الحرب على إيران كمدخل لإعادة رسم موازين القوة في الإقليم

![]()
“الحرب على إيران كمدخل لإعادة رسم موازين القوة في الإقليم”
تفخيخ الشرق الأوسط لإعادة تشكيله
ورقة تحليلية استراتيجية
ضمن سلسلة الأمن الإقليمي والتحولات الاستراتيجية
مركز حريات للدراسات السياسية والاستراتيجية – مارس 2026
⸻
الملخص
• قراءة تحليلية لمظاهر تفخيخ المنطقة وتعميق تناقضاتها في سياق الحملة الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، بوصفها حربًا تُدار على أكثر من مستوى.
• تفكيك الصلة بين الحرب الجارية وبين مشروعات إعادة تشكيل الشرق الأوسط عبر نقل الصراع من الحدود إلى داخل الدول والمجتمعات.
• رصد مؤشرات سياسية وعسكرية توحي بتوجه نحو إعادة توزيع النفوذ وفرض وقائع جديدة في الممرات الحيوية وساحات الاشتباك الإقليمي.
• تحليل هدف استنزاف القوى الإقليمية وإضعاف الدول المركزية، بما يفتح المجال لبيئات هشّة قابلة للابتزاز والاحتواء.
• تقييم احتمالات الانزلاق إلى مسارات تفكيك وظيفي (دول ضعيفة بسلطات مجتزأة) أو سيناريوهات تقسيمٍ غير مُعلن عبر صراعات داخلية طويلة.
• الخلاصة: الحرب لا تُقرأ كاستهداف لإيران وحدها، بل كمنعطف لإعادة هندسة الإقليم عبر الاستنزاف وإعادة ترتيب التوازنات بما يعزز التفوق الإسرائيلي طويل المدى.
التمهيد – من الحرب إلى إعادة تشكيل الإقليم
لم تعد الحروب في المنطقة تُفهم فقط باعتبارها مواجهات عسكرية بين أطراف متصارعة، بل أصبحت في كثير من الأحيان أدوات لإعادة رسم التوازنات الإقليمية وإعادة توزيع النفوذ. وفي هذا السياق تُقرأ الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران بوصفها جزءًا من تحولات أوسع قد تتجاوز حدود المواجهة المباشرة إلى مشروع لإعادة تشكيل البيئة الإقليمية.
فالتجارب السابقة، وعلى رأسها ما جرى في العراق بعد عام 2003، أظهرت كيف يمكن للحرب أن تتحول من عملية عسكرية محدودة إلى مدخل لتغيير عميق في بنية الدولة والمجتمع وموازين القوى في المنطقة. ويأتي ذلك في ظل سياق دولي وإقليمي متغير يسمح بتمرير تحولات كبرى، خاصة مع انشغال القوى الدولية بصراعات متعددة وتراجع قدرة النظام الدولي على ضبط الأزمات.
وفي الوقت نفسه يتصاعد الخطاب السياسي والإعلامي حول مفاهيم مثل “الشرق الأوسط الجديد” و**“إسرائيل الكبرى”**، بما يطرح تساؤلات حول الأهداف الأبعد لهذه المواجهة. ومن هنا يبرز السؤال المركزي: هل تمثل الحرب على إيران مدخلًا لتفكيكها فقط، أم خطوة ضمن مسار أوسع قد يقود إلى إعادة تشكيل الإقليم بأكمله؟
الإطار المفاهيمي – مفهوم تفخيخ الإقليم
يُقصد بمفهوم “تفخيخ الإقليم” خلق بيئة سياسية وأمنية مشحونة بالتوترات والصراعات المتداخلة، بحيث تتحول المنطقة إلى ساحة أزمات مستمرة تعيق تشكّل توازنات مستقرة أو قوى إقليمية صاعدة. ويختلف هذا المفهوم عن التقسيم الجغرافي المباشر للدول، إذ قد يتحقق التفكيك أحيانًا عبر ما يُعرف بـ التفكيك الوظيفي؛ أي بقاء الدولة شكليًا مع تآكل قدرتها الفعلية على إدارة الأمن والسياسة والاقتصاد.
وتُستخدم الحروب في هذا السياق بوصفها أداة لإعادة تشكيل النظام الإقليمي عبر إضعاف قوى معينة وخلق فراغات في موازين القوة. كما يرتبط ذلك بفكرة “الفوضى المنظمة” التي تقوم على إدارة الصراعات بدل إنهائها، بما يسمح بإبقاء الإقليم في حالة توتر دائم.
وفي هذا الإطار يُنظر إلى استمرار التفكك الإقليمي بوصفه عاملًا يعزز التفوق الاستراتيجي الإسرائيلي، إذ يؤدي ضعف الدول المحيطة وتشتتها إلى تقليص قدرتها على تشكيل توازن جماعي قادر على تحدي هذا التفوق.
الخلفية التاريخية لمشروعات إعادة تشكيل المنطقة
تعود جذور مشاريع إعادة تشكيل الشرق الأوسط إلى اتفاقية سايكس–بيكو في بدايات القرن العشرين، التي رسمت حدودًا سياسية جديدة للمنطقة وفق مصالح القوى الكبرى، وخلّفت إرثًا جيوسياسيًا ما زالت آثاره حاضرة حتى اليوم. ومع نهاية الحرب الباردة وصعود الولايات المتحدة كقوة مهيمنة، عادت أفكار “إعادة هندسة الشرق الأوسط” إلى الواجهة، خاصة منذ التسعينات تحت عناوين متعددة مثل “الشرق الأوسط الجديد”.
وقد شكّل غزو العراق عام 2003 نقطة تحول مفصلية، إذ أدى إلى تفكيك مؤسسات الدولة وإطلاق ديناميات صراع داخلي وإقليمي امتدت آثارها إلى محيطه. وفي السنوات اللاحقة شهدت عدة دول عربية تآكلًا واضحًا في بنية الدولة الوطنية، كما حدث في سوريا وليبيا واليمن والسودان والصومال ولبنان بدرجات متفاوتة.
وتُظهر هذه المسارات أن الحروب المتتالية والصراعات الممتدة لعبت دورًا رئيسيًا في إضعاف البنية الإقليمية، وفتح المجال أمام إعادة ترتيب موازين القوى بما يعيد تشكيل الخريطة السياسية للمنطقة.
مظاهر تفخيخ المنطقة في الحرب الجارية
تكشف الحرب الجارية عن مجموعة من المؤشرات التي تعكس اتساع دائرة الصراع وتحوله إلى ساحة إقليمية مفتوحة. وفي مقدمة هذه المظاهر توسيع مسارح العمليات العسكرية عبر توظيف القواعد العسكرية الأجنبية، خصوصًا الأمريكية والبريطانية، الموجودة في عدد من الدول العربية، ما يحول هذه القواعد إلى نقاط ارتكاز مباشرة في إدارة المواجهة.
كما يظهر ذلك في استهداف البنى الاستراتيجية للدولة الإيرانية، سواء العسكرية أو الاقتصادية أو النووية، بهدف إضعاف قدرتها على الاستمرار في الصراع وإحداث تأثير طويل المدى في بنيتها الداخلية. ويترافق ذلك مع محاولات إشراك قوى إقليمية متعددة في المواجهة، وفي مقدمتها بعض دول الخليج، ما يوسع نطاق التوتر ويزيد من تعقيد المشهد الإقليمي.
وفي الوقت نفسه تتصاعد التوترات الطائفية والعرقية في عدد من الساحات، بما يفتح المجال أمام صراعات داخلية موازية. كما يؤدي التصعيد العسكري إلى تعريض الممرات البحرية والاقتصادية الحيوية للخطر، ما يهدد حركة التجارة والطاقة ويضيف بعدًا عالميًا للأزمة.
مؤشرات على مشروع إعادة التقسيم
تتزايد في الخطاب السياسي والاستراتيجي مجموعة من المؤشرات التي توحي بإمكانية التوجه نحو إعادة رسم خرائط النفوذ في المنطقة. ومن أبرز هذه المؤشرات تصاعد الحديث في بعض الأوساط السياسية والفكرية الأمريكية والإسرائيلية عن “إسرائيل الكبرى”، وما يرتبط بها من تصورات تتجاوز حدود الدولة الحالية وتربط الأمن الإسرائيلي بإعادة تشكيل البيئة الإقليمية المحيطة.
كما يتكرر طرح مفهوم “الشرق الأوسط الجديد” في سياقات متعددة، وهو خطاب يشير إلى تحولات عميقة في بنية النظام الإقليمي وترتيبات القوة فيه. ويترافق ذلك مع ملاحظات حول إضعاف الجيوش المركزية في عدد من دول المنطقة نتيجة الحروب الطويلة أو الضغوط السياسية والعسكرية.
وفي الوقت ذاته تُسهم النزاعات الداخلية والصراعات المجتمعية في تعميق هشاشة الدول وإضعاف قدرتها على الحفاظ على تماسكها. ويأتي ذلك في إطار أوسع يشهد إعادة توزيع النفوذ بين القوى الدولية والإقليمية، بما يعكس تنافسًا متصاعدًا على رسم ملامح النظام الإقليمي القادم.
أهداف التفخيخ الاستراتيجي للإقليم
تشير قراءة التحولات الجارية في المنطقة إلى أن توسيع دائرة الصراعات وتعميق التوترات قد يخدم مجموعة من الأهداف الاستراتيجية بعيدة المدى. وفي مقدمة هذه الأهداف ضمان التفوق الإسرائيلي طويل المدى عبر إبقاء البيئة الإقليمية المحيطة في حالة ضعف أو انشغال دائم بالصراعات الداخلية.
كما يسهم هذا المسار في استنزاف القوى الإقليمية الكبرى، سواء عبر الحروب المباشرة أو عبر الانخراط في صراعات ممتدة تستنزف الموارد والقدرات العسكرية والسياسية. ويترتب على ذلك منع تشكّل توازن قوى إقليمي قادر على تحدي التفوق العسكري أو الاستراتيجي لإسرائيل.
إلى جانب ذلك، تفتح حالة السيولة والصراع المجال أمام إعادة ترتيب التحالفات الإقليمية والدولية بما يتوافق مع موازين القوة الجديدة. كما تمنح هذه التحولات فرصة لتعزيز التحكم في الممرات الاستراتيجية ومصادر الطاقة، وهي عناصر حيوية في تحديد النفوذ الجيوسياسي في المنطقة.
دور الحرب على إيران في هذا السياق
تُمثّل الحرب على إيران لحظة مفصلية في سياق التحولات الجارية في الإقليم، إذ تستهدف أحد أهم مراكز القوة الإقليمية التي تمتلك شبكة نفوذ واسعة تمتد إلى عدة ساحات في الشرق الأوسط. ومن شأن إضعاف إيران أو تقليص قدراتها العسكرية والسياسية أن يُحدث فراغًا استراتيجيًا ملحوظًا، يفتح الباب أمام إعادة رسم موازين القوى في عدد من مناطق الإقليم.
كما يمكن أن تقود هذه الحرب إلى إعادة تشكيل خرائط النفوذ في الساحات التي كانت إيران فاعلًا مؤثرًا فيها، ما يتيح لقوى إقليمية ودولية أخرى محاولة ملء هذا الفراغ أو إعادة ترتيب حضورها. وفي هذا السياق قد تجد دول المنطقة نفسها مضطرة إلى إعادة التموضع السياسي والأمني وفق معادلات جديدة تفرضها تطورات الحرب ونتائجها المحتملة.
وإلى جانب ذلك، قد يكشف أي اهتزاز عميق في بنية الدولة الإيرانية عن تعقيدات طائفية وإثنية كامنة داخل المجتمع الإيراني، الأمر الذي قد ينعكس على توازنات الإقليم ويضيف طبقات جديدة من التوتر. وبذلك يمكن أن تتحول المواجهة الجارية إلى مدخل لإحياء صراعات قومية وطائفية، وإلى إعادة توزيع النفوذ الإقليمي بين القوى المختلفة، سواء عبر ترتيبات سياسية جديدة أو عبر تحولات قسرية في بنية التحالفات القائمة في المنطقة.
التداعيات على الدول الإقليمية الكبرى
تفرض الحرب الجارية على إيران انعكاسات مباشرة وغير مباشرة على موازين القوى لدى الدول الإقليمية الكبرى، وفي مقدمتها مصر وتركيا ودول الخليج.
مصر.. حيث قد يؤدي اتساع الصراع إلى اهتزاز التوازن الإقليمي التقليدي الذي تعتمد عليه القاهرة في إدارة بيئتها الاستراتيجية، كما قد تتعرض لضغوط إضافية على الأمن القومي والاقتصاد في ظل اضطراب طرق التجارة والطاقة. ويظل الخطر الأبرز في انتقال موجات عدم الاستقرار إلى محيطها الاستراتيجي في البحر الأحمر وشرق المتوسط.
تركيا .. تجد أنقرة نفسها أمام معادلة بالغة التعقيد؛ فالحرب قد تفتح أمامها نافذة لتوسيع دورها الإقليمي وتعزيز حضورها في موازين القوى، لكنها في المقابل قد تدفعها إلى استنزاف سياسي وأمني داخل بيئة إقليمية شديدة الاضطراب، خاصة إذا أدت الحرب إلى تفكك إيران عرقيًا أو طائفيًا بما يحمله ذلك من تداعيات مباشرة على الجوار التركي. وفي الوقت ذاته، تتأثر علاقات تركيا بكل من الغرب وإيران تحت وطأة هذه التحولات، الأمر الذي قد يفرض عليها إعادة ضبط توازناتها الدبلوماسية والأمنية. ومن ثم فإن مسار الحرب ونتائجها المحتملة سيترك أثرًا عميقًا على طموحات أنقرة الجيوسياسية وعلى موقعها ضمن معادلات القوة والتوازن في الإقليم.
السعودية والخليج.. قد تواجه دول الخليج مخاطر مباشرة تتمثل في تهديد البنية النفطية والاقتصادية نتيجة اتساع نطاق المواجهة. كما قد تتحول المنطقة إلى ساحة صراع مباشر أو غير مباشر، ما يدفع إلى إعادة تعريف العلاقة الأمنية مع الولايات المتحدة وترتيبات الحماية الإقليمية.
سيناريوهات إعادة تشكيل المنطقة
تفتح الحرب الجارية في الإقليم الباب أمام مجموعة من السيناريوهات المحتملة التي قد تعيد تشكيل ملامح المنطقة خلال السنوات القادمة. أول هذه السيناريوهات هو سيناريو الاستنزاف الطويل، حيث تستمر المواجهة في صورة صراعات متقطعة وممتدة تؤدي إلى إنهاك الإقليم دون حسم واضح.
ويبرز كذلك سيناريو التفكيك الوظيفي للدول، بحيث تبقى الدول قائمة شكليًا بينما تتآكل قدرتها الفعلية على إدارة الأمن والاقتصاد والسياسة، ما يخلق بيئات هشة يسهل التأثير فيها.
كما قد يقود الصراع إلى إعادة توزيع النفوذ الإقليمي بين قوى صاعدة وأخرى متراجعة، في ظل سعي كل طرف إلى ملء الفراغات الاستراتيجية التي قد تنشأ عن إضعاف بعض القوى.
وفي المقابل قد يتبلور توازن إقليمي جديد يفرض معادلات ردع مختلفة تعيد ضبط العلاقات بين القوى الكبرى في المنطقة.
أما السيناريو الأخطر فيتمثل في انفجار إقليمي شامل تتداخل فيه عدة جبهات وصراعات، بما يهدد استقرار الشرق الأوسط لفترة طويلة.
ردود الفعل الشعبية والإقليمية
تشهد المجتمعات في المنطقة تفاعلات متزايدة مع تطورات الحرب، حيث يتصاعد في كثير من الأوساط الرفض الشعبي للحروب التي يُنظر إليها باعتبارها تخدم التفوق الإسرائيلي على حساب استقرار المنطقة. ويترافق ذلك مع تنامي شعور عام بأن استمرار الصراعات قد يفتح الباب أمام مخاطر التقسيم أو التفكيك التي تهدد وحدة الدول وتماسك مجتمعاتها.
كما تؤدي هذه المخاوف إلى ضغوط داخلية متزايدة على الحكومات في عدد من الدول، سواء لتجنب الانخراط المباشر في الصراع أو لاتخاذ مواقف أكثر وضوحًا تجاه مسار الحرب وتداعياتها. وفي الوقت نفسه تسهم هذه التطورات في إعادة تشكيل الخطاب السياسي والإعلامي في المنطقة، حيث تتزايد الدعوات إلى محاصرة الغطرسة الاسرائيلية وحماية استقرار الدول والحفاظ على وحدة المجتمعات في مواجهة سيناريوهات التغول الصهيوني والتفكك أو الفوضى الممتدة.
التقدير الاستراتيجي العام
تشير المعطيات الراهنة إلى أن الحرب الجارية تتجاوز في دلالاتها حدود المواجهة المباشرة مع إيران، إذ تتقاطع مع تحولات أوسع تمس بنية النظام الإقليمي وتوازناته التاريخية. فالتطورات المتسارعة توحي بأن المنطقة تقف أمام لحظة إعادة تشكيل كبرى قد تعيد ترتيب موازين القوى بصورة تعزز الموقع المركزي لإسرائيل داخل معادلات الإقليم. ويزداد وضوح هذا الاتجاه في ظل مسارات متوازية تشمل المضي في تصفية القضية الفلسطينية، وتوسيع نطاق الحضور الإسرائيلي في سوريا ولبنان، وفتح ساحات اشتباك متعددة في أكثر من جبهة مثل لبنان واليمن والعراق.
وفي ظل استمرار المواجهة واتساع نطاقها، تتزايد مخاطر التفكيك وعدم الاستقرار في عدد من دول المنطقة، سواء نتيجة الضغوط العسكرية المباشرة أو بسبب التوترات الداخلية التي قد تتغذى على استمرار الصراع. كما أن إطالة أمد الحرب قد تفضي إلى تآكل تدريجي في قدرة الدول على الحفاظ على تماسكها المؤسسي والاجتماعي.
وبذلك يبدو أن الإقليم يقف أمام مرحلة شديدة الحساسية تتسم بتحولات عميقة، حيث يشهد التوازن الإقليمي تغيرًا متسارعًا قد يعيد صياغة طبيعة العلاقات والتحالفات بين القوى المختلفة في الشرق الأوسط، ويفتح الباب أمام نظام إقليمي جديد لم تتضح ملامحه بالكامل بعد.
الخلاصة الاستراتيجية
تشير قراءة مجمل المعطيات إلى أن الحملة الأمريكية–الإسرائيلية على إيران لا يمكن فهمها بوصفها مواجهة عسكرية مع دولة بعينها فحسب، بل تبدو جزءًا من عملية أوسع لإعادة هندسة الإقليم وإعادة ترتيب موازين القوة فيه. فالحرب، بما تحمله من أبعاد سياسية وأمنية واقتصادية، تتقاطع مع مسار طويل من التحولات التي تستهدف إعادة صياغة البيئة الإقليمية بما يضمن تفوقًا إسرائيليًا مستدامًا في المنطقة.
وفي هذا السياق يبرز ما يمكن وصفه بسياسة تفخيخ الإقليم؛ أي إبقاء المنطقة في حالة صراعات وتوترات ممتدة تستنزف القوى الإقليمية وتمنع تشكّل توازن قادر على كبح التفوق الإسرائيلي. ومع استمرار الحرب واتساع نطاقها، تتزايد احتمالات تفكك بعض الدول أو إعادة رسم خرائط النفوذ عبر صراعات داخلية أو تحولات قسرية في بنية النظام الإقليمي.
غير أن مسار الأحداث لا يتحدد فقط بقرارات القوى الكبرى، بل أيضًا بقدرة دول المنطقة على إدارة الموقف الاستراتيجي بحكمة. فاستهداف إيران لبعض القواعد الأمريكية في دول عربية يحمل مخاطر جرّ هذه الدول إلى مواجهة مباشرة ليست في مصلحة المنطقة، خاصة إذا نجحت محاولات الزج بها في إعلان الحرب على إيران.
كما يبرز خطر آخر لا يقل أهمية، يتمثل في الانزلاق نحو صراع سني–شيعي واسع، وهو المسار الذي حذّر منه كثير من المحللين منذ ثمانينات القرن الماضي بوصفه أخطر السيناريوهات التي يسعى إليها المشروع الصهيوني وتؤدي إلى تفكيك المنطقة واستنزاف مجتمعاتها. فإشعال الانقسامات الطائفية يفتح الباب أمام صراعات طويلة الأمد تضعف الدول وتشتت مواردها وتُبعد الأنظار عن التحديات الاستراتيجية الكبرى.
ومن ثم تبرز ضرورة أن تعمل حكومات المنطقة على تجنب الانخراط في حرب إقليمية واسعة، وألا تتحول أراضيها إلى منصات صراع تعمل ضد مصالحها. كما ينبغي تعزيز التنسيق الإقليمي والحوار السياسي لمنع الانجرار إلى صراعات طائفية أو جيوسياسية تخدم مشاريع الهيمنة والتفكيك. إن الحفاظ على وحدة الدول واستقرارها، ومنع تمركز الهيمنة الإسرائيلية أو تحويل المنطقة إلى ساحات صراع مذهبي، يمثلان شرطًا أساسيًا لتجنب سيناريوهات الفوضى الممتدة التي قد تدفع شعوب المنطقة ثمنها لعقود طويلة.



