أوراق بحثيةدراسات

محمد صلاح في تركيا ـ من الشعبية الجارفة إلى جسور مصرية أوسع مع المجتمع التركي

🟦🟦 “محمد صلاح في تركيا ـ من الشعبية الجارفة إلى جسور مصرية أوسع مع المجتمع التركي”

🟦 كيف يمكن تحويل شعبية النجم المصري إلى قوة ناعمة وعلاقات أعمق بين المصريين والأتراك؟

🟦 مركز حريات للدراسات السياسية والاستراتيجية ـ أغسطس 2026

ــــــــــــ

🔵 المقدمة

لم يكن وصول محمد صلاح إلى تركيا في أغسطس 2026 مجرد انتقال جديد في المسيرة الرياضية لأحد أشهر اللاعبين المصريين في العالم. فقد استقبلته جماهير تركية بحفاوة لافتة عند وصوله، ثم تحولت صفقة انتقاله إلى طرابزون سبور إلى حدث رياضي وإعلامي واسع تجاوز حدود النادي والمدينة. والأهم أن مؤشرات هذه الشعبية كانت قد سبقت انتقاله نفسه؛ ففي يوليو هتفت جماهير بشكتاش باسمه خلال حفل تقديم لاعب آخر، بما كشف أن صلاح لم يدخل المجتمع الرياضي التركي بوصفه لاعبًا جديدًا فحسب، بل وصل وفي رصيده بالفعل مساحة معتبرة من القبول والاهتمام الجماهيري.

ولا تكمن أهمية هذه الظاهرة في عدد المستقبلين، ولا في حرارة الهتافات، ولا حتى في القيمة الرياضية للصفقة وحدها، وإنما فيما تكشفه عن قدرة شخصية مصرية ناجحة على إنتاج مشاعر إيجابية عابرة للحدود، وفتح مساحة للتواصل بين مجتمعين لا تمر بالضرورة عبر الحكومات أو المفاوضات السياسية أو البيانات الرسمية.

وهذه نقطة بالغة الأهمية في فهم القوة المعاصرة؛ فالدول لا تصنع صورتها في الخارج من خلال السياسة الخارجية والدبلوماسية الرسمية فقط، وإنما يسهم في تشكيلها المواطن الناجح، والعالم، والرياضي، والفنان، ورائد الأعمال، والجامعة، والشركة، والمنتج الثقافي. وقد يصبح فرد واحد في لحظة معينة أكثر قدرة على الوصول إلى ملايين البشر من مؤسسات رسمية تمتلك موارد ضخمة.

لكن القوة الناعمة لا تبدأ وتنتهي عند الشعبية، وإلا بقي محمد صلاح «ظاهرة صلاح» ولم يتحول إلى قيمة مضافة لمصر. والسؤال الاستراتيجي هو: كيف يمكن البناء على هذا الرصيد دون مصادرته؟ وكيف يمكن تحويل الإعجاب بشخص إلى مزيد من المعرفة بالمجتمع الذي ينتمي إليه، ومن لحظة رياضية إلى علاقات شبابية وثقافية واقتصادية وإنسانية أكثر استدامة؟

وتزداد أهمية السؤال في الحالة التركية؛ إذ تأتي هذه اللحظة في وقت استعادت فيه العلاقات المصرية التركية قدرًا متزايدًا من الاتصال والتنسيق الرسمي، فيما تؤكد الوثائق الرسمية التركية وجود روابط اقتصادية واجتماعية وتاريخية عميقة بين البلدين، كما أعاد البلدان خلال السنوات الأخيرة توسيع مساحات التعاون السياسي والاقتصادي.

ومن هنا تنطلق هذه الورقة من فرضية أساسية: إن القيمة الأهم لشعبية محمد صلاح في تركيا ليست أن توظفه الدولة أو المعارضة أو أي جهة في خطابها، وإنما أن تستفيد مصر والمصريون من المساحة الإيجابية التي فتحها نجاحه لبناء حضور مجتمعي أعمق وأكثر تنوعًا واستدامة.

ولهذا تطرح الورقة القضية على أربعة مستويات مترابطة: الجالية المصرية في تركيا، والمجتمع المدني والقطاع الخاص، والوجود السياسي المصري المعارض بما يحمله من مسؤولية وطنية، ثم الدولتان المصرية والتركية ومؤسساتهما المختلفة. والقاعدة الحاكمة لكل ذلك هي: البناء على الظاهرة دون امتلاكها، والاستفادة من الرصيد دون تسييس صاحبه.

