أوراق بحثيةدراسات

ثلاث حروب ونمط واحد – قراءة في منطق القوة الأمريكية من أفغانستان والعراق إلى إيران

🔵🔵 “ثلاث حروب ونمط واحد – قراءة في منطق القوة الأمريكية من أفغانستان والعراق إلى إيران”

▪️ تحليل مقارن للأسباب والأهداف والنتائج ومواقف الحكومات والشعوب الإسلامية

🟦 مركز حريات للدراسات السياسية والاستراتيجية – مارس 2026

———

🟦 الملخص

يتناول هذا الإصدار مقارنة استراتيجية بين الحرب الجارية على إيران وبين الحربين الأمريكيتين على أفغانستان والعراق، بهدف فهم ما الذي تغير في منطق التدخل الأمريكي، وما الذي بقي ثابتًا في أسبابه العميقة وأهدافه ومآلاته. ويبين أن الذرائع المعلنة تطورت من “الحرب على الإرهاب” في أفغانستان، إلى “أسلحة الدمار الشامل” و”تحرير العراق”، وصولًا إلى “تحييد التهديد الإيراني” و”حماية أمن إسرائيل والممرات الحيوية”، لكن هذه الذرائع جميعًا أخفت وراءها أهدافًا أوسع تتعلق بإضعاف الخصوم، وإعادة ضبط موازين القوة في العالم الإسلامي، وتأمين التفوق الأمريكي–الإسرائيلي، وإنتاج بيئة إقليمية أكثر قابلية للضبط.

ويكشف الإصدار أن الحروب الثلاث تشترك في استخدام خطاب أمني وأخلاقي لتبرير التدخل، وفي تحولها من عمليات سريعة إلى أزمات ممتدة استنزفت الدول والمجتمعات، لكنها تختلف في طبيعة الحرب نفسها؛ فأفغانستان والعراق كانتا نموذجين للغزو والاحتلال المباشر وإسقاط الدولة أو النظام، بينما تمثل الحرب على إيران نموذجًا لحرب إقليمية تستهدف إنهاك قوة مركزية وإعادة تشكيل التوازنات دون احتلال جزئي أو شامل حتى الآن، مع حضور هدف اسقاط النظام. كما يوضح أن مواقف حكومات العالم الإسلامي اتسمت في الحروب الثلاث بالحذر والانقسام وضعف الرؤية الجماعية، وإن بدا الخوف من الفوضى الإقليمية في حرب 2026 أكبر من السابق، بينما أظهرت الشعوب رفضًا واسعًا للتدخلات الخارجية في الحالات الثلاث، مع بقاء موقفها من الحرب على إيران أكثر تعقيدًا بسبب التمييز بين رفض العدوان الخارجي ونقد السياسات الإيرانية الإقليمية. وينتهي الإصدار إلى أن العالم الإسلامي ما يزال يدفع كلفة الصراعات الكبرى، رسميًا وشعبيًا، دون امتلاك رؤية جماعية مانعة أو بديلة.

🔵 المقدمة – هل تعيد واشنطن إنتاج نموذج الحرب ذاته؟

تمثل الحرب الأمريكية–الإسرائيلية الجارية على إيران أحدث تجليات التدخل العسكري الواسع الذي عرفه العالم الإسلامي خلال العقود الأخيرة، وهي لا تبدو – عند النظر إليها في سياقها الأوسع – حدثًا منفصلًا أو استثناءً عابرًا، بقدر ما تبدو امتدادًا لمسار استراتيجي متكرر، تعيد فيه الولايات المتحدة وحلفاؤها استخدام القوة بأشكال مختلفة لإعادة تشكيل الإقليم وضبط توازناته. ومن هنا، فإن قراءة هذه الحرب لا تكتمل بمجرد متابعة عملياتها أو نتائجها المباشرة، بل تقتضي وضعها في سلسلة الحروب الكبرى التي شملت من قبل أفغانستان والعراق، بوصفها محطات كاشفة لطبيعة العقل الاستراتيجي الأمريكي في توظيف القوة داخل العالم الإسلامي.

وتكتسب المقارنة مع حرب أفغانستان وحرب العراق أهمية خاصة، لأن هاتين الحربين تقدمان نموذجين واضحين لتدخل عسكري مباشر، حمل في ظاهره ذرائع أمنية وسياسية، لكنه أفضى في العمق إلى تفكيك الدول، واستنزاف المجتمعات، وإعادة رسم موازين القوى في المنطقة. ومن خلال هذه المقارنة يمكن طرح سؤالين حاكمين: ما الذي تغيّر في أدوات التدخل وآلياته؟ وما الذي تكرر في منطقه وأهدافه ومآلاته؟ فربما تبدلت أشكال العمليات، وتغيرت أساليب التبرير، لكن البنية العميقة للصراع وما يترتب عليه من آثار في العالم الإسلامي تبدو في كثير من الأحيان أكثر ثباتًا من مظاهر الاختلاف.

ومن هنا تتحدد الإشكالية المركزية لهذا الإصدار في محاولة الإجابة عن سؤال جوهري: كيف تتشابه هذه الحروب الثلاث – أفغانستان والعراق والحرب الجارية على إيران – وكيف تختلف من حيث الذرائع المعلنة، والأهداف الحقيقية، والنتائج الفعلية، ومواقف العالم الإسلامي منها؟ وهل نحن أمام إعادة إنتاج لنموذج الحرب ذاته مع تعديلات في الشكل والأداة، أم أمام انتقال إلى نمط جديد من توظيف القوة أكثر تعقيدًا وأشد قدرة على إعادة تشكيل الإقليم دون الوقوع في كلفة الاحتلال المباشر؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة تمثل المدخل الضروري لفهم طبيعة المرحلة الراهنة، وحدود القوة الأمريكية، وموقع العالم الإسلامي داخل هذا المسار المتجدد من الحروب والتدخلات.

🔵 الإطار المفاهيمي والمنهجي للمقارنة

ينطلق هذا الإصدار من ضرورة تأسيس إطار مفاهيمي ومنهجي دقيق يُمكّن من إجراء مقارنة متماسكة بين الحروب الثلاث، بحيث لا تُقرأ بوصفها أحداثًا منفصلة، بل باعتبارها نماذج ضمن مسار استراتيجي واحد، تتغير فيه الأدوات بينما تستقر فيه بعض القواعد الحاكمة. فالفهم الصحيح لا يبدأ من تتبع الوقائع، بل من ضبط المفاهيم التي تُفسَّر من خلالها هذه الوقائع.

في هذا السياق، يبرز مفهوم الحرب الوقائية أو الاستباقية بوصفه أحد المفاتيح الأساسية لفهم منطق التدخل الأمريكي. فهذه الحروب لا تُقدَّم عادة باعتبارها ردًا على تهديد قائم فحسب، بل كوسيلة لمنع تهديد محتمل قبل تبلوره، وهو ما يفتح المجال لتوسيع دائرة استخدام القوة خارج إطار الدفاع التقليدي، ويمنح الفاعل الدولي مبررًا لإعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية وفق تقديره الخاص.

غير أن هذا المفهوم، رغم مركزيته، لا يكفي وحده لتفسير طبيعة الحروب، إذ إن التمييز بين أنماطها المختلفة يُعد خطوة ضرورية لفهم اختلاف الأهداف والنتائج. ويمكن في هذا السياق التمييز بين ثلاثة أنماط رئيسية:

▪️ حرب إسقاط نظام: وهي الحرب التي تستهدف إنهاء نظام سياسي قائم واستبداله بآخر، كما حدث في العراق، حيث كان الهدف المباشر هو إزالة السلطة الحاكمة وإعادة بناء الدولة وفق تصور جديد.

▪️ حرب إعادة تشكيل إقليم: وهي أوسع نطاقًا من مجرد تغيير نظام، إذ تسعى إلى إعادة رسم موازين القوى داخل الإقليم، وتغيير طبيعة العلاقات بين دوله، بما يضمن بيئة أكثر توافقًا مع المصالح الاستراتيجية للقوى المتدخلة.

▪️ حرب ردع واحتواء: وهي نمط يعتمد على استخدام القوة لإضعاف طرف معين أو الحد من قدرته، دون الوصول بالضرورة إلى إسقاطه، بهدف إبقائه ضمن حدود يمكن التحكم فيها، ومنع تمدده أو تحوله إلى تهديد أكبر.

ومن خلال هذا التمييز، يصبح من الممكن قراءة كل حرب في إطارها الصحيح، وعدم إسقاط نموذج واحد على جميع الحالات، وهو ما يساعد على تجنب الخلط بين مستويات مختلفة من الصراع.

أما من الناحية المنهجية، فإن المقارنة بين الحروب الثلاث تقوم على مجموعة من المعايير التي تتيح تحليلها بشكل متوازن وشامل، وتتمثل في:

▪️ الأسباب المعلنة: وهي المبررات التي تُطرح رسميًا لتبرير التدخل، مثل مكافحة الإرهاب أو منع انتشار أسلحة معينة أو حماية الأمن الدولي، والتي تعكس الخطاب السياسي المصاحب للحرب.

▪️ الأهداف الفعلية: وهي الأهداف التي يمكن استنتاجها من طبيعة العمليات وسياقها ونتائجها، والتي قد تتجاوز أو تختلف عن الأسباب المعلنة، لتشمل إعادة ترتيب الإقليم أو تثبيت الهيمنة أو ضبط موازين القوى.

▪️ طبيعة العمليات: وتشمل شكل التدخل العسكري، وحدوده، وأدواته، سواء كان احتلالًا مباشرًا، أو ضربات محدودة، أو حربًا غير مباشرة، وهو ما يعكس تطور أدوات استخدام القوة.

▪️ النتائج: وهي ما تفضي إليه الحرب على مستوى الدولة المستهدفة والإقليم ككل، سواء من حيث الاستقرار أو التفكك أو إعادة التوازن، وهي المعيار الأهم في التقييم الاستراتيجي.

▪️ الموقف الإسلامي الرسمي والشعبي: حيث يتم تحليل تفاعل الدول والحكومات من جهة، والشعوب من جهة أخرى، بما يكشف عن طبيعة الوعي السياسي، ومستوى الاستقلال أو التبعية، وحدود القدرة على التأثير.

وبهذا الإطار المفاهيمي والمنهجي، تصبح المقارنة أداة لفهم البنية العميقة لهذه الحروب، لا مجرد سرد لأحداثها، بما يسمح باستخلاص أنماط متكررة، ورصد تحولات حقيقية، وبناء تقدير أكثر دقة لطبيعة الصراع الراهن ومساراته المحتملة.

🔵 السياق العام لكل حرب

لا يمكن فهم طبيعة هذه الحروب أو تقدير أهدافها ومآلاتها دون استحضار السياق الذي نشأت فيه، إذ لم تكن أيٌّ منها وليدة لحظة معزولة، بل جاءت في إطار تحولات كبرى تداخلت فيها اعتبارات الأمن والسياسة والاستراتيجية. ومن ثمّ، فإن المقارنة بين أفغانستان والعراق والحرب الجارية على إيران لا تقتصر على رصد الوقائع، بل تمتد إلى قراءة اللحظة التاريخية التي أفرزت كل حرب، بحثًا عن أنماط التكرار وحدود التحول في سلوك القوة الأمريكية.

▪️ أفغانستان (2001)

• اندلعت الحرب في أعقاب صدمة عالمية أحدثتها هجمات 11 سبتمبر، التي أعادت ترتيب أولويات النظام الدولي، ودفعت الولايات المتحدة إلى تبني خطاب “الحرب على الإرهاب” كإطار شامل لتحركاتها.

• مثّلت هذه الحرب بداية الانخراط العسكري المباشر واسع النطاق خارج الحدود تحت هذا الشعار، وقد قُدمت بوصفها استجابة ضرورية لتهديد عابر للحدود.

• تمثل الهدف المباشر في إسقاط نظام طالبان، باعتباره حاضنة لتنظيم القاعدة، ما أضفى على الحرب طابعًا محددًا في ظاهرها، لكنه سرعان ما تحول إلى تدخل طويل الأمد أعاد تشكيل بنية الدولة الأفغانية.

▪️ العراق (2003)

• جاءت الحرب امتدادًا لمسار “الحرب على الإرهاب”، لكنها استندت إلى مبررات مختلفة، تمثلت في ادعاءات امتلاك أسلحة دمار شامل، ما منحها بعدًا استباقيًا أكثر وضوحًا.

• شكلت هذه الحرب نقلة نوعية من استهداف تنظيمات إلى استهداف دولة كاملة، حيث أصبح تغيير النظام هدفًا معلنًا ومباشرًا.

• تجاوزت أهدافها إسقاط النظام إلى إعادة صياغة العراق سياسيًا وأمنيًا، وهو ما انعكس على مجمل الإقليم، وأعاد تشكيل موازين القوى فيه على نحو عميق.

▪️ إيران (2026)

• تأتي الحرب الراهنة في سياق أكثر تركيبًا، تشكّل في أعقاب طوفان الأقصى (أكتوبر 2023) وما تبعه من تصاعد الحروب المباشرة وغير المباشرة، وتآكل فاعلية سياسات الاحتواء التقليدية.

• منذ أواخر فبراير 2026، شهدت المنطقة تحولًا نوعيًا تمثل في انتقال العمليات الأمريكية–الإسرائيلية من دائرة الضغط غير المباشر إلى استهداف مباشر للعمق الإيراني، بما يعكس تغيرًا في طبيعة الاشتباك.

• لم يعد الصراع محصورًا في ساحات وسيطة، بل امتد ليشمل الإقليم، بما في ذلك لبنان، ضمن شبكة معقدة من التداخلات، تشير إلى انتقال من إدارة التوازنات إلى محاولة فرضها بالقوة المباشرة.

تكشف هذه السياقات عن مسار متدرج في توظيف القوة: يبدأ برد فعل على تهديد مباشر، ثم يتطور إلى تدخل استباقي لإسقاط نظام، وصولًا إلى نمط أكثر تعقيدًا يستهدف إعادة ضبط التوازنات الإقليمية دون الانخراط في احتلال تقليدي شامل ولا حرب برية حتى الآن. ويُعد هذا التدرج مفتاحًا لفهم تطور الاستراتيجية الأمريكية، وحدود ما تغير فيها وما ظل ثابتًا عبر هذه الحروب.

🔵 الأسباب المعلنة – من الإرهاب إلى النووي إلى الردع

تكشف المقارنة بين الحروب الثلاث عن تطور واضح في الخطاب المعلن الذي تُقدَّم من خلاله التدخلات العسكرية، حيث انتقل من منطق “الرد على الإرهاب” إلى “منع التهديدات الاستراتيجية” وصولًا إلى “إدارة الردع وحماية التوازنات”. ومع ذلك، فإن هذا التحول في الصياغة لا يلغي وجود خيط ناظم يتمثل في توظيف مبررات أمنية واسعة تتيح شرعنة استخدام القوة خارج الحدود.

▪️ في أفغانستان

• تمحور الخطاب حول إيواء تنظيم القاعدة، باعتباره المسؤول المباشر عن هجمات 11 سبتمبر.

• قُدّمت الحرب بوصفها ردًا دفاعيًا مشروعًا على تهديد غير مسبوق، يفرض ملاحقة الفاعلين ومن يوفر لهم الحماية.

• اتسمت الأسباب المعلنة بوضوح نسبي، حيث ارتبطت بحدث محدد شكّل أساسًا سياسيًا وقانونيًا للتدخل.

▪️ في العراق

• استند الخطاب إلى ادعاءات امتلاك أسلحة دمار شامل، رغم غياب أدلة حاسمة، وهو ما أضفى على الحرب طابعًا استباقيًا.

• جرى الربط – ولو بشكل غير مباشر – بين النظام العراقي والإرهاب، في محاولة لتمديد منطق “الحرب على الإرهاب” إلى ساحة جديدة.

• أُضيف إلى ذلك شعار “تحرير العراق”، الذي منح التدخل بعدًا أخلاقيًا–سياسيًا، يتجاوز الاعتبارات الأمنية المباشرة.

▪️ في إيران

• يتركز الخطاب حول تحييد ما يُقدَّم باعتباره تهديدًا إيرانيًا متصاعدًا، سواء على المستوى الإقليمي أو الاستراتيجي.

• يُطرح أمن إسرائيل كأحد المبررات المركزية، إلى جانب حماية الملاحة الدولية وممرات الطاقة.

• يُضاف إلى ذلك هدف “منع التصعيد الإقليمي”، وهو طرح يحمل قدرًا من التناقض، إذ إن طبيعة العمليات العسكرية نفسها أسهمت في توسيع نطاق الصراع بدل احتوائه.

تعكس هذه التحولات انتقالًا من مبررات ترتبط بحدث مباشر ومحدد، إلى مبررات أكثر اتساعًا ومرونة، تتيح هامشًا أكبر لتفسير التهديد وتحديد توقيت التدخل. ومع أن العناوين تغيرت من “الإرهاب” إلى “النووي” إلى “الردع”، فإن القاسم المشترك يظل قائمًا في استخدام الخطاب الأمني كأداة لإضفاء المشروعية على تدخلات تحمل في عمقها أبعادًا استراتيجية أوسع.

🔵 الأهداف الفعلية – ما وراء الأسباب المعلنة

إذا كانت الأسباب المعلنة تمثل الغطاء السياسي والإعلامي للحروب، فإن الأهداف الفعلية تكشف البنية العميقة التي تحكم توظيف القوة. ومن خلال قراءة السياقات والنتائج، يتضح أن هذه الحروب لا تستهدف مجرد معالجة تهديدات آنية، بل تسعى إلى إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية في العالم الإسلامي بما يخدم توازنات أوسع.

في هذا الإطار، يمكن رصد مجموعة من الأهداف الكلية التي تشكل القاسم المشترك بين هذه الحروب:

▪️ إضعاف الخصوم الاستراتيجيين أو إسقاطهم عند الضرورة

▪️ إعادة ترتيب موازين القوة داخل الإقليم

▪️ ترسيخ الهيمنة الأمريكية بوصفها الفاعل المركزي

▪️ تأمين إسرائيل وتعزيز موقعها الاستراتيجي

▪️ التحكم في الممرات الحيوية ومصادر الطاقة

▪️ إنتاج بيئة إقليمية أكثر قابلية للضبط وإدارة التفاعلات

غير أن هذه الأهداف العامة تتجلى بشكل مختلف في كل حالة، وفق طبيعة الدولة المستهدفة وسياقها وموقعها في الإقليم.

▪️ أفغانستان – كسر نموذج الملاذات الجهادية

• لم يقتصر الهدف على إسقاط طالبان، بل امتد إلى إنهاء فكرة وجود ملاذات آمنة يمكن أن تنطلق منها تهديدات عابرة للحدود.

• سعت الحرب إلى إعادة تعريف قواعد الاشتباك مع الجماعات المسلحة، بحيث يصبح أي فضاء خارج السيطرة المباشرة هدفًا مشروعًا للتدخل.

• كما هدفت إلى تثبيت حضور عسكري واستراتيجي في منطقة ذات أهمية جيوسياسية، بما يسمح بمراقبة محيط أوسع يمتد إلى آسيا الوسطى.

▪️ العراق – إسقاط الدولة وإعادة بناء النظام

• تجاوز الهدف إسقاط النظام السياسي إلى تفكيك بنية الدولة وإعادة تشكيلها وفق تصور جديد، يضمن إعادة توزيع القوة داخليًا.

• مثّل العراق نموذجًا لمحاولة إعادة هندسة النظام السياسي في دولة مركزية، بما يفتح المجال أمام إعادة ترتيب الإقليم ككل.

• كما أتاح ذلك خلق فراغ استراتيجي أعاد توزيع النفوذ بين الفاعلين الإقليميين، وأدخل المنطقة في مرحلة جديدة من التوازنات الهشة.

▪️ إيران – إنهاك القوة الإقليمية وإعادة تشكيل الإقليم

• لا يبدو الهدف منصبًا على إسقاط النظام بشكل مباشر، بقدر ما يركز على إضعاف القدرة الإيرانية وتقليص نفوذها الإقليمي.

• تسعى العمليات إلى إنهاك القوة المركزية التي تمثل أحد أبرز مكونات التوازن في الإقليم، بما يمنعها من فرض معادلات جديدة.

• في الوقت ذاته، يُعاد تشكيل البيئة الإقليمية عبر الضغط العسكري، بما يفتح المجال لإعادة ترتيب العلاقات والتحالفات، دون الدخول في كلفة إسقاط شامل قد يكون غير محسوب النتائج.

تكشف هذه المقارنة أن التحول لم يكن في الأهداف بقدر ما كان في طريقة تحقيقها؛ فبينما اتجهت حرب العراق إلى إعادة تشكيل الدولة من الداخل، تتجه الحرب على إيران إلى إعادة تشكيل الإقليم من الخارج عبر إنهاك الفاعل المركزي. وبذلك، ينتقل التركيز من “إسقاط النظام” إلى “إعادة ضبط التوازن”، وهو تحول يعكس تطورًا في إدراك كلفة التدخل وحدود نتائجه.

🔵 طبيعة الحرب وآلياتها

تكشف دراسة طبيعة العمليات العسكرية في الحروب الثلاث عن تطور نوعي في أدوات استخدام القوة، وانتقال تدريجي من نمط الاحتلال المباشر إلى أنماط أكثر تعقيدًا تقوم على الضربات المركزة وإدارة الصراع عن بُعد. ويعكس هذا التحول إدراكًا متزايدًا لكلفة الاحتلال التقليدي، ومحاولة لتحقيق الأهداف الاستراتيجية بأدوات أقل كلفة وأكثر مرونة.

▪️ أفغانستان

• قامت الحرب على نموذج الغزو المباشر الذي استهدف إسقاط السلطة الحاكمة بسرعة، عبر تدخل عسكري واسع النطاق.

• أعقب ذلك احتلال طويل الأمد، اتسم بوجود عسكري كثيف ومحاولات مستمرة للسيطرة على الجغرافيا.

• ترافقت العمليات مع بناء سلطة بديلة، في إطار مشروع لإعادة تشكيل الدولة، وهو ما جعل الحرب تتحول من عملية عسكرية إلى إدارة ممتدة للصراع داخل المجتمع.

▪️ العراق

• اتخذت الحرب طابع الغزو الشامل، حيث جرى إسقاط النظام بسرعة عبر حملة عسكرية واسعة ومنظمة.

• لم يتوقف الأمر عند تغيير النظام، بل امتد إلى تفكيك بنية الدولة نفسها، بما في ذلك المؤسسات الأمنية والسياسية.

• أعقب ذلك احتلال مباشر، تخللته عملية إعادة هندسة سياسية عميقة، أعادت تشكيل النظام الداخلي، وفتحت المجال لصراعات طائفية ممتدة داخلية وإقليمية.

▪️ إيران

• تتسم الحرب الجارية بنمط مختلف، يقوم على ضربات جوية وصاروخية مركزة، تستهدف البنية العسكرية ومنشآت الطاقة والمجال البحري.

• تعتمد العمليات على إنهاك القدرات الحيوية دون الانخراط – حتى الآن – في احتلال بري شامل، مع إبقاء احتمالات التوسع البري المحدود أو الواسع قائمة وفق تطور الصراع.

• يترافق ذلك مع توسيع نطاق الاشتباك ليشمل ساحات إقليمية، خاصة لبنان والممرات البحرية، بما يعكس نمط “الحرب متعددة الجبهات” دون السيطرة المباشرة على الأرض.

تعكس هذه الأنماط الثلاثة انتقالًا من نموذج السيطرة المباشرة على الأرض إلى نموذج التحكم في البيئة الاستراتيجية عبر الضربات الدقيقة وتوسيع مسارح الصراع. وهو تحول يشير إلى إعادة تعريف مفهوم “الحرب الفعالة”، بحيث لا تُقاس بمدى الاحتلال، بل بقدرة العمليات على تحقيق الأهداف دون تحمل كلفته الكاملة.

🔵 النتائج المباشرة والبعيدة

تكشف مآلات الحروب الثلاث أن الفارق بين النتائج المباشرة والبعيدة يمثل أحد أهم مفاتيح الفهم؛ إذ قد تبدو بعض الحروب ناجحة في لحظتها الأولى، لكنها تُنتج على المدى الأبعد آثارًا أكثر تعقيدًا وأشد كلفة. ومن هنا، فإن التقييم الاستراتيجي لا يقف عند إسقاط نظام أو تحقيق هدف عسكري، بل يتجاوز ذلك إلى ما تخلّفه الحرب من تحولات في بنية الدولة والإقليم.

▪️ نتائج حرب أفغانستان

• تحقق الهدف المباشر بإسقاط حركة طالبان في المرحلة الأولى، غير أن عودتها لاحقًا كشفت حدود هذا الإنجاز.

• تحولت الحرب إلى استنزاف طويل للولايات المتحدة، امتد لسنوات دون حسم نهائي.

• ظلت جهود بناء الدولة محدودة التأثير، حيث لم تستقر البنية السياسية أو الأمنية بشكل مستدام، ما جعل مخرجات الحرب أقل رسوخًا مما بدا في بدايتها.

▪️ نتائج حرب العراق

• أُسقط نظام صدام حسين بسرعة، بما عكس فعالية الحسم العسكري المباشر.

• أدى تفكيك مؤسسات الدولة، وخاصة الجيش، إلى فراغ واسع في السلطة، فتح المجال لاضطرابات ممتدة.

• تصاعدت الفوضى والطائفية، وتزايدت التدخلات الإقليمية، ما جعل العراق ساحة مفتوحة لإعادة تشكيل التوازنات، بدل أن يكون نموذجًا للاستقرار كما رُوّج له.

▪️ النتائج الجارية لحرب إيران

• يتجه الصراع نحو اتساع جغرافي واضح، مع امتداد التأثير إلى أكثر من ساحة إقليمية.

• يشهد قطاع الطاقة، خاصة في مضيق هرمز، اضطرابًا متزايدًا، بما ينعكس على الاقتصاد العالمي.

• يتصاعد الاشتباك المباشر وغير المباشر بين إيران وإسرائيل، ما يرفع منسوب التوتر الإقليمي.

• تتزايد الضغوط الإنسانية، خاصة في لبنان وإيران، نتيجة توسع العمليات وتداعياتها.

• ترتفع الكلفة على الولايات المتحدة، مع تزايد المخاوف من الانزلاق إلى حرب أوسع يصعب احتواؤها.

تكشف هذه النتائج أن الحروب، رغم اختلاف سياقاتها، تشترك في إنتاج بيئات غير مستقرة، حيث تتحول الإنجازات العسكرية السريعة إلى أزمات ممتدة. كما يتضح أن كلفة ما بعد الحرب قد تفوق كلفة الحرب ذاتها، وأن إعادة تشكيل الإقليم بالقوة لا تؤدي بالضرورة إلى استقرار، بل تفتح مسارات جديدة للصراع أكثر تعقيدًا.

🔵 موقف حكومات العالم الإسلامي

تعكس مواقف الحكومات الإسلامية تجاه هذه الحروب طبيعة التوازنات التي تتحرك ضمنها، حيث لا تُبنى في الغالب على اعتبارات مبدئية خالصة، بقدر ما تتشكل وفق حسابات الدولة ومصالحها المباشرة. ومن خلال المقارنة بين الحروب الثلاث، يظهر تطور في مستوى الحذر وإدراك أعمق لمخاطر الانزلاق الإقليمي.

▪️ في أفغانستان والعراق

• اتسمت المواقف بحالة من الانقسام، تراوحت بين التأييد الضمني، أو تقديم تسهيلات لوجستية، أو الاكتفاء برفض محدود لا يرقى إلى مستوى الفعل.

• غابت الرؤية الجماعية، وبرزت هشاشة الموقف الإسلامي المشترك، حيث تحركت كل دولة وفق اعتبارات منفصلة.

• عكست هذه المرحلة ضعف القدرة على التأثير في مجريات الأحداث، مقابل حضور قوي للقوى الدولية في تحديد مسار الصراع.

▪️ في الحرب على إيران

• تبدو المواقف الرسمية أكثر حذرًا، مع تجنب الانخراط المباشر أو الاصطفاف الحاد.

• يبرز ميل واضح إلى الدعوة لوقف التصعيد، والتحذير من اتساع رقعة الحرب، في محاولة لاحتواء آثارها.

• يظهر القلق بشكل أكبر تجاه تداعيات الحرب على الطاقة والملاحة، إضافة إلى مخاطر الانفجار الإقليمي، وهو ما ينعكس في لغة سياسية أكثر تحفظًا.

▪️ دلالة المقارنة

• تؤكد التجربة أن مواقف الحكومات تُحكم في الأساس بمنطق الدولة، لا بمنطق الأمة، حيث تتقدم اعتبارات الأمن والمصلحة الوطنية على أي اصطفاف أوسع.

• غير أن مستوى الخوف من الفوضى الإقليمية في حرب 2026 يبدو أعلى بكثير مقارنة بالمراحل السابقة، نتيجة تراكم الخبرات السلبية للحروب الماضية، وإدراك كلفة الانهيار الممتد على الجميع.

تكشف هذه المقارنة أن التحول لم يكن في جوهر الموقف بقدر ما كان في درجة الحذر، حيث انتقلت الحكومات من التعامل مع الحروب كأحداث يمكن احتواؤها، إلى إدراك أنها قد تتحول إلى أزمات شاملة تهدد استقرار الإقليم بأكمله.

🔵 موقف الشعوب في العالم الإسلامي

تكشف مواقف الشعوب الإسلامية تجاه هذه الحروب عن بُعد مختلف عن المواقف الرسمية، حيث يتشكل الوعي الشعبي في الغالب انطلاقًا من إدراك أخلاقي وسياسي للصراع، لا من حسابات الدولة ومصالحها. ومع ذلك، فإن هذا الوعي لم يكن ثابتًا، بل شهد تحولات تعكس تغير طبيعة الصراعات وتعقيداتها.

▪️ في أفغانستان

• ساد تعاطف واسع مع الشعب الأفغاني، بوصفه طرفًا يتعرض لتدخل خارجي مباشر.

• برز رفض واضح للحرب الأمريكية، التي اعتُبرت امتدادًا لاستخدام القوة ضد بلد مسلم، بغض النظر عن مبرراتها المعلنة.

• اتسم الموقف الشعبي بقدر كبير من الوضوح، مع غلبة البعد التضامني على أي اعتبارات أخرى.

▪️ في العراق

• شهدت المنطقة حالة رفض شعبي واسعة للحرب، تجاوزت الحدود الجغرافية، وظهرت في مظاهرات ومواقف متعددة.

• ترسخ إدراك عام بأن الحرب تمثل نموذجًا صريحًا للعدوان والاحتلال، خاصة مع غياب المبررات المقنعة لاحقًا.

• تعزز الوعي الشعبي بخطورة التدخلات العسكرية على استقرار الدول والمجتمعات.

▪️ في إيران اليوم

• يتسم الموقف الشعبي بدرجة أعلى من التعقيد مقارنة بالحالتين السابقتين.

• يبرز رفض واسع لأي عدوان خارجي، انطلاقًا من موقف عام ضد التدخلات العسكرية في دول المنطقة.

• في الوقت ذاته، يستمر نقد شعبي عربي لسياسات إيران الإقليمية، خاصة في بعض الساحات التي شهدت تدخلًا مباشرًا أو غير مباشر.

• يظهر نوع من الانفصال النسبي بين رفض الحرب كعدوان خارجي، وبين عدم التطابق مع الموقف من النظام الإيراني، وهو ما يعكس نضجًا نسبيًا في التمييز بين المستويات المختلفة للصراع.

تكشف هذه المقارنة عن انتقال في الوعي الشعبي من موقف تضامني بسيط وواضح، إلى موقف أكثر تركيبًا يميز بين رفض العدوان الخارجي وتقييم السياسات الإقليمية، وهو ما يعكس تطورًا في إدراك طبيعة الصراعات وتشابكها في المنطقة.

🔵 أوجه التشابه بين الحروب الثلاث

تكشف المقارنة بين الحروب في أفغانستان والعراق والحرب الجارية على إيران عن وجود نمط متكرر يحكم سلوك التدخل العسكري، رغم اختلاف السياقات والذرائع. فهذه الحروب، في جوهرها، لا تنفصل عن رؤية استراتيجية أوسع، تتكرر فيها الأدوات والخطابات والنتائج، مع اختلاف في الدرجة لا في النوع.

▪️ استخدام ذرائع أمنية كبرى

• في كل حالة، جرى تقديم الحرب باعتبارها ضرورة أمنية لا يمكن تجنبها، سواء تحت عنوان مكافحة الإرهاب، أو منع أسلحة الدمار الشامل، أو تحييد تهديد إقليمي.

• اتسمت هذه الذرائع بالاتساع والمرونة، بما يسمح بتبرير التدخل خارج الحدود، وتوسيع نطاقه عند الحاجة.

▪️ توظيف خطاب أخلاقي/تحريري

• لم تقتصر المبررات على البعد الأمني، بل جرى توظيف خطاب أخلاقي يربط التدخل بتحقيق قيم مثل الحرية أو الاستقرار أو حماية الشعوب.

• أسهم هذا الخطاب في إضفاء شرعية إضافية على العمليات، حتى وإن لم تتطابق النتائج مع هذه الشعارات.

▪️ السعي لإعادة تشكيل البيئة السياسية

• لم تتوقف الحروب عند حدود تحقيق أهداف عسكرية مباشرة، بل استهدفت إعادة صياغة المشهد السياسي في الدول المستهدفة والإقليم المحيط بها.

• اتخذ هذا المسار أشكالًا مختلفة، من إسقاط أنظمة إلى إعادة توزيع النفوذ، لكنه ظل حاضرًا كهدف ثابت.

▪️ استنزاف العالم الإسلامي داخليًا

• أدت هذه الحروب إلى تفجير تناقضات داخلية، سواء على المستوى السياسي أو الاجتماعي، ما أسهم في إضعاف البنية الداخلية للدول والمجتمعات.

• تحولت بعض الساحات إلى بؤر صراع ممتد، تُستنزف فيها الموارد والطاقات، وتُعاد فيها إنتاج الأزمات.

▪️ تحوّل الحرب من عملية سريعة إلى أزمة ممتدة

• بدأت الحروب الثلاث بعمليات سريعة نسبيًا، حققت أهدافًا أولية خلال وقت قصير.

• غير أن هذه العمليات تحولت لاحقًا إلى أزمات طويلة ومعقدة، يصعب حسمها، وتنتج آثارًا ممتدة تتجاوز الحسابات الأولية.

تكشف هذه الأوجه أن التشابه لا يكمن فقط في طبيعة التدخل، بل في المسار الذي تسلكه الحروب من لحظة الانطلاق إلى مآلاتها، حيث يتكرر الانتقال من الحسم السريع إلى التعقيد الممتد، ومن الهدف المحدد إلى النتائج المفتوحة.

🔵 أوجه الاختلاف الجوهرية

على الرغم من التشابه في الإطار العام لهذه الحروب، فإن الفوارق بينها تكشف تحولات مهمة في طبيعة الصراع وأدواته ومستوياته، سواء من حيث شكل التدخل أو طبيعة الهدف أو موقع الدولة المستهدفة في النظام الإقليمي.

▪️ طبيعة التدخل العسكري

• في أفغانستان والعراق، اتخذ التدخل شكل الغزو المباشر الذي أعقبه احتلال طويل، هدف إلى السيطرة على الأرض وإعادة بناء النظام من الداخل.

• أما في حالة إيران، فتتخذ الحرب طابعًا مختلفًا، يقوم على الردع والاستنزاف وإعادة تشكيل التوازنات، دون الانخراط – حتى الآن – في احتلال بري شامل.

▪️ مستوى القوة لدى الدولة المستهدفة

• كانت أفغانستان والعراق في وضع أضعف نسبيًا من حيث بنية الدولة والقدرات العسكرية، ما جعل إسقاطهما أكثر سهولة من الناحية العملياتية.

• في المقابل، تمثل إيران قوة إقليمية ذات قدرات ممتدة وشبكة نفوذ واسعة، وهو ما يفرض نمطًا مختلفًا من المواجهة يعتمد على الإضعاف التدريجي بدل الحسم المباشر.

▪️ طبيعة الهدف الاستراتيجي

• في أفغانستان والعراق، كان الهدف الأساسي يتمثل في إسقاط النظام وإعادة تشكيل الدولة.

• أما في إيران، فيتركز الهدف على إعادة تشكيل الإقليم عبر تقليص نفوذ الفاعل المركزي، دون بالضرورة إسقاطه، وإن ظل هدف الإسقاط حاضرا، وهو ما يعكس تحولًا من “تغيير النظام” إلى “إدارة التوازن”.

▪️ الارتباط بالمصالح الحيوية العالمية

• رغم أهمية أفغانستان والعراق، فإن الحرب على إيران ترتبط بشكل أكثر مباشرة بأمن الطاقة، خاصة في الخليج، وبأمن إسرائيل، وبالممرات البحرية الحيوية.

• هذا الارتباط يمنح الحرب بعدًا دوليًا أكثر حساسية، ويجعل آثارها تتجاوز الإقليم إلى النظام العالمي.

▪️ طبيعة الموقف الشعبي الإسلامي

• في أفغانستان والعراق، كان الموقف الشعبي أكثر وضوحًا، مع رفض واسع للحرب وتعاطف مع الشعوب المستهدفة.

• أما في حالة إيران، فيتسم الموقف بدرجة أعلى من الالتباس، حيث يجتمع رفض العدوان الخارجي مع استمرار التحفظ أو النقد لسياسات إيران الإقليمية، وهو ما يعكس تعقيدًا أكبر في إدراك الصراع.

تكشف هذه الفوارق أن التحول لا يقتصر على أدوات الحرب، بل يمتد إلى طبيعة الهدف ومستوى الصراع ذاته، حيث لم يعد التركيز منصبًا على السيطرة المباشرة، بل على إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية عبر أدوات أكثر مرونة وتعقيدًا.

🔵 القراءة الاستراتيجية الشاملة

لا يمكن اختزال الحرب الجارية على إيران في كونها تكرارًا حرفيًا لما جرى في أفغانستان أو العراق، فهي تختلف في أدواتها ومستواها وبيئة اشتغالها، وتعكس تطورًا في نمط توظيف القوة. غير أن هذا الاختلاف لا يعني القطيعة مع النمط السابق، بل يشير إلى استمرار المنطق الاستراتيجي ذاته بصيغة أكثر تعقيدًا ومرونة.

فالحرب، في جوهرها، تتحرك داخل الإطار الأمريكي المستقر في إدارة الصراعات، والذي يقوم على مجموعة من المرتكزات الأساسية:

▪️ تحييد الخصم عبر إضعاف قدراته وتقليص مجال حركته

▪️ إعادة ضبط الإقليم بما يضمن توازنات أكثر توافقًا مع المصالح الأمريكية

▪️ إدارة التفوق دون الانخراط في كلفة السيطرة المباشرة

غير أن ما يميز الحرب على إيران هو انتقال هذا المنطق من مستوى “التعامل مع دولة بعينها” إلى مستوى “إعادة تشكيل الإقليم ككل”. فبينما استهدفت حربا أفغانستان والعراق إسقاط أنظمة وإعادة بناء دول، تتجه الحرب الراهنة نحو إعادة صياغة شبكة العلاقات الإقليمية بأكملها، عبر الضغط على الفاعل المركزي وإعادة توزيع الأدوار بين القوى المختلفة.

وبذلك، فإن الجديد لا يكمن في الهدف العام بقدر ما يكمن في نطاقه؛ إذ لم يعد الأمر متعلقًا بإسقاط دولة، بل بإعادة ترتيب الشرق الأوسط نفسه، من خلال حرب لا تستهدف الحسم السريع، بل إدارة التوازنات عبر الاستنزاف وإعادة التموضع. وهذا ما يجعل هذه الحرب أكثر شمولًا في آثارها، وأشد تعقيدًا في مآلاتها، لأنها تتجاوز حدود الجغرافيا المباشرة إلى إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية للإقليم بأسره.

🔵 السيناريوهات المستقبلية

1. احتواء الحرب ضمن ضربات واستنزاف متبادل

2. اتساعها إلى مواجهة إقليمية أكبر

3. فرض تسوية مؤقتة تحفظ ماء وجه الأطراف

4. انزلاقها إلى نمط شبيه بالعراق من حيث الاستنزاف طويل الأمد ولكن دون احتلال مباشر

🔵 التوصيات

تُفضي القراءة المقارنة لهذه الحروب إلى مجموعة من الضوابط التحليلية التي تساعد على بناء فهم أكثر اتزانًا وعمقًا لطبيعة الصراع الراهن، وتمنع الوقوع في التبسيط أو الانحيازات المسبقة.

▪️ قراءة الحرب ضمن مسار أوسع

• ينبغي النظر إلى الحرب على إيران بوصفها حلقة في مسار ممتد لإعادة تشكيل الإقليم، لا باعتبارها حدثًا معزولًا أو استجابة ظرفية.

• هذا الإدراك يتيح فهم أعمق للأهداف والمآلات، ويتجاوز القراءة الحدثية الضيقة.

▪️ ربطها بتجارب أفغانستان والعراق

• لا يمكن فهم طبيعة هذه الحرب دون استحضار خبرات الحروب السابقة، وما أفرزته من أنماط في استخدام القوة ونتائجها.

• المقارنة تكشف حدود التغيير والاستمرارية في السلوك الاستراتيجي الأمريكي.

▪️ التمييز بين المستويين السياسي والاستراتيجي

• من الضروري الفصل بين نقد السياسات الإقليمية لإيران، وهو نقد مشروع في سياقه، وبين رفض العدوان الخارجي عليها بوصفه مبدأ عامًا.

• هذا التمييز يمنع الخلط بين الموقف من الفاعل والموقف من طبيعة الصراع.

▪️ فهم حدود الموقف الإسلامي

• يتطلب التحليل إدراك الفارق بين المواقف الرسمية التي تحكمها حسابات الدولة، والمواقف الشعبية التي تنطلق من اعتبارات أوسع.

• كما يقتضي فهم القيود التي تحد من قدرة الطرفين على التأثير في مجريات الصراع.

▪️ الانتباه إلى اتساع المآلات

• تشير التجارب السابقة إلى أن الحروب الأمريكية غالبًا ما تبدأ بأهداف معلنة محدودة، لكنها تنتهي إلى نتائج أوسع بكثير مما تم الإعلان عنه.

• ومن ثم، فإن التقدير لا ينبغي أن يقف عند الأهداف المعلنة، بل يتجه إلى تحليل المآلات المحتملة وآثارها الممتدة.

تشكل هذه التوصيات إطارًا يساعد على الانتقال من قراءة سطحية للأحداث إلى تحليل استراتيجي أكثر عمقًا، يستوعب تعقيد الصراع، ويوازن بين مستوياته المختلفة، ويُحسن تقدير نتائجه المحتملة.

🔵 الخاتمة

تكشف المقارنة بين الحروب الثلاث عن استمرارية واضحة في نمط التدخل الأمريكي داخل العالم الإسلامي، وإن تغيرت أدواته وتبدلت سياقاته. فبينما جسّدت أفغانستان والعراق نموذج الغزو المباشر وإسقاط الدولة وإعادة بنائها، تأتي الحرب على إيران لتعكس انتقالًا نحو نمط أكثر تعقيدًا، يقوم على إدارة الصراع إقليميًا وإعادة تشكيل التوازنات دون الانخراط في احتلال شامل.

غير أن جوهر المسار يظل ثابتًا؛ إذ تستمر هذه الحروب في إنتاج بيئات مضطربة، تتسع فيها دوائر الصراع وتتداخل فيها المستويات المحلية والإقليمية والدولية. وفي هذا السياق، تبدو النتيجة الأبرز أن العالم الإسلامي، رغم اختلاف مواقفه الرسمية والشعبية، لا يزال يتحمل الكلفة الأكبر لهذه التحولات، دون أن يمتلك – حتى الآن – رؤية جماعية قادرة على المنع أو الاحتواء أو تقديم بديل استراتيجي متماسك.

ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في فهم هذه الحروب، بل في تجاوز موقع التلقي إلى بناء قدرة ذاتية على قراءة الواقع وصياغة موقف مستقل، يحدّ من تكرار هذه الدورات الممتدة من التدخل والصراع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى