وصدعت أركانه، وأسقطت استراتيجيته الإقليمية ونظرياته الأمنية، وعلى الجانب الآخر كان لها أبلغ الأثر على مستقبل الأمة العربية، فبعثت فيها الأمل من جديد وكانت في وقتها خطوة هامة في مشروع تحرير الأقصى.

أكذوبة الهزيمة

رغم مرور عقود على حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973، إلا أنه كلما جاء ذكر هذه الحرب أو حلت ذكراها؛ يثور تساؤل لدى نفر ممن لم يعايشوا زمنها حول ما إذا كانت نصرا أم هزيمة، حتى أصبح هناك منذ فترة بعض الأصوات ممن يروجون مقولة أن هذه الحرب كانت هزيمة لمصر والأمة العربية، ومستندين في ذلك إلى آراء نقدية صاحبت شهادات بعينها عن ظروف هذه الحرب – خاصة ثغرة الدفرسوار – متخذين من ذلك تكأة لدحض حقيقة هذا النصر التاريخي في صراع الأمة مع عدو استراتيجي وصهيونية عالمية.

ومن عجب أن البعض الذي يروج لهزيمة مصر في حرب أكتوبر/ تشرين الأول يتبنون هذا الادعاء انطلاقا من رفضهم وخصومتهم مع نظام الحكم والمؤسسة العسكرية المصرية، خاصة بعد التحولات التي شهدتها مصر بعد الثالث من يوليو/ تموز2013، وانعكست آثارها على صعد مختلفة، إضافة إلى التحول في السياسية الخارجية تجاه العلاقات مع الاحتلال الإسرائيلي.

كان نصرا لإرادة شعب وأمة

مما لا شك فيه أن نصر أكتوبر/ تشرين الأول 1973، وتدرجا على مدار عقود، كان مدخلا مهما لسيطرة نظام الحكم وتثبيت أقدامه، وترسيخ نفوذ المؤسسة العسكرية في نفوس المصريين والحياة المصرية عمو ما، ودخولها معتركات مدنية عديدة، غير أن ذلك لا يُهيل التراب ولا ينقص من نصر تاريخي، ولا يمكن أن يُتخذ تكأة لتبني نفس ما يروجه العدو الاستراتيجي لمصر والأمة العربية من سردية الهزيمة لنا والنصر لهم.

إن هذه الحرب لم تكن حرب جيش أو مؤسسة عسكرية، ولكنها كانت حرب شعب وأمة بأكملها، والنصر في هذه الحرب لم يكن نصرا لجيش، ولكن كان نصرا لإرادة شعب وأمة.
وإذا كان من حق أي جيش أن يفتخر بنصر حققه، فإن النصر مرجعه ليس لجيش مسلح وحده يخوض غمار الحرب على جبهة القتال المباشر، ولكنه نصر لم يكن ليتحقق لولا جيوش الشعب التي تماسكت في الجبهة الداخلية وعلى جبهات أخرى، وخاضت معارك طويلة، ربما أكثر خطورة من الالتحام المباشر للجيش المسلح في جبهة القتال.

هزيمة لنا ونصر لهم هكذا يروج العدو!

على مدار أكثر من أربعة عقود بذل الكيان الصهيوني وما زال جهودا غير مسبوقة؛ ليخلخل الوعي والثقة بحقيقة هذا النصر، وليرسخ أن هذه الحرب كانت هزيمة لنا ونصرا لهم، هكذا يروج العدو لشعبه وللعالم.

ورغم مرور عقود عديدة، إلا أن الإسرائيليين ما زالوا منشغلين بهذه الحرب التي تركت آثارا نفسية قاسية عليهم حتى اللحظة، لذلك جيشوا جيوشا من الإعلاميين والكتّاب لمحو آثارها وللتحقير من النصر وجعله نصرا محدودا، حتى وصلوا إلى جعله نصرا لهم.