🔵 (1) ماذا كشف استقبال محمد صلاح؟

كشف المشهد التركي أولًا عن أن الرمز الرياضي يمكن أن يتجاوز بصورة لافتة الحدود القومية والسياسية. فصلاح وصل إلى تركيا بعد مسيرة طويلة في أوروبا جعلته شخصية عالمية، وعندما استقبله مئات المشجعين في إسطنبول ثم حظي انتقاله إلى طرابزون باحتفاء واسع، لم يكن الجمهور يتعامل فقط مع لاعب مصري جديد، وإنما مع اسم يمتلك رصيدًا سابقًا من الإنجاز والصورة والسمعة.

والدلالة الثانية أن الشعبية لم تكن محصورة في جمهور ناديه الجديد. فقد سبق لجماهير بشكتاش أن هتفت باسمه قبل انتقاله إلى طرابزون سبور، وهو ما يعطي الظاهرة بعدًا أوسع من مجرد ولاء مشجعي نادٍ للاعب تعاقد معه فريقهم.

أما الدلالة الثالثة فهي أن الرياضة تستطيع اختصار مسافات لا تختصرها السياسة بسهولة. فالمواطن التركي الذي قد لا يتابع العلاقات المصرية التركية، ولا يعرف تفاصيل الاقتصاد أو السياسة المصرية، يمكن أن يتكون لديه ارتباط إيجابي بمصر من خلال شخصية يحبها ويشاهدها أسبوعيًا.

لكن ذلك لا يحدث آليًا. فقد يبقى صلاح في الذهن التركي «محمد صلاح اللاعب العالمي» دون أن يصبح نافذة على مصر. ومن هنا يبدأ العمل الحقيقي.

🔵 (2) محمد صلاح بوصفه رأسمالًا رمزيًا مصريًا

محمد صلاح ليس مبعوثًا دبلوماسيًا لمصر، وهذه تحديدًا إحدى مصادر قوته الرمزية. فصورته لم تبنها حملة حكومية، وإنما بنتها سنوات من الأداء الرياضي والحضور العالمي والانضباط والنجاح.

والرأسمال الرمزي هو القدرة التي يمتلكها الفرد أو المؤسسة على إنتاج الثقة أو الإعجاب أو الاعتراف الاجتماعي، ويمكن أن تتحول هذه المكانة إلى تأثير يتجاوز المجال الذي نشأت فيه.

فاللاعب الذي ينجح عالميًا لا يقدم نفسه وحده؛ فهو يحمل اسمه ولهجته وبلده وثقافته ورموزه معه، حتى لو لم يسع إلى ذلك. ومن هنا يصبح السؤال: هل تستطيع مصر أن تستفيد من نجاح أبنائها دون أن تستحوذ عليهم أو تحولهم إلى أدوات دعائية؟

والجواب يحتاج إلى فلسفة مختلفة للقوة الناعمة؛ لا تطلب من النجم أن يتحدث باسم الدولة، وإنما تجعل النجاح الفردي بوابة لعرض نجاحات أخرى، وتقدم المجتمع عبر تعدد نماذجه، وتخلق مؤسسات قادرة على البناء على الرصيد الذي يصنعه المواطنون بأنفسهم.

🔵 (3) لماذا تركيا بيئة مناسبة لتحويل الرصيد الرمزي إلى أثر؟

تمثل تركيا بيئة شديدة الخصوبة لهذا النوع من التأثير؛ فهي بلد كبير، شديد الاهتمام بكرة القدم، ويمتلك سوقًا إعلامية ورقمية واسعة، كما أن الرياضة جزء واضح من الحياة العامة والتنافس الاجتماعي بين المدن والأندية.

ويضاف إلى ذلك العمق التاريخي والثقافي والاجتماعي في العلاقات المصرية التركية، فضلًا عن المصالح الاقتصادية القائمة والتقارب الرسمي المتزايد. وتصف الخارجية التركية مصر بأنها من أهم شركائها التجاريين في إفريقيا، وتشير إلى الروابط الاقتصادية والاجتماعية المتجذرة بين البلدين.

ولهذا لا يبدأ محمد صلاح علاقات بين مجتمعين لا يعرف أحدهما الآخر، وإنما يدخل إلى أرض توجد فيها بالفعل جسور تاريخية واقتصادية وثقافية وسياسية، ويمكن لشعبيته أن تضيف إليها جسرًا مجتمعيًا جديدًا شديد الجاذبية للشباب.

🔵 (4) من صورة محمد صلاح إلى صورة المصري

التحدي الأكثر أهمية هو ألا يظل صلاح استثناءً مصريًا في الوعي التركي. فإذا قال المواطن التركي: «محمد صلاح عظيم»، فهذا نجاح لصلاح. أما إذا أصبح نجاحه مدخلًا إلى إدراك أن المجتمع المصري يملك علماء وأطباء ومهندسين وفنانين ورياضيين ورجال أعمال ومبدعين قادرين على النجاح عالميًا، فقد بدأ الرصيد الفردي يتحول إلى رأسمال مجتمعي.

وهذا لا يتم عبر الشعارات، وإنما عبر القصص والنماذج. فبدل محاولة إقناع الجمهور التركي نظريًا بعظمة مصر، يمكن تقديم المصريين الذين يعملون وينجحون في تركيا وأوروبا والعالم، وإبراز قصص في الطب والعلوم والهندسة والتكنولوجيا وريادة الأعمال والفنون.

هنا يصبح صلاح «نافذة» لا «الصورة كلها»، وتتحول شعبية اللاعب من غاية إلى مدخل لإعادة اكتشاف المجتمع الذي خرج منه.

🔵 (5) من الدبلوماسية الرسمية إلى الدبلوماسية المجتمعية

تعمل الدبلوماسية الرسمية غالبًا من أعلى إلى أسفل، اتفاقات، زيارات، سفارات، اجتماعات، ثم محاولة نقل أثرها إلى المجتمعات. أما الدبلوماسية المجتمعية فتسلك الاتجاه الآخر. تبدأ من الجامعة والنادي والشركة والجالية والرياضي والفنان والطالب، ثم تنتج شبكة من العلاقات يمكن أن تعزز العلاقة بين الدول نفسها. ولا يحل هذا المسار محل الدبلوماسية الرسمية، لكنه يكملها ويمنح العلاقات عمقًا لا يتأثر سريعًا باختلاف الحكومات.

وقد عرفت العلاقات المصرية التركية في العقد الماضي مراحل من التوتر السياسي، بينما استمرت في الوقت نفسه روابط اقتصادية واجتماعية بين البلدين؛ وهو ما يوضح أن للعلاقات بين الشعوب والمؤسسات مسارات تستطيع أحيانًا الاستمرار عندما تتراجع السياسة الرسمية. وتشير البيانات الرسمية التركية نفسها إلى استمرار الروابط الاقتصادية والاجتماعية واتصالات رجال الأعمال خلال مراحل التباعد السياسي. وهنا تصبح لحظة صلاح فرصة لتعميق «المستوى المجتمعي» من العلاقة.

🔵 (6) الجالية المصرية في تركيا ـ من الوجود السكاني إلى الحضور المجتمعي

تستطيع الجالية المصرية أن تكون المستفيد الأول من هذه المساحة الجديدة، لكن ليس بتنظيم احتفالات بصلاح فقط، وإنما بإعادة تعريف وظيفتها داخل المجتمع التركي.

فالجالية الناجحة ليست مجموعة من المواطنين يعيشون خارج بلادهم ويتفاعلون مع بعضهم، وإنما مجتمع قادر على بناء روابط مع البلد المضيف، وإنتاج قيمة داخله، وحماية مصالح أفراده من خلال السمعة الطيبة والعلاقات الواسعة.

ومن هنا يمكن إطلاق فعاليات رياضية وثقافية مصرية تركية، وبرامج للشباب والطلاب، وأيام مصرية في الجامعات والمدن، ولقاءات لأصحاب الأعمال والمبدعين، ومبادرات إنسانية مشتركة.

والهدف ليس إنشاء «جزيرة مصرية» أقوى داخل تركيا، وإنما زيادة اندماج المصريين الإيجابي وحضورهم داخل المجتمع التركي.

🔵 (7) الجالية وصناعة الصورة الجديدة لمصر

هناك فرق بين التعريف بالتراث المصري وتقديم مصر المعاصرة. فالأهرامات والآثار جزء بالغ القوة من صورة مصر، لكنها لا تكفي لبناء صورة دولة ومجتمع في القرن الحادي والعشرين. والمطلوب أن يعرف الجمهور التركي أيضًا مصر الشباب والجامعات والشركات والتكنولوجيا والفنون الحديثة والرياضة والبحث العلمي وريادة الأعمال.

ويمكن أن يصبح المحتوى باللغة التركية أحد أهم الأدوات في هذا المجال؛ فالمجتمع لا يمكن الوصول إليه بفاعلية إذا ظل المصريون يتحدثون إلى أنفسهم بالعربية.

وتستطيع الجالية بناء منصات رقمية تقدم القصص والمعلومات والوجوه المصرية الناجحة للجمهور التركي، بما ينقل الحضور المصري من الوجود الفيزيائي إلى الوجود داخل المجال العام.

🔵 (😎 المعارضة المصرية في تركيا ـ من الحضور السياسي إلى المسؤولية الوطنية

يطرح هذا الحدث أيضًا سؤالًا مهمًا على المصريين المنتمين إلى المعارضة السياسية والمقيمين في تركيا: هل يظل دور المعارض في الخارج محصورًا في نقد السلطة، أم يصبح جزءًا من مسؤوليته كذلك خدمة صورة بلده ومصالح مواطنيه وبناء علاقات نافعة بين مجتمعه والمجتمع المضيف؟

التعارض بين الأمرين ليس حتميًا. فالاختلاف مع الحكومة لا يعني الانفصال عن المصالح الوطنية أو النجاح المصري العام. ومن ثم تستطيع المعارضة أن تقدم نموذجًا أكثر نضجًا حين تحتفي بنجاح أي مصري بغض النظر عن موقفه السياسي، وتسهم في دعم الجالية وتعميق العلاقات الاجتماعية والثقافية والعلمية والتجارية مع المجتمع التركي.

وبذلك يتحول «العمل الوطني في الخارج» إلى مفهوم أوسع من النشاط السياسي، من دون تحويل النشاط المجتمعي نفسه إلى وسيلة حزبية أو للتعبئة السياسية.

🔵 (9) كيف يُستفاد من الظاهرة دون تسييس محمد صلاح؟

القاعدة الأكثر أهمية هي ألا يتحدث أحد باسم صلاح. لا ينبغي للمعارضة أن تنسب إليه موقفًا لم يتخذه، ولا للدولة أن تحتكر نجاحه، ولا لأي حزب أن يحاول تقديمه بوصفه قريبًا منه سياسيًا. فالجزء الأكبر من قوة الظاهرة ناتج أصلًا عن كونها تتجاوز الانقسام السياسي.

والاستفادة المشروعة تكون من «الدلالة» لا من «الشخص»: مناقشة معنى النجاح المصري عالميًا، وأهمية الرياضة في العلاقات بين الشعوب، ودور الجاليات، والقوة الناعمة، وصورة مصر. وبهذا نحمي الرمز من الاستهلاك السياسي، ونحافظ في الوقت نفسه على المساحة التي فتحها.

🔵 (10) خطاب الوطن قبل السلطة

يمكن لهذه الحالة أن تساعد على ترسيخ تمييز ضروري في الخطاب السياسي المصري بين الوطن والسلطة. فمصر أكبر من أي حكومة، ونجاح المصريين رصيد للمجتمع كله، والدفاع عن صورة المصري وحقوقه ومكانته في الخارج مسؤولية وطنية لا ينبغي أن تتوقف على الموقف السياسي من النظام القائم.

وهذا مهم بصورة خاصة للمعارضة في الخارج؛ لأن تقديم نفسها بوصفها معنية بمصر لا فقط بمواجهة حكومتها يعمق بعدها الوطني، ويمنع اختزالها في الصراع السياسي. لكن هذا المسار يظل أكثر صدقية حين يمارس عمليًا من خلال خدمة الجالية، والتعليم، والعمل الثقافي، والمبادرات الاجتماعية، وليس بمجرد الخطاب.

🔵 (11) من العلاقات السياسية إلى العلاقات المجتمعية التركية

المجتمع التركي لا يختصر في الحكومة أو الأحزاب. هناك جامعات وبلديات وأندية رياضية وجمعيات مهنية ومؤسسات ثقافية ومراكز أبحاث وشركات ومنظمات شبابية ووسائل إعلام.

ولهذا فإن بناء حضور مصري مستدام يتطلب توسيع العلاقات مع هذه المؤسسات بصورة قانونية وشفافة وغير حزبية.

ويمكن للرياضة أن تكون أحد أكثر الأبواب طبيعية، لأنها تزيل كثيرًا من الحساسيات السياسية وتخلق مجالًا قائمًا على الاهتمام المشترك. وحين تبدأ العلاقة من مباراة أو برنامج شبابي، يمكن أن تتطور لاحقًا إلى تعليم وتجارة وثقافة وبحث علمي وسياحة.

🔵 (12) الشباب ـ المساحة الأوسع للاستثمار

الشباب هم الحلقة الأكثر قابلية للاستفادة من هذه اللحظة؛ لأن كرة القدم تشكل لغة عالمية مشتركة بينهم، كما أنهم أقل ارتباطًا بكثير من الصراعات السياسية التاريخية.

ويمكن بناء برامج تبادل شبابي وطلابي، وبطولات مشتركة للمدارس والجامعات، وبرامج تعلم التركية والعربية، ومبادرات مشتركة في التكنولوجيا وريادة الأعمال والإعلام الرقمي والرياضة.

والقيمة الحقيقية لهذه البرامج ليست في عدد المشاركين في نشاط واحد، وإنما في العلاقات الإنسانية التي تنتج عنها.

فالطالب التركي الذي يصبح لديه أصدقاء مصريون، والمصري الذي يدرس أو يعمل مع أتراك، أكثر قدرة على بناء صورة واقعية عن المجتمع الآخر من مئات المواد الدعائية.

🔵 (13) الرياضة كصناعة للعلاقات لا مجرد منافسة

ينبغي تجاوز صلاح الفرد إلى بنية التعاون الرياضي نفسها. فيمكن تطوير شراكات بين أندية وأكاديميات مصرية وتركية، ومعسكرات للناشئين، وبرامج لتبادل المدربين والخبرات في الطب الرياضي والتسويق والإدارة، ودورات مشتركة للمدارس والجامعات.

ويمتلك انتقال صلاح إلى طرابزون سبور قيمة إضافية؛ لأنه يفتح نافذة على مدينة ومجتمع خارج المركز الإسطنبولي المعتاد للعلاقات العربية التركية. وقد أصبح انتقاله جزءًا من طموح طرابزون سبور لتوسيع حضوره الرياضي والاقتصادي والإعلامي. ومن هنا يمكن للعلاقات الرياضية أن تنتقل من القاهرة وإسطنبول إلى مدن ومؤسسات جديدة في البلدين.

🔵 (14) الفرصة الاقتصادية

الرياضة اليوم صناعة ضخمة تتصل بالإعلام والإعلان والملابس والتجارة الإلكترونية والسياحة والتكنولوجيا والترفيه. وقد أظهرت صفقة صلاح نفسها مقدار الاهتمام التجاري الذي يمكن أن يولده نجم عالمي في نادٍ ومدينة؛ إذ ربطت التغطيات بين انتقاله وتزايد الاهتمام بالتذاكر والمنتجات التجارية وصورة طرابزون دوليًا.

وهذه فرصة لرجال الأعمال المصريين والأتراك لتطوير مشروعات في الرعاية والتسويق والفعاليات الرياضية والمحتوى الرقمي والأكاديميات والسياحة. لكن الأفضل ألا تتحول شعبية صلاح إلى استغلال تجاري سطحي لاسمه؛ بل تكون حافزًا لاكتشاف سوق أوسع للتعاون.

🔵 (15) الفرصة السياحية

يمكن للرياضة أن تجعل الفرد يكتشف بلدًا لم يكن يفكر في زيارته. ومن هنا يمكن للسياحة المصرية أن تستفيد من الاهتمام التركي بمصر عبر خطاب مختلف عن التسويق التقليدي. فإلى جانب الآثار يمكن تقديم البحر الأحمر، والمدن الساحلية، والمطبخ، والموسيقى، والرياضة، والثقافة المعاصرة، والتجارب الشبابية.

وبالمقابل يستطيع المصريون اكتشاف مدن تركية خارج المسارات السياحية المعتادة، ومنها طرابزون والبحر الأسود. وهكذا تتحول كرة القدم من علاقة بين مشجع ونجم إلى فضول متبادل تجاه المكان والثقافة والمجتمع.

🔵 (16) الإعلام ـ من لقطة عابرة إلى قصة طويلة

المشكلة في الأحداث الجماهيرية أنها سريعة؛ فالهتاف الذي يملأ الشاشات اليوم قد يختفي بعد أيام. ولهذا فإن تحويل اللحظة إلى أثر يحتاج إلى «سردية مستمرة».

يمكن إنتاج مواد قصيرة بالتركية والعربية عن المصريين والأتراك الذين عاشوا أو درسوا أو عملوا في البلد الآخر، وقصص الرياضيين، والمشروعات المشتركة، والعلاقات التاريخية، والمطبخ والفنون والسياحة والجامعات.

والأهم أن يكون المحتوى موجهًا إلى المجتمع الآخر لا إلى الجمهور المحلي فقط، وأن ينتقل من الخطاب الاحتفالي إلى القصص الإنسانية القابلة للمشاركة.

🔵 (17) المجتمع المدني المصري التركي

لا ينبغي أن تحمل الحكومات وحدها عبء العلاقات بين الشعبين. فالمؤسسات المدنية والجامعات والجمعيات المهنية والأندية يمكن أن تبني برامج تستمر حتى إذا تغير المناخ السياسي.

ويمكن أن تشمل الأولويات الرياضة الشبابية، والتعليم، والتبادل الطلابي، والثقافة، والابتكار، والعمل الخيري، ودعم ذوي الاحتياجات الخاصة عبر الرياضة، وغيرها من المجالات ذات الطابع المجتمعي المباشر.

والقيمة الكبرى هنا هي إنشاء «بنية علاقات» لا تعتمد على محمد صلاح نفسه؛ فالنجاح الحقيقي هو أن تنتهي لحظة صلاح بينما تستمر المؤسسات التي ساعدت في إطلاقها.

🔵 (18) ما الذي ينبغي أن تفعله الدولة المصرية؟

أفضل ما تستطيع الدولة المصرية فعله هو ألا تحاول امتلاك الظاهرة. فالدولة تستطيع دعم الأنشطة الثقافية والسياحية والتعليمية والرياضية، وتسهيل شراكات المؤسسات، وتشجيع تعلم اللغة والتبادل الجامعي، وتحسين الخدمات المقدمة للمصريين في تركيا.

لكن تحويل اللاعب إلى أداة للدعاية الرسمية يمكن أن يضعف أحد أهم عناصر قوته: استقلال صورته عن الصراع السياسي.

والأكثر فاعلية أن تنتقل الدولة نفسها من مفهوم «استخدام النجم» إلى مفهوم «بناء منظومة تستفيد من نجاح المصريين عالميًا»، سواء كانوا رياضيين أم علماء أم مبدعين أم رجال أعمال.

🔵 (19) وما الذي تستطيع تركيا أن تكسبه؟

المنفعة ليست مصرية فقط. فانتقال لاعب عالمي بحجم صلاح يوسع قدرة كرة القدم التركية على الوصول إلى جماهير خارج حدودها، خصوصًا في العالم العربي وإفريقيا، ويزيد الاهتمام الإعلامي بالدوري والأندية والمدن التركية. وقد وصفت التغطية الدولية صفقة طرابزون سبور بأنها خطوة تتجاوز كرة القدم إلى رفع حضور النادي والمدينة اقتصاديًا وثقافيًا.

كما تستطيع تركيا استخدام الزخم لتعميق التعاون مع السوق المصرية والعربية في الرياضة والإعلام والسياحة والتعليم. وهكذا تصبح القوة الناعمة عملية تبادلية؛ فكل طرف يستطيع أن يضيف إلى الآخر بدل التفكير فيها باعتبارها سباقًا صفريًا على النفوذ.

🔵 (20) من «لحظة صلاح» إلى استراتيجية مصرية للقوة الناعمة

الدرس الأكبر يتجاوز تركيا ويتجاوز محمد صلاح نفسه. فمصر تحتاج إلى اكتشاف رأسمالها البشري العالمي بصورة أكثر انتظامًا. هناك مصريون ناجحون في جامعات ومختبرات ومستشفيات وشركات ومؤسسات ثقافية ورياضية حول العالم، لكن هذه النجاحات تبقى في الغالب قصصًا فردية منفصلة.

والاستراتيجية المطلوبة لا تعني إنشاء جهاز يوجههم أو يفرض عليهم أدوارًا، وإنما بناء مؤسسات تسمح لنجاح الفرد بأن يفتح الباب أمام آخرين.

فالعالم المصري يمكن أن يفتح تعاونًا بين جامعتين، ورائد الأعمال يمكن أن يفتح سوقًا، والفنان يمكن أن يفتح بابًا ثقافيًا، والرياضي يمكن أن يفتح اتصالًا بين ملايين الشباب.

وعندئذ تتحول القوة الناعمة من احتفالات بالشخصيات الناجحة إلى منظومة لاكتشاف الفرص التي يخلقها النجاح والبناء عليها.

🔵 (21) المحاذير ـ كيف لا تضيع الفرصة؟

هناك سبعة محاذير رئيسية ينبغي أن تحكم التعامل مع هذه الظاهرة:

1. عدم تسييس محمد صلاح أو التحدث باسمه أو نسبته إلى موقف لم يعلنه.

2. عدم محاولة الدولة أو المعارضة أو أي حزب احتكار نجاحه.

3. عدم اختزال العلاقات المصرية التركية في كرة القدم أو في شخصية واحدة.

4. عدم تحويل الجالية المصرية إلى امتداد للصراع السياسي الداخلي على حساب وظيفتها المجتمعية.

5. عدم التعامل مع الجمهور التركي بوصفه هدفًا لدعاية مصرية، بل شريكًا في مشروعات ومصالح متبادلة.

6. عدم الاكتفاء بالفعاليات الاحتفالية المؤقتة من دون بناء علاقات ومؤسسات تستمر بعدها.

7. عدم تحميل صلاح نفسه مسؤولية مشروع القوة الناعمة؛ فالمطلوب من المؤسسات أن تبني على الرصيد الذي صنعه، لا أن تطلب منه القيام بوظيفتها.

🔵 (22) برنامج عملي لعامين ـ من اللحظة إلى المؤسسة

يمكن تحويل الأفكار السابقة إلى برنامج مصري تركي مجتمعي لمدة عامين، لا يحمل اسم محمد صلاح بالضرورة ولا يحتاج إلى مشاركته الشخصية، لكنه يستفيد من المساحة التي فتحتها شعبيته.

يقوم البرنامج على عشرة مسارات مترابطة: منتدى سنوي مصري تركي للشباب والقوة الناعمة، وبطولات رياضية مدرسية وجامعية، وشراكات بين الأكاديميات والأندية، وأسابيع ثقافية متبادلة، وبرامج جامعية وطلابية، ومنصة رقمية عربية تركية، ومجلس أعمال شبابي، ومشروعات مشتركة لرواد الأعمال، وبرنامج لإبراز قصص النجاح المصرية والتركية، وشبكة للمؤسسات المدنية والأكاديمية تعمل على تطوير العلاقات من أسفل إلى أعلى.

ويجب أن تُقاس نتائج البرنامج لا بعدد الاحتفالات، وإنما بعدد الشراكات التي تستمر، والطلاب المشاركين، والمشروعات المشتركة، والمحتوى الذي يصل إلى الجمهور الآخر، والعلاقات بين الجامعات والأندية والشركات، وحجم المشاركة الشبابية.

ويمكن للجالية المصرية أن تكون أحد أهم محركات هذا البرنامج، بمشاركة مؤسسات مصرية وتركية متنوعة، على أن يحافظ المشروع على طابعه المجتمعي الجامع، وألا يتحول إلى منصة للسلطة أو المعارضة أو أي اتجاه سياسي.

🔵 الخاتمة ـ حين يصبح النجاح الفردي جسرًا بين مجتمعين

الاستقبال الحافل لمحمد صلاح في تركيا لا ينبغي تضخيمه وتحويله إلى حدث سياسي لا يحتمله، لكنه في الوقت نفسه أكبر من مجرد مشهد رياضي عابر. فقد كشف عن مساحة من القبول والإعجاب يستطيع النجاح الإنساني أن يصنعها بين المجتمعات، حتى عندما تمر العلاقات السياسية بين الدول بمراحل من الاختلاف والتقارب.

والفرصة الحقيقية ليست في «استخدام» محمد صلاح؛ فذلك قد يكون أقصر الطرق إلى إهدار القيمة التي صنعها. الفرصة هي أن تتعلم المؤسسات والمجتمعات كيف تبني على المساحة التي يفتحها نجاح مواطن مصري عالمي: أن يتحول الإعجاب باللاعب إلى فضول تجاه مصر، والفضول إلى معرفة، والمعرفة إلى علاقات، والعلاقات إلى تعاون.

وهنا تصبح مسؤولية الجالية المصرية أكبر من الاحتفاء باللحظة؛ فهي تستطيع أن تقدم المصري في المجتمع التركي بوصفه شريكًا ومنتجًا ومبدعًا، وأن تنقل وجودها من مجرد الإقامة إلى الحضور والتأثير الإيجابي.

كما تتسع مسؤولية المصريين المعارضين في تركيا؛ فخدمة مصر لا تنحصر في الصراع السياسي، وإنما تشمل أيضًا الدفاع عن صورة المصريين، ودعم مصالح الجالية، وبناء علاقات نافعة مع المجتمع المضيف، وإظهار أن الخلاف مع السلطة لا يلغي الانتماء للوطن ولا الاحتفاء بنجاح أبنائه.

وتتحمل مؤسسات الدولة من جانبها مسؤولية مختلفة: أن تتعلم كيف تمكّن القوة الناعمة بدل أن تحتكرها، وكيف تفتح المجال أمام الرياضي والعالم والفنان ورائد الأعمال ليصنعوا لمصر حضورًا لا تستطيع البيانات الرسمية وحدها إنتاجه.

أما تركيا فتملك بدورها فرصة لتحويل وجود صلاح من مكسب لنادٍ بعينه إلى نافذة أوسع نحو مصر والعالم العربي وإفريقيا، وإلى مشروعات في الرياضة والسياحة والإعلام والأعمال والتبادل الشبابي.

ومن هنا فإن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد أن تخفت أصوات الاستقبال الجماهيري. هل تعود العلاقة إلى مسارها المعتاد، أم تبقى وراء اللحظة مؤسسات وشراكات وعلاقات جديدة؟

فالقوة الناعمة الحقيقية ليست الصورة التي تنتشر ليوم، وإنما العلاقة التي تستمر سنوات. وقد تكون أهم دلالة لمحمد صلاح في تركيا أنه أعاد تذكير المصريين بحقيقة بسيطة لكنها استراتيجية: أن أكبر أرصدة مصر في العالم ليست فقط موقعها أو تاريخها أو مؤسساتها الرسمية، وإنما أبناؤها القادرون على النجاح والاحترام والتأثير خارج حدودها.

وعندما تستطيع مصر أن تحول هذه النجاحات من جزر فردية متفرقة إلى جسور بين المجتمعات، فإنها لا تحسن صورتها فقط، بل تبني نوعًا آخر من النفوذ: نفوذًا لا يقوم على الضغط أو الدعاية، وإنما على القبول والثقة والعلاقات والمصلحة المتبادلة.

وهنا يصبح السؤال الأهم بعد محمد صلاح ليس كم تركيًا هتف باسمه؟ بل كم جسرًا مصريًا تركيًا استطعنا أن نبنيه بعدما فتحت شعبيته الباب؟

🔵 توصيات مركز حريات

يرى مركز حريات للدراسات السياسية والاستراتيجية أن الحضور الجماهيري الكبير لمحمد صلاح في تركيا يمكن أن يتجاوز حدود الظاهرة الرياضية، ليصبح فرصة عملية لبناء مساحات جديدة من القوة الناعمة المصرية، وتعزيز التواصل المجتمعي والثقافي بين المصريين والأتراك. وفي هذا الإطار يوصي المركز بما يلي:

1. التعامل مع شعبية محمد صلاح باعتبارها رصيدًا مهمًا من القوة الناعمة المصرية، يمكن البناء عليه مجتمعيًا وثقافيًا، لا مجرد حالة إعجاب رياضي عابرة.

2. إطلاق مبادرات مصرية تركية مشتركة للشباب في مجالات الرياضة والتعليم والعمل التطوعي، تستفيد من رمزية صلاح وما يمثله من نجاح وانضباط وقدرة على العبور بين الثقافات.

3. تنظيم فعاليات جماهيرية ورياضية مشتركة تضم شخصيات مصرية وتركية، بما يوسع دوائر التواصل بعيدًا عن المسارات السياسية الرسمية وحدها.

4. تشجيع المؤسسات المصرية المدنية والثقافية في تركيا على استثمار هذه الحالة لبناء علاقات أعمق مع البلديات والجامعات والأندية ومؤسسات المجتمع المدني التركي.

5. إنتاج محتوى إعلامي عربي وتركي مشترك يقدم محمد صلاح بوصفه نموذجًا مصريًا وعربيًا ناجحًا، ويربط قصته بقيم الاجتهاد والتواضع والتسامح والانفتاح الثقافي.

6. الاستفادة من كرة القدم باعتبارها لغة اجتماعية مشتركة لبناء جسور بين المصريين والأتراك، خصوصًا بين الأجيال الشابة.

7. تطوير الدبلوماسية الشعبية المصرية في تركيا، بحيث لا تبقى العلاقات المصرية التركية رهينة التفاهمات الحكومية، وإنما تستند كذلك إلى شبكة ممتدة من الروابط المجتمعية والثقافية والاقتصادية.

8. تشجيع رجال الأعمال والمؤسسات الاقتصادية المصرية والتركية على رعاية مشروعات رياضية وشبابية مشتركة، بما يحول التعاطف الجماهيري إلى شراكات مستدامة ذات أثر اجتماعي.

9. تجنب التوظيف السياسي المباشر والمبالغ فيه لشعبية صلاح، لأن قيمتها الحقيقية تكمن في تلقائيتها ومصداقيتها وقدرتها على الوصول إلى قطاعات لا تصل إليها الخطابات السياسية التقليدية.

10. دراسة المزاج الشعبي التركي تجاه الرموز المصرية والعربية، للاستفادة منه في صياغة استراتيجية أوسع للقوة الناعمة المصرية في تركيا تشمل الثقافة والفن والرياضة والتعليم والإعلام.

11. بناء شبكة مصرية تركية من الشخصيات العامة والمؤثرين والرياضيين والأكاديميين، تعمل على تعزيز الصور الإيجابية المتبادلة، وتخفيف الصور النمطية، وفتح قنوات تواصل مستمرة بين المجتمعين.

12. تحويل هذه الفرصة إلى مسار طويل المدى عبر استراتيجية مصرية للقوة الناعمة المجتمعية، تجعل من الرموز الناجحة، وفي مقدمتها محمد صلاح، جسورًا للتعارف والتقارب وبناء المصالح المشتركة، لا مجرد مناسبات عابرة تنتهي بانتهاء الحدث الرياضي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى