» الرئيسية » دراسات » سوء تقدير بوتين وغطرسة الناتو.. لماذا خرجت الأمور عن سيطرة الجميع في أوكرانيا؟


سوء تقدير بوتين وغطرسة الناتو.. لماذا خرجت الأمور عن سيطرة الجميع في أوكرانيا؟

09 مارس 2022 - 05:44

  

عربي بوست
ديفيد هيرست

بهجومه على أوكرانيا ارتكب بوتين أكبر خطأ منذ دخل الكرملين رئيساً قبل 22 عاماً.

سواء كان مقصد الحرب تدميراً بطيئاً لأوكرانيا أم لا، فهذه مسألةٌ أخرى، فلقد تحدَّد المسار الآن، ولا يمكن عكسه في الاتجاه الآخر.

كانت قوة بوتين في الداخل والخارج مبنية إلى حد كبير على الغموض والمفاجأة، وسياسة الإنكار فنه المفضل.

لم تكن روسيا ضعيفة ولا قوية كما تصوّر الآن، ولم يكن بوتين استبدادياً ولا ليبرالياً كما يصوّر لنا، وعلى كلٍّ هناك الكثير من الكتب التي صدرت بشكلٍ محموم للكشف عن "بوتين الحقيقي". 

وفي النهاية استقرَّ الإجماع على براغماتيته. 

أولاً، بصفته من حاشية الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش المتحمِّسين للانضمام إلى الناتو، ثم بصفته قومياً مظلوماً يلوح بعصا غليظة في خطابه في ميونيخ في عام 2007، تمكن بوتين طوال الوقت من الحفاظ على صورة المحارب المخضرم الماكر، والرجل الفولاذي على المسرح العالمي، والذي لم تكن نواياه معروفةً لدى كثيرين من حوله. 

بصفته محافظاً مالياً، تعلم في السلطة ألا يتحدى الأوليغارشية، بل أن يصبح واحداً منهم. طالما أنهم قدموا له الهدايا المناسبة مثلما كان الأرستقراطيون المخلصون القدامى يفعلون، فإنه لم يمس أصولهم.

ومع ذلك فقد استغرق بوتين البراغماتي أياماً فقط ليصبح بوتين مجرم الحرب. أصبحت أوكرانيا إعادةً لتجربة كوسوفو، لكن في الاتجاه المعاكس.

هذا، من وجهة نظر بوتين خطأ كبير في التقدير، لا يمكن احتساب خسارة الكثير مما حققه بوتين في العقدين الماضيين لاستعادة نفوذ روسيا في عدد المدنيين الذين قتلهم، يجب ألا نقع في خطأ الاعتقاد بأن بوتين قد تأثَّر بإراقة الدماء أو المعاناة الإنسانية التي يسبِّبها. 

سوء تقديرٍ كبير 
استخدمت روسيا الأسلحة الحرارية من قبل في "غروزني" في عامي 1994 و2000. معروف للعالم الآن أن بوتين يعيد استخدام التكتيكات والأسلحة الآن في أوكرانيا.

في عام 1999 قال بوتين: "سنلاحق الإرهابيين في كل مكان. إذا كان المطار حسناً فليكن المطار، توسَّلوا من أجل العفو، لكننا سنلقي بهم في المرحاض وسنتخلَّص منهم في مبنى خارجي في النهاية". 

وفي عام 2022 قال: "لا تسمحوا للنازيين الجدد والعصابات بأن يستخدموا أطفالكم وزوجاتكم وعجائزكم كدروعٍ بشرية، خذوا زمام الأمور بأيديكم، يبدو أنه سيكون من الأسهل بالنسبة لنا الوصول إلى الاتفاق مع هذه العصابة من مدمني المخدرات والنازيين الجدد". 

وبين 1999 و2022 لم يتغيَّر شيءٌ يُذكَر يخص الرجل الفولاذي بالكرملين. 

ما يحدث وسيحدث لكييف وخاركيف ليس جديداً ولا مختلفاً عما اقترفه الروس بحق شرق حلب وإدلب في سوريا أو طرابلس في ليبيا. الفرق الوحيد الآن هو أن شرق حلب أو إدلب انتقل على أعتاب ألمانيا. 


فكّر كما يفكّر لتفهم ما يحدث.. سنذهب بك في رحلة داخل عقل بوتين الخطير

سوء تقدير بوتين ليس متعلقاً بأفعال بوتين الوحشية أو استخدامه لأسلحة فتاكة، ولكن أين يفعل ذلك، قُتِلَ ما بين 5 آلاف إلى 8 آلاف في معركة غروزني 1999-2000 والعالم لم يرمش. 

في بداية الحرب على الشيشان سيطرت القوات الروسية على سلسلة التلال الاستراتيجية فوق المدينة. قاموا بعدة محاولات للدخول، لكنها أُحبِطَت، ثم أمطروا المدينة بقذائف "بي إم -21" وصواريخ سكود والقنابل العنقودية والقنابل الحرارية، قبل دخولهم بمجموعات صغيرة مدربة على حرب المدن.

أيٌّ من هذا يبدو مألوفاً؟ 
بحلول عام 1999، تعلّمت روسيا الدرس من الهجوم الذي شنته قبل خمس سنوات. هذه المرة لم يكن هناك مراسلون مثلي أو مثل طاقم Skynews أو CNN أو BBC يتحدَّثون عن مصير شعب في جبلٍ صغير، لم يرَ أحدٌ ما حدث للطوابير العسكرية الروسية في شوارع غروزني عام 2000 كما شهدنا في 1994. 

وإذا ظهر ما كان يحدث بالفعل في غروزني على شاشات الأخبار عام 2000، فإن الإدارة في واشنطن في ذلك الوقت كانت ستتجاهله.

بعد 11 سبتمبر/أيلول، كوفئ بوتين على جهوده في قمع الشيشان كعضو فخري في حرب بوش على الإرهاب. 

العجيب أن يفعل بوتين الشيء نفسه لأوكرانيا، ولكن يتم تصويره كمجرم حرب.


روسيا في مواجهة الناتو 
لا أعتقد أن بوتين توقع رد الفعل الأوروبي والغربي الصادر الآن أثناء تخطيطه قبل الحرب.

وهذا أمر محير، فأوكرانيا ليست أرضاً بعيدةً في القوقاز، بل أرض في قلب أوروبا، مع بعض الجيران المسلَّحين جيداً. 

يسأل هؤلاء الجيران أنفسهم يوماً بعد يوم عما إذا كان ينبغي عليهم فعل أكثر من مجرد إرسال الصواريخ المضادة للدبابات والحقن والضمادات. ويُروَّج لإنشاء منطقة حظر طيران.

صرَّح الجنرال، السير ريتشارد بارونز، الرئيس السابق لقيادة القوات المشتركة في المملكة المتحدة لبرنامج Newsnight على شبكة BBC، بأن استمرار الهجوم الروسي قد يؤدِّي إلى فرض مناطق حظر طيران، معترفاً بأن هذا "يعني الحرب مع روسيا". 

يوماً بعد يوم تزداد احتمالية مواجهة قوات الناتو وروسيا لبعضهما في القتال. يبدو الأمر كما لو أن أوروبا قد نامت في عام 2022، واستيقظت في عام 1941. إن التخلص من كل هذا والقول إن بوتين قد حصل الآن على الصين، والمشروع الأوروبي الآسيوي المشترك، هو أقل ما يمكن قوله قبل الأوان. 

هل بكين مستعدةٌ حقاً لتحمُّل تبعات ما فعله بوتين؟ لم تُظهِر الصين أيَّ علامةٍ على الاندفاع إلى أفغانستان، الدولة الواقعة في وسط آسيا، والتي أصبحت جاهزة للفتك بها بعد أن تخلى عنها جو بايدن عسكرياً ومالياً. 

تعهَّدَت الصين لطالبان بتقديم مبلغ متواضع، وقد يقول البعض إنه مبلغٌ تافه، 31 مليون دولار من الغذاء والدواء ولقاحات كوفيد-19 ومساعدات أخرى، بالكاد أكثر من باكستان، الدولة الأفقر بكثير.

وصف بلال كريمي، المتحدث باسم طالبان في وزارة الإعلام، علاقات الصين مع الإمارة الإسلامية الجديدة بأنها "غامضة"، حسبما ذكرت صحيفة Nikkei Asia. 

الصين قوةٌ أوروبية آسيوية تمتد في جميع أنحاء العالم، تبدو جيدة على الورق وتجيب عن شعور عميق في وسط وغرب آسيا بالضجر من محاولات الولايات المتحدة إلقاء ثقلها الاقتصادي والعسكري. لكن هذا الطريق السريع لا يزال بعيداً عن الاكتمال. لفهم أي معنى يجب أن تنتهي في مكان ما، مثل الأسواق الغنية في أوروبا. 

على أقل تقدير، تحتاج سلسلة التوريد الجديدة هذه إلى ألمانيا باعتبارها المستهلك النهائي، وقد اتخذت ألمانيا للتو قراراً مهماً للغاية، لقد تخلَّت عن تردُّدها في استخدام جيوشها في القتال، وهي سياسةٌ تعود إلى نزع النازية. 

لا يمكن أن يكون هذا في حسابات بوتين عندما كان يخطِّط لهذا الهجوم، إذا كانت موسكو قد أبدت احتراماً ضئيلاً للدول العازلة لها، فإنها تاريخياً تعاملت مع برلين على محمل الجد.

خارج عن السيطرة
إن تحويل مدن أوكرانيا إلى أنقاض لا يمكن أن يكون جزءاً من خطة الرئيس شي جين بينغ الكبرى أيضاً، وحتى لو هدأت الأمور فإن الهجوم الذي يدمِّر أوكرانيا سيضع حاجزاً كبيراً أمام الخدمات اللوجستية بين الشرق والغرب. ينبع عرض الصين للتفاوض على هدنةٍ جزئياً على الأقل من القلق بشأن ما قد تؤدي إليه شراكتها مع بوتين. وليست الصين مستعدةً لقطيعةٍ تامة مع الولايات المتحدة. 

إن التبعات والعواقب أكبر من مجرد وقف خط أنابيب في بحر الشمال. لقد أُغلِقَت الحدود الغربية لروسيا بالكامل، عندما تقع كارثةٌ في أوروبا كما يحدث الآن أمام أعيننا يستغرق الأمر وقتاً طويلاً للعودة إلى العمل كالمعتاد. 

والنظرية القائلة بأن بوتين يحاول إعادة إنشاء الاتحاد السوفييتي لا تصمد أمام التدقيق. الاتحاد الروسي مخلوق أصغر بكثير مما كان عليه الاتحاد السوفييتي. إنه ببساطة لا يمتلك الموارد التي كانت لدى خروتشوف، عندما دخلت الدبابات لسحق المجر في عام 1956 أو تلك التي أرسلها بريجنيف إلى تشيكوسلوفاكيا في عام 1968. 

تحتل روسيا المرتبة 49 فقط من حيث الدخل والقوة الشرائية في قائمة أغنى البلدان، ولا تدخل هذه القائمة من الأصل إذا استُخدِمَ معيار متوسط الناتج المحلي الإجمالي. وإذا استبعدت النفط يكون لديك اقتصادٌ أقل تطوُّراً وأقل تنوُّعاً من تركيا. سوف يُجمَّد الجزء الأكبر من الاحتياطيات الأجنبية لروسيا من خلال البنوك المركزية الكبرى. ليس الاقتصاد الروسي قوياً إلى درجة أنه يستطيع تحمُّل عمليات سحب الاستثمارات الأجنبية التي تحدث الآن. 

كل شيء يشير إلى سوء تقدير بدرجةٍ أسطورية. احتاج بوتين أن يستولي على كييف في خلال أيام، لكنه لم يفعل ذلك. احتاج بوتين إلى الروس في خاركيف محتفين بمحرِّريهم، ولم يحدث.

في المقابل، جعل جميع الأوكرانيين خارج الجيبين اللذين شنَّ الهجوم باسمهما يتعلَّمون صنع القنابل الحارقة. لا يمكن أن يكون هذا جزءاً من مخطَّطه الأصلي. 

كان بوتين بحاجةٍ إلى حربٍ حارقة سريعة بنموذج ما بعد الاتحاد السوفييتي، لكنه حصل على صراعٍ ذي أبعادٍ أكبر بكثير. لدرجة أن روسيا وجّهت حتى الآن تهديدين نويين في غضون أيام.

وجاء التهديد الأخير في فحوى البيان الصادر عن وزارة الخارجية الروسية: "سيكون مواطنو ومؤسسات الاتحاد الأوروبي المتورطون في توريد أسلحةٍ فتاكة، ووقود، ومواد تشحيم للقوات المسلحة الأوكرانية هم المسؤولين عن أي تداعيات تقع نتيجةً لتلك الأفعال في سياق العملية العسكرية الخاصة الجارية. ولا شك أنهم يدركون جيداً مدى خطورة تلك التداعيات".

وقد كان البيان على صوابٍ من ناحية، ولكن هل كانت المواجهة النووية مع حلف الناتو جزءاً من خطة بوتين؟ أشك في ذلك. إذ تكمُن خطورة أوكرانيا في حقيقة أنها خارجةٌ عن السيطرة.

الجذور التاريخية للحرب
لا مجال للشك تاريخياً في أنّ الغرب هو الذي زرع بذور هذا الصراع حين توّسع حلف الناتو شرقاً. ولا شك أن قدامى محاربي الحرب الباردة من الحكماء مدركون لتلك المخاطر، لكن تم تجاهلهم.

حيث سرد جورج كينان الأساس الفكري للحرب الأمريكية الباردة في "برقيته الطويلة" من موسكو، في فبراير/شباط 1946، والتي أعقبها بمقالٍ في مجلة Foreign Affairs الأمريكية، في يوليو/تموز 1947، وقد أصابه الرعب بسبب توسعات الناتو عام 1998.

وإليكم ما كتبه لصحيفة New York Times الأمريكية: "أعتقد أننا في بداية حربٍ باردةٍ جديدة. وأعتقد أن الروس سيكون لهم رد فعلٍ عكسي متصاعد تدريجياً، وسوف يؤثر الأمر على سياساتهم. وأعتقد أنه (أي توسع الناتو) خطأٌ كارثي. ولم يكن هناك ما يدعو لذلك على الإطلاق، لم يكن هناك أي تهديد. لكن هذا التوسع سيقض مضاجع الآباء المؤسسين لهذا البلد في قبورهم. لقد وقعنا اتفاقية الحلف لحماية سلسلةٍ كاملة من الدول، رغم أننا لا نمتلك الموارد الكافية أو النية لفعل ذلك بشكلٍ جاد. وكان توسّع الناتو ببساطة مجرد خطوةٍ رعناء من مجلس شيوخ لا دراية له بالسياسة الخارجية. وقد انزعجت من مدى سطحية وضعف معلومات النقاش في مجلس الشيوخ. وأكثر ما أزعجني هو الإشارات لروسيا باعتبارها بلداً يتوق للهجوم على أوروبا الغربية. ألم يفهم الناس؟ لقد كانت خلافاتنا في الحرب الأهلية مع النظام السوفييتي الشيوعي. لكننا نُدير ظهورنا الآن لنفس الشعب الذي قام بأعظم ثورةٍ غير دموية في التاريخ لإسقاط النظام السوفييتي. كما أن ديمقراطية روسيا تُعَدُّ أكثر تقدماً بكثير من أيٍ من الدول التي وقعنا على الاتفاقية لحمايتها من روسيا. ولا شك أننا سنشهد رد فعلٍ سيئاً من روسيا، وحينها سيقول التوسعيون من الناتو إنهم لطالما أخبرونا بأن هذه هي طبيعة الروس، لكن هذا ليس صحيحاً".

وها قد ضغط بوتين الزناد. وأصبحت أوكرانيا شعلةً يوقدها غرور بوتين والناتو. ويمكن القول في الوقت الراهن إن تلك الشعلة قد خرجت عن السيطرة، وسوف تؤثر على دولٍ هي أبعد ما يكون عن حدود روسيا المباشرة.

– هذا الموضوع مُترجم عن موقع Middle East Eye البريطاني.

https://arabicpost.net/opinions/2022/03/08/%d8%a8%d9%88%d8%aa%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%a7%d8%aa%d9%88-%d8%a3%d9%88%d9%83%d8%b1%d8%a7%d9%86%d9%8a%d8%a7/