في أكتوبر تشرين الأول/ 2014؛ كتب المعلق الإسرائيلي “يسرائيل هرئيل” في جريدة هآرتس الإسرائيلية ما نصه “انتصار غير مسبوق وإنقاذ الدولة كنتيجة لتضحيات الجنود والقادة؛ فقد كانت الرواية الحقيقية لهذه الحرب، ولكن في الحقيقة الرواية الكاذبة والمتلاعب بها تجذرت في الوعي الإسرائيلي، حيث يجب إعادة صياغة هذه الرواية من جديد فبعد 40 عاما من جلد الذات حان الوقت للتخلص من فكرة الصدمة النفسية التي زعزعت ثقتنا بأنفسنا وحياتنا، علينا أن نتخلص من الرواية الكاذبة وأن نجذر في أنفسنا الرواية العادلة والتفاؤلية”.

وعلى نفس خط المعلق العسكري “هرئيل”، يواصل الكاتب الإسرائيلي “يؤاف شاحام” قائلا: “في مصر ما زال يعتبر هذا اليوم السادس من شهر تشرين الأول كيوم عيد، وفي إسرائيل يعتقد الكثيرون رويدا رويدا أنه بالرغم من الألم الذي لحق بهم في هذه الحرب فإنها ليست مبعثا للخجل، ولكن للفخر. في الواقع لا يبدو أن المسيرات كتلك التي حدثت في مصر من شأنها أن تحدث في شوارع القدس وتل أبيب، لكن بعد 41 سنة بدأت هذه الصدمة تترك مكانها في القلوب”.

هكذا يروج الإسرائيليون لنصر أكتوبر أنه لهم وليس لنا، ليزيلوا ذكرى الانهيار الذي سببه نصر أكتوبر/ تشرين الأول 1973.
ففي واحد من مستندات أرشيف حرب أكتوبر، والتي تم نشرها في إسرائيل سنة 2014، في الذكري الحادية والأربعين للحرب، يصف “يرمياهو يوفال”، أحد الضباط الإسرائيليين، ما شهده في سيناء أثناء الحرب؛ بأنه كان مأزقا منذ اليوم الأول للجيش الإسرائيلي، حيث تعرض لضربات قاتلة من قبل الجيش المصري، مضيفا: “شهدت إنجازات الجنود المصريين وهزائم مرّة للجنود الإسرائيليين”، وواصفا ما شاهده في اليوم الأول بأنه كان انهيارا حقيقيا. وأضاف: “كنا ببساطة نفر من أمام الجنود المصريين وذيولنا بين أرجلنا كالكلاب وبالنسبة لي كانت هذه لحظة مؤسسة”.
لحظة تاريخية

لم تكن حرب السادس من أكتوبر 1973/ تشرين الأول مجرد لحظة نصر عابرة تحولت إلى هزيمة كما يريد البعض أن يصورها؛ ولكنها كانت لحظة نصر تاريخي يجب أن نتمسك به، لأنه تأكيد على قدرة مصر والأمة في أخذ زمام المبادرة لتغيير الواقع مهما كانت تحدياته.

إن ذكرى نصر أكتوبر لا بد أن تكون منطلقا متجددا لتثبيت عقيدة الأمة الاستراتيجية تجاه عدوها، ودافعا لاستنهاض الهمة في تغيير واقع سعى أعداء الأمة لفرضه علينا عبر من حادوا عن ثوابت الأمة التي لا حياة لها بدونها.

ستظل حرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973 هي الحلم المزعج، الذي يقض مضاجع الكيان الصهيوني وقادته لأنها تأكيد على أن أي لحظة مصر ومعها الأمة العربية والإسلامية قادرون على تكرار لحظات أكتوبر، ولكن هذه المرة لاستكمال الهدف الأكبر نحو تحرير الأقصى.
حلم مزعج
في كتاب عن مذكرات جولدا مائير رئيسة وزراء الكيان الصهيوني إبان حرب تشرين الأول/ أكتوبر بعنوان “حياتي” والذي ترجمه إلى اللغة العربية خبير الشؤون الإسرائيلية عزيز عزمي بعنوان اعترافات جولدا مائير- تحدثت فيه عن حرب أكتوبر قائلة (سأظل أحيا بهذا الحلم المزعج لبقية حياتي، ولن أعود نفس الإنسانة مرة أخري التي كنتها قبل حرب كيبور) كما أشارت إلى أن التفوق العربي كان ساحقا وقالت (كنا في انهيار نفسي عميق).

لماذا يريد البعض تصوير الانتصار على أنه هزيمة؟

إن الحروب لا تقف تأثيراتها عند حدود الجوانب العسكرية والاستراتيجية؛ ولكنها تتجاوز ذلك إلى آفاق أرحب تتعلق بالصراعات الدولية وتوازن القوى والمناخ السياسي الدولي وتُغير العديد من المعتقدات السياسية المهيمنة وتزلزل كثيرا من قناعات الأعداء والأصدقاء.

لقد كان الاحتلال الإسرائيلي يعيش حالة رعب، وخوف عميق، وكان الوهن والضياع هو الشعور العام المسيطر على الجميع قادة وشعبا، لذلك عمل الكيان الصهيوني عبر معركة دعائية شرسة للنيل من هذا الانتصار، والانتقاص منه ونسبة الانتصار لهم حتى يزيلوا كل أثر سلبي في نفوسهم ولو كذبا وخداعًا وتعاليا على اعترافاتهم، التي وصفوا فيها ما حدث بالكارثة المروعة.

الهزيمة لنا والنصر لهم هذا ما قاتل عليه بشراسة عدونا الاستراتيجي ولا غرابة في ذلك، لكن الأشد غرابة هو أن يتبنى بعض من ينتسبون إلى هذه الأمة منطق الهزيمة المطلقة ويهيل التراب تماما على حرب أكتوبر/ تشرين الأول.

ما بين الأسطورة والأكذوبة والاعتبار بالمآلات

فما بين الأسطورة، والأكذوبة والاعتبار بالمآلات التي تعيشها مصر والأمة العربية الآن، والقول بالدعاية السياسية، وإنهاض المعنويّات على حساب الحقائق والأرقام يريد البعض أن حرب أكتوبر بعين الهزيمة.

إن هناك من يرى في حرب أكتوبر/ تشرين الأول نصرا حتى يوم الرابع عشر من نفس الشهر ثم تحولت إلى هزيمة بعد ذلك ويعدها من وجهة نظره معركة جزئية، ويرى أن الحرب كانت ضرورة لاستمرار النظام العسكري الذي عانى أوضاعا حرجة حتى أوشك على السقوط، ومن ثم خاض هذه المعركة واعتمد عليها لتثبيت وجوده عبر شرعية الحرب؟!

على جانب آخر يرى نفر -بعين ساخطة- نصر أكتوبر تشرين الأول بعد وصفه بالأسطورة الكاذبة أنه كان أشد ضررا وإيلاما من هزيمة حزيران/ يونيو 1967 لأنه كما يقول سمح للنظامين المصري والسوري بتطليق الحروب ضد العدو بالثلاثة أما الهزيمة في 1967 فقد شحذت الهمة وأطلقت المقاومة؟!

وانطلاقا من تلك الرؤى السابقة وغيرها التي تصطف خلف منطق الهزيمة نجد القاسم المشترك بينها هو رفض لنظام الحكم وانتقادٍ له، ومن ثم أهال البعض التراب كلية على حقيقة النصر.

حقائق حول النصر
لقد التفت البعض عن حقيقة مهمة نعيد التأكيد عليها ألا وهي أن هذا النصر لم يكن أبدا نصر لنظام حكم وإن كان طبيعيا أن يستفيد منه، ولم يكن نصر لجيش وحده وإن تفاخر به؛ ولكنه كان نصرا لأمة بكافة مكوناتها، بل كان على حد تعبير الجنرال بوفر (أول انتصار عسكري حقيقي يحرزه العرب في العصر الحديث).

أما عن الثغرة التي تحدث عنها الكثيرون وكانت المدخل الأهم للتقليل من هذا النصر، فقد قال عنها الجنرال بوفر أيضا وأنقل عنه ترجمة متداولة حيث قال: (لقد تصورت في ذلك الوقت أن الغرض من ذلك معنوي تماما)، حيث اعتقد الإسرائيليون أن وقف إطلاق النار سوف يوفر الحماية لقدراتهم من التدمير.

ولذلك كانت عملية الثغرة أكثر من عرض تلفزيوني منه عملية عسكرية، ولم يعد الجيش الإسرائيلي يستطيع تحقيق تفوقه، وهذه حقيقة لا خلاف حولها، وقد أصبحوا يدركون ذلك ويجب عليهم اختيار أحد أمرين، الأول هو شعورهم بدرجة أكبر من عدم الأمان وزيادة قوتهم العسكرية، أو الثاني وهو التوصل إلى اتفاق، ثم أضاف قائلا (وأيا كان الرأي فإن النجاح الأكبر قد حققه العرب في السادس من أكتوبر بذلك التأثير المعنوي العظيم على المعسكر المعادي لهم وعلى اتساع العالم، ويجب عليهم الأخذ في الاعتبار ذلك المتغير الجديد وتأثيره على العالم ومحاولة كسب تأييده ودعمه).
ما بين النصر والهزيمة.. أين الحقيقة؟
مما لا شك فيه أن الحرب وجه من وجوه السياسة وامتداد لها ولكن بأدوات عنيفة، كما أن الانتصار العسكري يمتد من حيز الإنجاز العسكري إلى حيز صراع الإرادات والقدرة على إملائها والحفاظ على الإنجازات غير أن هذه الرؤية على اطلاقها مجردة دون اعتبار للمتغيرات التي تطرأ قد يجعل من كل نصر عسكري هزيمة مطلقة.

وما بين جدلية نصر أم هزيمة فإن الحقيقة المؤكدة أن حرب أكتوبر/ تشرين الأول كانت نصرا مؤكدا للأمة في وقتها، أما واقع الأمة الآن وما بعد كامب ديفيد فلا علاقة لنصر أكتوبر به.
إن التمسك بحقيقة النصر يٌعد وسيلة هامة لبعث الروح في الأمة من جديد وتذكيرها بأنها قادرة على النهوض من كبوتها واستكمال مسيرتها في دحر أعدائها وأن الأمر لا يتطلب إلا إرادة.
إنجازات هامة للعرب
في كتاب “زلزال أكتوبر حرب يوم الغفران” تحدث “زئيف شيف” المعلق العسكري الإسرائيلي قائلا إني أحصي للعرب خمس إنجازات هامة:

أولا: نجحوا في احداث تغيير في الاستراتيجية السياسية للولايات المتحدة الامريكية بصورة غير مواتية لإسرائيل.

ثانيا: نجحوا في تجسيد الخيار العسكري مما يفرض على إسرائيل جهودا تثقل على مواردها واقتصادها.

ثالثا: نجحوا في إحراز درجة عالية من التعاون العربي سواء على الصعيد العسكري أو الاقتصادي، خاصة عندما استخدموا سلاح البترول في أكتوبر.

رابعا: استعادت مصر حرية المناورة بين الدول الكبرى بعد أن كانت قد فقدتها قبل ذلك بعشر سنوات.

خامسا: غير العرب من صورتهم الذاتية فقد تحرروا من صدمة عام 1967، وأصبحوا أقدر على العمل الجاد.

ماذا بعد عقود من النصر؟

لكن على جانب آخر وفي أيامنا هذه يرى الكيان الصهيوني أن الواقع بات جيدا بالنسبة لهم بعد أكثر من أربعة عقود، وهنا أسوق طرفا مما تصدر صحيفة “جيروزاليم بوست” في شهر تشرين الأول 2016، تحت عنوان “استشراف التهديدات العسكرية التي تواجه إسرائيل خلال العام المقبل”، أعده “ياكوف كاترز” النائب السابق بالكنيست الإسرائيلي والمحلل السياسي – وهنا أسوق فقرات مما كتب- حيث ذكر أن إسرائيل في مستهل العام اليهودي 5777 لا تواجه أي تهديد عسكري تقليدي أو وجودي.

وأضاف أن هذا ليس بالأمر الهين، بالنظر إلى أن إسرائيل كانت قبل ذلك فقط ترزح تحت نير هزيمة منكرة في سيناء وهضبة الجولان، في كارثة دموية عرفت باسم يوم الغفران.

وأشار “ياكوف” أيضا أن ثمة سلام قائم بين مصر وإسرائيل، و الجيش السوري صار متآكلا، وعمليا فهذا يعني أنه لا يوجد عدو متاخم للحدود لديه القدرة على غزو إسرائيل ولا يوجد تهديد على جيش الدفاع الإسرائيلي، وأضاف قائلا: إلا أن عدم القدرة على التنبؤ بتحركات الأعداء، والأنماط المتغيرة التي يستخدمونها في الحرب، تعني أن الجيش الإسرائيلي يحتاج أن يكون دائما في حالة تأهب. رياح الحرب يمكن أن تهب من أي جبهةٍ في أي لحظة، ولهذا فإن الجيش الإسرائيلي دائمًا في حالة استعداد. لكن من ناحية أخرى، فإن النصر على أعداء من هذا الطراز لا يكون حاسمًا.
القول الفصل
بعد أكثر من أربعة عقود على نصر الأمة التاريخي في أكتوبر/ تشرين الأول 1973 فإن القول الفصل أن هذ النصر كان نصرا حقيقيا وإن لم تُقطف ثمرته الأكبر باستثماره فيما بعده وفرض الإرادة كاملة على الأعداء، إلا أنه انتشل الأمة من هزيمتها وجبر انكسارها وإن لم يكن لهذا النصر سوى جبر الانكسار فهذا هو.

إن محددا هاما للغاية في ذكرى النصر لابد أن يدركه المصريون والعرب عن مصر صاغته كلمات الراحل الدكتور جمال حمدان في مقدمة الجزء الأول من رائعته -شخصية مصر- حيث يقول: (مصر بالذات محكوم عليها بالعروبة والزعامة، ولكن أيضاً بتحرير فلسطين، وإلا فبالإعدام، فمصر لا تستطيع أن تنسحب من عروبتها أو تنفوها عن نفسها حتى لو أرادت. كيف؟ وهي إذا نكصت عن استرداد فلسطين العربية كاملة من البحر إلى النهر، وهادت وهادنت وخانت وحكمت عليها بالضياع، فقد حكمت أيضاً على نفسها بالإعدام، وبالانتحار، وسوف تخسر نفسها ورصيدها. الماضي كالمستقبل، التاريخ والجغرافيا) انتهى كلامه.
خاتمة
إن الأحداث التي تمر بها الأمم تؤكد أن التاريخ لا يقف عند نقطة واحدة وإن ما يُنظر إليه على أنه هزيمة قد يكون دافعا لانتصارات كبرى، وما تحقق من نصر قد تٌذهبه أدراج الرياح سياسات خاطئة، غير أن الثابت الذي لا خلاف عليه أن المعركة التي ينتصر فيها الإنسان هي عندما يرفض الاعتراف بالهزيمة ويعمل لأجل نصر قادم؛ لأن الأيام دول والحرب سجال.
سقطة كبرى أن نهيل التراب على نصر حقيقي عاشته الأمة بسبب واقعنا الحالي، ولكن نحن في حاجة إلى جعل ذكرى النصر شاحذا لذاكرة الأمة، وكاشفا لكا من يتمنوا أن يرو مصر ومعها الأمة جسدا ميتا وجثة هامدة.

حرب أكتوبر لحظة تاريخية فاصلة في تاريخ مصر والأمة العربية، وهي نصر لمصر والأمة، والأكذوبة هي القول بالهزيمة.
من الخطأ الفادح والاجحاف أن يهيل البعض التراب على نقطة ضوء في تاريخنا الحديث فيسهم من حيث لا يدري في تحقيق مقاصد أعدائنا؛ لأن نصر أكتوبر سيظل دليلا واضحا على من هو العدو الحقيقي، الذي لا يمكنه أن يصبح أبدا حليفا أو صديقا، وإن وعد الله فينا وفي أعدائنا محقق لا محالة مهما طال الزمن.

المصدر: رسالة بوست.

https://resalapost.com/2021/10/06/%D9%86%D8%B5%D8%B1-%D8%A3%D9%83%D8%AA%D9%88%D8%A8%D8%B1-%D9%88%D8%A3%D9%83%D8%B0%D9%88%D8%A8%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%87%D8%B2%D9%8A%D9%85%D8%A9/