أوراق بحثيةدراسات

حرب واحدة وخمس روايات – مقارنة في سرديات الإعلام العربي حول الحرب على إيران ولبنان

🔵🔵 “حرب واحدة وخمس روايات – مقارنة في سرديات الإعلام العربي حول الحرب على إيران ولبنان”

🟦 تفكيك تغطيات الجزيرة وTRT عربي والعربية وسكاي نيوز وإكسترا نيوز

🟦 تحليل استراتيجي في الإعلام والحرب وإدارة الإدراك

🟦 مركز حريات للدراسات السياسية والاستراتيجية – 2026

———

🟦 الملخص:

يتناول هذا الإصدار مقارنة تحليلية بين تغطيات خمس من أبرز الفضائيات العربية للحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران ولبنان، كاشفًا أن الاختلاف بينها لا يقتصر على الأسلوب المهني، بل يعكس تباينًا عميقًا في الرؤى السياسية والاستراتيجية.

يرصد التحليل كيف أعادت كل قناة تعريف الحرب وفق موقعها وسياقها؛ فبينما قدّمتها بعض القنوات كعدوان إقليمي متعدد الجبهات، عالجتها أخرى كتصعيد أمني أو تهديد للاستقرار، أو كأزمة مفتوحة على سيناريوهات متعددة. كما يكشف التباين في اللغة، وترتيب الضحايا، واختيار الضيوف، عن اختلاف في تحديد العدو والأولوية وطبيعة الصراع.

ويخلص الإصدار إلى أن الفضاء الإعلامي العربي لا ينتج سردية واحدة، بل سرديات متوازية ومتباينة، ما يجعل الإعلام جزءًا من معركة تشكيل الوعي لا مجرد ناقل للحدث. ويبرز التحدي في غياب رؤية إعلامية عربية جامعة قادرة على الجمع بين المهنية والعدالة والسيادة واستقرار المنطقة.

🔵 (1) المدخل

لم تعد الحروب الحديثة تُخاض في الميدان العسكري وحده، بل باتت تُدار بالتوازي في فضاء الإعلام، حيث تتحول التغطية إلى ساحة صراع لا تقل تأثيرًا عن ساحة العمليات. وفي هذا السياق، لم تكتفِ الفضائيات العربية بنقل أحداث الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران ولبنان، بل أسهمت بفاعلية في تشكيل إدراك الجمهور، وإعادة ترتيب أولويات الحدث، وتحديد من هو الضحية ومن هو المسؤول، بل وحتى كيف تُفهم الحرب ذاتها.

ومن هنا تبرز الإشكالية المركزية: كيف تختلف تغطيات قنوات مثل الجزيرة، والعربية، وسكاي نيوز عربية، وإكسترا نيوز، وTRT عربي؟ وما الذي تكشفه هذه الفروق عن تصورات كل منها لمفاهيم العدو، والاستقرار، والسيادة، وطبيعة الصراع في المنطقة؟

تنطلق هذه الدراسة من فرضية أن الفروق بين هذه القنوات لا تعود فقط إلى اعتبارات مهنية أو تحريرية، بل تعكس بنى سياسية واستراتيجية أعمق، تجعل كل قناة تقدم الحرب ضمن سردية مختلفة، سواء في تعريفها، أو في ترتيب الضحايا والمسؤوليات، أو في استشراف مآلاتها.

🔵 (2) الإطار المنهجي

تنطلق هذه الدراسة من تحديد دقيق لمفهوم التغطية الإعلامية، بوصفها عملية مركبة لا تقتصر على نقل الخبر، بل تشمل بناء الإطار التفسيري الذي يُقدَّم من خلاله الحدث، وصياغة السردية التي تمنحه معنى، إلى جانب ترتيب الأولويات بما يحدد ما يُبرز وما يُهمّش. فالإعلام لا ينقل الواقع كما هو، بل يعيد تشكيله عبر هذه المستويات المتداخلة.

وفي هذا السياق، يُميَّز بين أنماط متعددة من المعالجة الإعلامية؛ تبدأ بالمعالجة الخبرية التي تركز على الوقائع، ثم المعالجة التحليلية التي تسعى لتفسيرها، مرورًا بالمعالجة السياسية التي تربط الحدث بمصالح وتوجهات، وصولًا إلى المعالجة الإنسانية التي تبرز أثر الحرب على الأفراد والمجتمعات. ويكشف توازن هذه الأنماط أو اختلالها طبيعة الخطاب الإعلامي لكل قناة.

أما منهجيًا، فتعتمد الدراسة على مجموعة من معايير المقارنة، في مقدمتها كيفية تعريف الحرب وتأطيرها، ومركز السردية (هل هو الضحايا أم الأمن أم الاستقرار)، وطبيعة اللغة والمصطلحات المستخدمة. كما تشمل المقارنة ترتيب الضحايا والمسؤوليات، ونوعية الضيوف والخبراء، وطبيعة الحلول المطروحة، إضافة إلى كيفية حضور لبنان مقارنة بإيران، ومدى إبراز الدور الأمريكي والإسرائيلي في الخطاب. ومن خلال هذه المعايير، يمكن تفكيك الفروق العميقة بين التغطيات المختلفة.

🔵 (3) السياق الحاكم للتغطية

تتشكل التغطيات الإعلامية للحرب في سياق مركب يتجاوز الحدث العسكري المباشر، حيث اتسعت رقعة الصراع إلى أكثر من جبهة، من إيران إلى لبنان، بما يعكس طبيعة حرب إقليمية متعددة المسارات. وقد أدى هذا الاتساع إلى تعاظم تأثير الحرب على ملفات حيوية مثل الطاقة والملاحة والتوازنات الإقليمية، ما جعلها قضية تتجاوز حدود الجغرافيا إلى فضاء التأثير الدولي.

وفي هذا الإطار، لم تعد التغطية الإعلامية مجرد انعكاس للواقع، بل أصبحت جزءًا من معركة الإدراك، حيث تتنافس السرديات على تفسير الحدث وتوجيه فهمه، سواء على المستوى الإقليمي أو الدولي. فكل قناة لا تنقل فقط ما يحدث، بل تساهم في تحديد كيف يجب أن يُفهم.

كما تلعب السياقات السياسية للدول المالكة أو الراعية لهذه القنوات دورًا حاسمًا في تشكيل خطابها، حيث تنعكس أولويات هذه الدول ومواقفها الاستراتيجية في طبيعة التغطية، وحدودها، وزوايا تناولها. ومن ثم، فإن فهم هذه السياقات يعد مفتاحًا ضروريًا لتفسير الفروق بين التغطيات المختلفة.

🔵 (4) الخريطة العامة للقنوات محل المقارنة

تُظهر القنوات محل الدراسة تباينًا واضحًا في المقاربات التحريرية، يعكس اختلاف السياقات السياسية والرؤى الاستراتيجية التي تنطلق منها، وذلك وفق الترتيب التالي:

▪️ الجزيرة الإخبارية.. تتبنى نمطًا عابرًا للحدود، يميل إلى توسيع الإطار التفسيري وربط الجبهات المختلفة ضمن سياق إقليمي واحد، مع حضور بارز للبعد الإنساني، واهتمام واضح بالتحليل السياسي العميق الذي يربط بين تطورات الميدان وسياقاتها الأوسع.

▪️ TRT عربي.. تقدم معالجة تتقاطع مع الرؤية التركية، تجمع بين البعد السياسي والقانوني، مع إبراز نقد العدوان، والتركيز على تداعياته الإقليمية، وربط مسارات الصراع—خاصة إيران ولبنان—ضمن إطار أوسع يعكس توازنات المنطقة.

▪️ إكسترا نيوز.. تعكس مقاربة أقرب إلى الخطاب الرسمي، حيث يبرز الحذر والتركيز على الاستقرار الإقليمي، مع إبراز مخاطر التوسع وانعكاساته على الدولة والنظام العربي، وتقديم قراءة تميل إلى تقليل حدة التصعيد والدعوة للاحتواء.

▪️ العربية.. تميل إلى مقاربة أكثر تركيزًا على البعد الأمني والإقليمي، حيث تُبرز دور الفاعلين العسكريين مثل الحرس الثوري وحزب الله، وتتناول الحرب من زاوية بنيتها الأمنية وشبكاتها الإقليمية، مع اهتمام واضح بتحليل موازين القوة.

▪️ سكاي نيوز عربية.. تتجه نحو خطاب يمزج بين الخبر والتحليل الاستراتيجي، مع تركيز على مسارات التصعيد والتوازنات الإقليمية، وطرح سيناريوهات مستقبلية من قبيل “إلى أين تتجه الحرب”، أكثر من التركيز على الأبعاد القيمية أو الإنسانية.

🔵 (5) الفروق في تعريف الحرب وتأطيرها

تُظهر المقارنة بين القنوات الخمس تباينًا واضحًا في تعريف الحرب وتأطيرها، بما يعكس اختلاف الرؤى السياسية والاستراتيجية التي تنطلق منها كل قناة:

▪️ الجزيرة الإخبارية.. تميل إلى تقديم الحرب بوصفها عدوانًا إقليميًا متعدد الجبهات، مع ربط واضح بين إيران ولبنان ضمن مسرح واحد، والتركيز على تحليل الأهداف والمآلات أكثر من الاكتفاء بنقل الحدث.

▪️ TRT عربي.. تُؤطر الحرب كعدوان غير مشروع، مع توسيع النقاش ليشمل القانون الدولي والمواقف الإقليمية، وإبراز ازدواجية المعايير الغربية ضمن رؤية ذات بعد سياسي–قانوني أوسع.

▪️ إكسترا نيوز.. تقدّم الحرب بوصفها تهديدًا مباشرًا لاستقرار الإقليم والدول العربية، مع حضور واضح للغة الدولة والأمن القومي، والتركيز على تداعيات الحرب أكثر من تفاصيلها.

▪️ العربية.. تُؤطر الحرب كتصعيد أمني–عسكري، مع تركيز خاص على الفاعلين المسلحين وشبكاتهم، وإبراز البعد المرتبط بإيران والحرس الثوري وحزب الله، ما يمنح التغطية طابعًا أمنيًا مباشرًا.

▪️ سكاي نيوز عربية.. تتعامل مع الحرب كأزمة تصعيد مفتوحة، تركز على المنعطفات والسيناريوهات المحتملة، وتضع الحدث ضمن سياق أوسع من التوازنات الإقليمية.

🔵 (6) الفروق في مركز السردية

يكشف تحليل التغطيات أن الاختلاف بين القنوات لا يقتصر على الزوايا التحريرية، بل يمتد إلى مركز السردية نفسه؛ أي النقطة التي يُبنى حولها تفسير الحرب: هل هي الضحايا، أم الأمن الإقليمي، أم استقرار الدولة، أم المشروع الأمريكي–الإسرائيلي، أم دور إيران الإقليمي؟ فاختيار هذا المركز يحدد طبيعة الرواية، ويعيد ترتيب الأولويات والمعاني.

▪️ الجزيرة الإخبارية.. تميل إلى الجمع بين البعد الإنساني والتحليل السياسي، مع ربط الجبهات المختلفة ضمن إطار واحد، ما يجعل السردية متعددة المستويات تجمع بين الإنسان والسياسة والسياق الإقليمي.

▪️ TRT عربي.. تقدم سردية تركز على العدوان والشرعية، مع ربط ذلك بالسياق الإقليمي والدبلوماسي، بما يمنح التغطية بعدًا سياسيًا–قانونيًا واضحًا يتجاوز الحدث المباشر.

▪️ إكسترا نيوز.. تتمحور سرديتها حول الاستقرار الإقليمي والدولة، مع إبراز انعكاسات الحرب على الأمن القومي، ما يجعل مركز الرواية مرتبطًا بالحفاظ على التوازن وتجنب التوسع.

▪️ العربية.. تركز على البنية الأمنية والعسكرية المرتبطة بإيران وشبكاتها، ما يجعل مركز السردية قائمًا على تحليل الفاعلين العسكريين وموازين القوة، ويمنحها طابعًا أمنيًا مباشرًا.

▪️ سكاي نيوز عربية.. تجعل من التصعيد والتوازنات مركزًا للسرد، مع اهتمام خاص بمآلات الحرب والسيناريوهات المحتملة، حيث تُقرأ الأحداث ضمن إطار “إلى أين تتجه الأمور”.

🔵 (7) الفروق في اللغة والمصطلحات

تُعد اللغة المستخدمة في التغطية الإعلامية أحد أبرز المؤشرات على طبيعة الموقف التحريري، إذ لا تعكس الكلمات مجرد وصف للحدث، بل تسهم في تحديد معناه وتوجيه إدراكه، وتعمل كأداة لإعادة تشكيل الوعي الجمعي تجاه الحرب. ويتجلى ذلك في الاختلاف بين توصيفات مثل: “عدوان” أو “تصعيد” أو “حرب” أو “مواجهة”، وكذلك في استخدام مصطلحات مثل “محور” أو “ميليشيات” أو “مقاومة”، فضلًا عن التباين بين “استهداف” و“ضربات” و“رد”، أو بين “أمن المنطقة” و“أمن إسرائيل” و“استقرار الدول”، حيث لا تكون هذه المفردات محايدة، بل محمّلة بخلفيات سياسية ودلالات ضمنية تعكس موقع القناة من الحدث.

▪️ الجزيرة الإخبارية.. تميل إلى لغة تفسيرية ذات بعد سياسي، تجمع بين الخبر والتحليل، وتُحمّل المصطلحات دلالات أوسع تتجاوز الوصف المباشر، حيث يتم ربط المفردة بسياقها الإقليمي والدولي، مع استخدام مصطلحات مثل “عدوان” و“تصعيد متعدد الجبهات”، بما يعكس رؤية ترى الحدث ضمن مشروع أوسع، ويُسهم في بناء سردية تفسيرية لا تكتفي بنقل الوقائع بل تفككها.

▪️ TRT عربي.. تستخدم لغة سياسية–قانونية واضحة، تُبرز مفاهيم مثل “العدوان غير المشروع” و“انتهاك القانون الدولي”، مع توظيف مصطلحات تحمل طابعًا معياريًا، ما يمنح الخطاب بعدًا نقديًا مباشرًا، ويضع الحدث ضمن إطار قانوني–أخلاقي يتجاوز التوصيف العسكري، مع إبراز ازدواجية المعايير في الخطاب الغربي.

▪️ إكسترا نيوز.. تلتزم بلغة رسمية متحفظة، تعكس خطاب الدولة، وتجنح إلى الحذر في توصيف الأحداث، حيث تُستخدم مفردات مثل “التصعيد” و“التوتر” بدلًا من “العدوان”، مع تركيز على “الاستقرار” و“الأمن القومي”، بما يعكس محاولة ضبط اللغة لتفادي الانخراط في توصيفات قد تُفهم كاصطفاف حاد.

▪️ العربية.. تعتمد لغة أمنية مباشرة، تركز على الفاعلين والعمليات، وتستخدم مفردات أقرب إلى الخطاب العسكري مثل “ضربات دقيقة” و“استهداف مواقع” و“شبكات مسلحة”، مع إبراز توصيفات مثل “ميليشيات” و“أذرع إقليمية”، وهو ما يمنح التغطية طابعًا ميدانيًا تقنيًا، ويُعيد تعريف الحدث ضمن إطار أمني–عملياتي.

▪️ سكاي نيوز عربية.. تتبنى لغة إخبارية–تحليلية تميل إلى المصطلحات الاستراتيجية، مثل “إدارة التصعيد” و“توازنات القوى” و“سيناريوهات المواجهة”، مع قدر من الحياد النسبي في التوصيف، حيث يتم تجنب المصطلحات الحادة، والتركيز على توصيف الظواهر ضمن سياق أوسع من التحليل الاستراتيجي.

🔵 (😎 الفروق في ترتيب الضحايا والمسؤوليات

تُعد طريقة عرض الضحايا وتحديد المسؤوليات من أكثر عناصر التغطية الإعلامية حساسية، إذ تكشف عن البنية العميقة للسردية التي تتبناها كل قناة. فالسؤال لا يتعلق فقط بمن قُتل أو تضرر، بل بمن يُقدَّم بوصفه الضحية الأولى، ومن يُحمَّل مسؤولية إشعال الحرب أو توسيعها، وكيف يتم ترتيب هذا التسلسل في ذهن المتلقي. كما أن إبراز ضحية على حساب أخرى، أو تقديم مسؤولية على أخرى، يؤدي إلى إعادة تشكيل الإدراك العام لطبيعة الصراع، وتحديد من يستحق التعاطف ومن يُنظر إليه كفاعل مهدد.

▪️ الجزيرة الإخبارية.. تميل إلى إبراز الضحايا ضمن إطار إنساني واسع، مع التركيز على المدنيين وتأثير الحرب على المجتمعات، وربط ذلك بالسياق السياسي، بحيث لا يُفصل البعد الإنساني عن تفسير الحدث، ما يجعل الضحية جزءًا من سردية أوسع تتعلق بطبيعة الصراع وأسبابه.

▪️ TRT عربي.. تركز على الضحايا في سياق توصيف الحرب كعدوان، مع تحميل المسؤولية بشكل أكثر وضوحًا للأطراف التي تبادر بالهجوم، ضمن إطار قانوني–سياسي، حيث يُعاد ترتيب الضحايا بما يعكس هذا التصور، ويُبرز منطق “الضحية المعتدى عليها” مقابل “الفاعل المعتدي”.

▪️ إكسترا نيوز.. تقدم الضحايا من زاوية تأثير الحرب على استقرار الدول والمجتمعات، مع التركيز على النتائج العامة مثل النزوح وعدم الاستقرار، وتجنب الدخول في تحديدات حادة للمسؤولية، ما يجعل الضحية جزءًا من مشهد أوسع يتعلق بمخاطر التوسع والفوضى.

▪️ العربية.. تعيد ترتيب الضحايا والمسؤوليات ضمن إطار أمني، حيث يتم التركيز على الفاعلين المسلحين ودورهم في التصعيد، مع إبراز مسؤولية بعض الأطراف الإقليمية في إشعال أو توسيع المواجهة، وهو ما قد يُقلل من مركزية الضحية المدنية لصالح تحليل الفاعلين.

▪️ سكاي نيوز عربية.. تتعامل مع الضحايا والمسؤوليات ضمن سياق تحليلي متوازن نسبيًا، حيث يتم توزيع المسؤولية على مسارات التصعيد المختلفة، مع التركيز على ديناميات التفاعل بين الأطراف، بدلًا من تبني سردية حاسمة أحادية الاتجاه.

🔵 (9) الفروق في الضيوف والخبراء

يُعد اختيار الضيوف والخبراء أحد المفاتيح الحاسمة في تشكيل التغطية الإعلامية، إذ لا يقتصر دورهم على التعليق، بل يسهمون في بناء السردية وتحديد إطار النقاش وحدوده. فاختيار خبير عسكري أو سياسي أو قانوني أو أكاديمي لا يعكس فقط تنوعًا شكليًا، بل يحدد زاوية الرؤية: هل تُقرأ الحرب بوصفها عمليات، أم سياسة، أم قانونًا دوليًا، أم ظاهرة مركبة.

▪️ الجزيرة الإخبارية.. تميل إلى تنوع واسع في المرجعيات، حيث تستضيف سياسيين وأكاديميين وخبراء استراتيجيين من اتجاهات متعددة، بما يتيح مساحة لعرض وجهات نظر مختلفة، ويعزز الطابع التحليلي المركب، وإن كان هذا التنوع يبقى ضمن إطار تحريري محدد.

▪️ TRT عربي.. تعتمد على مزيج من الخبراء السياسيين والقانونيين، مع حضور واضح لخبراء ينتقدون السياسات الغربية، ويبرزون البعد القانوني للصراع، ما يجعل النقاش يميل إلى تفكيك الشرعية الدولية وتقييم المواقف وفق هذا المنظور.

▪️ إكسترا نيوز.. تميل إلى استضافة ضيوف من خلفيات قريبة من المؤسسات الرسمية أو الخبراء المرتبطين بالدولة، بما يحافظ على خطاب منضبط ومتسق، ويحد من التباين الحاد في الآراء، مع التركيز على تقديم رؤية مستقرة ومتوازنة ظاهريًا.

▪️ العربية.. تعتمد بشكل ملحوظ على خبراء عسكريين وأمنيين، ما يعكس اهتمامها بتحليل العمليات والتوازنات الميدانية، ويجعل النقاش أكثر تركيزًا على القدرات والتحركات العسكرية، مع حضور أقل نسبيًا للبعد القانوني أو الفكري.

▪️ سكاي نيوز عربية.. تقدم مزيجًا من الخبراء السياسيين والاستراتيجيين، مع تركيز على التحليل المستقبلي والسيناريوهات، حيث يتم استضافة شخصيات قادرة على تقديم قراءات استشرافية، ما يمنح التغطية طابعًا أقرب إلى مراكز التفكير والتحليل.

وفي المحصلة، فإن الضيف لا يضيف فقط معلومة، بل يعيد تشكيل إطار النقاش، ويحدد ما يُطرح وما يُستبعد، وبالتالي يسهم بصورة مباشرة في بناء فهم الجمهور للحرب، ليس فقط من حيث ما يحدث، بل كيف يجب أن يُفهم.

🔵 (10) التغطية الخاصة بلبنان داخل الحرب

تُبرز التغطيات الإعلامية تباينًا واضحًا في كيفية تقديم لبنان ضمن سياق الحرب، حيث يتراوح بين كونه جبهة عسكرية، أو ساحة منكوبة، أو دولة ضحية، أو ملفًا متداخلًا مع الحرب على إيران. ويعكس هذا التباين اختلافًا في زاوية النظر إلى طبيعة الصراع ودور الفاعلين فيه، كما يكشف عن موقع لبنان في السردية العامة لكل قناة: هل هو مركز الحدث أم هامشه؟ وهل يُقرأ بذاته أم بوصفه امتدادًا لصراعات أخرى؟

▪️ الجزيرة الإخبارية.. تميل إلى ربط لبنان بالجبهة الإقليمية الأوسع، مع إبراز التداخل بين مساري إيران ولبنان، وتقديم تغطية تجمع بين البعد الميداني والإنساني والتحليل السياسي، ما يجعل لبنان جزءًا من لوحة صراع متعددة المستويات، لا مجرد ساحة منفصلة.

▪️ TRT عربي.. تُبرز لبنان بوصفه ضحية مباشرة للعدوان، مع التركيز على البعد السيادي والسياسي، وربط ما يجري فيه بسياق إقليمي أوسع، بما يمنح التغطية بعدًا نقديًا واضحًا تجاه مبررات الحرب، ويضع لبنان ضمن إطار “الدولة المستهدفة”.

▪️ إكسترا نيوز.. تقدم لبنان كساحة تهدد استقرار الإقليم، مع التركيز على تداعيات التصعيد على الأمن العربي، وإبراز مخاطر الانزلاق إلى فوضى أوسع، ما يجعل مركز التغطية هو “تأثير لبنان” على الاستقرار، لا تفاصيل الصراع داخله.

▪️ العربية.. تركز على لبنان من زاوية دور حزب الله وارتباطه بإيران، ما يمنح التغطية طابعًا أمنيًا–سياسيًا، حيث يُقرأ لبنان بوصفه جزءًا من شبكة إقليمية، ويُعاد تعريف موقعه ضمن معادلة النفوذ أكثر من كونه دولة مستقلة بذاتها.

▪️ سكاي نيوز عربية.. تتعامل مع لبنان بوصفه جبهة تصعيد خطير، ضمن قراءة أوسع لمآلات الحرب، مع التركيز على احتمالات التوسع والتداعيات المستقبلية، ما يجعل التغطية أقرب إلى تحليل المخاطر والسيناريوهات.

🔵 (11) الفروق في التغطية الخاصة بإيران

تعكس تغطية إيران داخل هذه الحرب تباينًا واضحًا في تعريف دورها وموقعها ضمن الصراع، حيث تتراوح بين تقديمها كدولة ذات سيادة تتعرض للعدوان، أو كفاعل إقليمي يساهم في التصعيد، أو كتهديد استراتيجي، أو كحالة مركبة تجمع بين المظلومية والنقد في آن واحد. ويؤثر هذا التباين بشكل مباشر في فهم طبيعة الحرب، وتحديد المسؤوليات، واستشراف مآلاتها.

▪️ الجزيرة الإخبارية.. تميل إلى تقديم قراءة تحليلية مركبة، تركز على أهداف الحرب ومراحلها وتداعياتها، مع إبراز تداخل الأبعاد الإقليمية والدولية، ما يجعل إيران جزءًا من معادلة صراع أوسع، لا مجرد طرف منفرد.

▪️ TRT عربي.. تقدم إيران بوصفها دولة تتعرض لعدوان، مع إبراز ردودها في إطار الدفاع والشرعية، وربط ذلك بالانعكاسات الإقليمية والدولية، ما يمنح التغطية بعدًا سياسيًا–قانونيًا يتجاوز التوصيف الأمني الضيق.

▪️ إكسترا نيوز.. تتعامل مع إيران ضمن سياق إقليمي شامل، مع التركيز على تداعيات الأزمة على المنطقة، وتجنب التوصيفات الحادة، بما يعكس مقاربة حذرة تضع إيران ضمن “المشكلة الإقليمية” لا مركزها الوحيد.

▪️ العربية.. تركز على البنية العسكرية والأمنية الإيرانية، وعلى أدوارها الإقليمية، ما يعزز صورة إيران كفاعل رئيسي في التصعيد، ويضعها في قلب المعادلة الأمنية المرتبطة بالحرب.

▪️ سكاي نيوز عربية.. تتجه نحو تحليل تأثير الحرب داخل العمق الإيراني، من زاوية الاستقرار الداخلي والتوازنات، مع التركيز على مآلات التصعيد أكثر من توصيفه الأخلاقي أو السياسي المباشر.

🔵 (12) أهداف التغطية الضمنية لكل قناة

لا تقف التغطية الإعلامية عند حدود نقل الحدث أو تحليله، بل تنطوي على أهداف ضمنية تسهم في توجيه الرأي العام وصياغة إدراكه لطبيعة الحرب وأطرافها، بحيث يصبح الإعلام جزءًا فاعلًا في إدارة الصراع، لا مجرد ناقل له. وتختلف هذه الأهداف باختلاف السياق السياسي والاستراتيجي لكل قناة، لكنها تتقاطع في محاور رئيسية مثل التعبئة، وضبط الإدراك، وتوجيه النقاش.

▪️ الجزيرة الإخبارية.. تميل إلى توسيع وعي الجمهور بطبيعة الصراع وربطه بسياقاته الأوسع، مع تعزيز البعد الإنساني والسياسي، بما يخلق حالة من الفهم المركب الذي يتجاوز الحدث إلى تفسيره وربطه بمسارات إقليمية.

▪️ TRT عربي.. تسعى إلى إبراز عدم مشروعية الحرب وتفكيك مبرراتها، مع توجيه الإدراك نحو نقد السياسات الغربية، وتعزيز خطاب يقوم على مفاهيم العدالة والشرعية الدولية.

▪️ إكسترا نيوز.. تركز على حماية الإدراك العام باتجاه الاستقرار، وتقليل حدة التوتر، وتجنب الانخراط في سرديات تصعيدية، بما يعكس هدفًا ضمنيًا يتمثل في دعم التوازن وتفادي الانزلاق نحو مواقف حادة.

▪️ العربية.. تعمل على إبراز المخاطر الأمنية المرتبطة بالفاعلين الإقليميين، وتوجيه الإدراك نحو قراءة الحرب ضمن إطار التهديدات، ما يعزز تصورًا قائمًا على أولوية الأمن ومواجهة مصادر الخطر.

▪️ سكاي نيوز عربية.. تهدف إلى تقديم قراءة تحليلية تستشرف المآلات، مع توجيه النقاش نحو السيناريوهات المستقبلية والتوازنات، بما يجعل الجمهور أكثر ارتباطًا بسؤال “ما الذي سيحدث” أكثر من “من المخطئ”.

وفي المحصلة، فإن هذه الأهداف الضمنية، رغم اختلافها، تشترك في أنها تعيد تعريف أولويات الجمهور، وتحدد زاوية نظره إلى الحرب، وتؤثر في إدراكه للعدو والخطر والمسؤولية، وهو ما يجعل الإعلام أحد أدوات تشكيل الصراع ذاته، لا مجرد مرآة له.

🔵 (13) دلالات المقارنة

تكشف هذه المقارنة أن التغطية الإعلامية لا يمكن قراءتها بوصفها نتاجًا مهنيًا خالصًا، بل هي انعكاس مباشر لبنية الموقف السياسي والاستراتيجي الذي تتحرك في إطاره كل قناة، حيث تتداخل الاعتبارات التحريرية مع الخلفيات السياسية، فتتشكل السردية الإعلامية بوصفها امتدادًا للرؤية لا مجرد نقل للحدث.

▪️ الجزيرة الإخبارية.. تقدم نموذجًا لسردية مركبة تربط بين الجبهات المختلفة، وتدمج بين البعد الإنساني والتحليل السياسي، ما يعكس رؤية ترى الحرب ضمن سياق إقليمي شامل، وتعيد تعريف الحدث باعتباره جزءًا من مسار ممتد لا واقعة منفصلة.

▪️ TRT عربي.. تكشف تغطيتها عن دلالة واضحة في تبني توصيف الحرب كـ“عدوان”، بما يعكس إطارًا سياسيًا–قانونيًا يحدد موقع الأطراف، ويعيد بناء إدراك الجمهور على أساس مفاهيم الشرعية والانتهاك، لا مجرد التوازنات أو الوقائع العسكرية.

▪️ إكسترا نيوز.. تعكس دلالة مرتبطة بمنطق الدولة، حيث يتم تقديم الحرب من زاوية تأثيرها على الاستقرار الإقليمي والأمن القومي، بما يعيد ترتيب الأولويات لصالح الحفاظ على التوازن، ويجعل الحدث يُقرأ من زاوية نتائجه لا أسبابه فقط.

▪️ العربية.. تكشف عن سردية أمنية تركز على الفاعلين الإقليميين، وخاصة البنية العسكرية المرتبطة بإيران، ما يعكس رؤية ترى الحرب ضمن إطار التهديدات الأمنية وشبكات النفوذ، ويعيد تعريف مركز الصراع من “العدوان” إلى “الخطر الإقليمي”.

▪️ سكاي نيوز عربية.. تقدم دلالة قائمة على قراءة الحرب ضمن توازنات القوى ومسارات التصعيد، حيث يتم التركيز على السيناريوهات والمآلات، بما يعكس مقاربة تحليلية ترى الحدث كجزء من ديناميات أوسع تتجاوز اللحظة الراهنة.

وفي المحصلة، لا تُقرأ الحرب داخل فضاء إعلامي عربي موحد، بل ضمن خمس سرديات متوازية: سردية مركبة (الجزيرة)، وسردية سياسية–قانونية (TRT عربي)، وسردية الدولة والاستقرار (إكسترا نيوز)، وسردية أمنية (العربية)، وسردية التوازنات (سكاي نيوز عربية). وهو ما يعكس انقسامًا أعمق في الرؤى داخل المنطقة، ويجعل الإعلام ساحة تعبير عن هذا التباين بقدر ما هو أداة لنقله.

🔵 (14) حدود المعالجات الخمس

رغم التنوع الظاهر في التغطيات، تكشف المقارنة عن حدود واضحة تحكم أداء القنوات الخمس، حيث تتقاطع المهنية مع قيود السياق السياسي، فتظهر أنماط من الانتقائية والتركيز الأحادي، تعكس حدود كل مقاربة أكثر مما تعكس تنوعًا كاملاً.

▪️ الجزيرة الإخبارية.. رغم غناها التحليلي واتساع إطارها التفسيري، تميل أحيانًا إلى تغليب السردية المركبة التي تربط الجبهات، بما قد يُضعف التركيز على خصوصية كل ساحة، ويجعل الحدث يُقرأ ضمن إطار شامل قد يطغى على تفاصيله المحلية.

▪️ TRT عربي.. تعاني من وضوح الاصطفاف في توصيف الحرب كعدوان، وهو ما يمنحها قوة في الخطاب السياسي–القانوني، لكنه قد يحد من مساحة التنوع في تفسير أدوار الأطراف الأخرى، ويجعل المعالجة تميل إلى اتجاه تفسيري محدد.

▪️ إكسترا نيوز.. يبرز لديها قيد مرتبط بتغليب منطق الدولة والاستقرار، حيث يتم تقليل حدة التوصيف، وتجنب الدخول في تحديدات حاسمة للمسؤوليات، ما قد يؤدي إلى إضعاف التحليل السياسي العميق لصالح خطاب حذر ومتوازن ظاهريًا.

▪️ العربية.. تميل إلى التركيز المكثف على البعد الأمني ودور الفاعلين الإقليميين، خاصة إيران، وهو ما يمنحها وضوحًا في تحليل التهديدات، لكنه قد يُقلل من حضور الأبعاد الإنسانية أو السياقات السياسية الأوسع.

▪️ سكاي نيوز عربية.. تعتمد بشكل كبير على تحليل التوازنات والسيناريوهات، ما يمنحها بعدًا استشرافيًا مهمًا، لكنه قد يأتي أحيانًا على حساب إبراز الجوانب الإنسانية أو تقديم توصيفات حاسمة لطبيعة الصراع.

وفي الإطار العام، تكشف هذه الحدود عن مجموعة من الإشكاليات المشتركة:

• تقييد المهنية بضغوط الاصطفاف السياسي

• التسييس والانتقائية في عرض الوقائع

• غلبة زاوية تفسيرية واحدة على حساب الرؤية المركبة

• غياب سردية عربية جامعة تدمج بين رفض العدوان وفهم تعقيدات الأدوار الإقليمية

وهو ما يجعل التغطيات، رغم اختلافها، تدور في نطاق محدود من المقاربات، دون الوصول إلى معالجة شاملة تجمع بين البعد الإنساني والسياسي والأمني والقانوني في آن واحد.

🔵 (15) القراءة الشاملة

تكشف المقارنة أن القنوات محل الدراسة لا تختلف فقط في أدوات التغطية، بل في زاوية النظر إلى الحرب والإقليم ككل. فـ الجزيرة وTRT عربي تميلان إلى تقديم تفسير سياسي–إقليمي أوسع، يربط بين الجبهات المختلفة، ويضع الحرب ضمن سياق صراع ممتد، مع إبراز أبعادها السياسية والقانونية والإنسانية.

في المقابل، تقترب العربية وسكاي نيوز عربية من مقاربة أمنية–استراتيجية، تركز على الفاعلين العسكريين، وشبكات النفوذ، ومسارات التصعيد، مع تفاوت في اللغة بين خطاب أمني مباشر لدى العربية، وخطاب تحليلي قائم على السيناريوهات لدى سكاي نيوز.

أما إكسترا نيوز فتقدم رؤية أقرب إلى منظور الدولة، حيث تتصدر مفاهيم الاستقرار والأمن القومي، وتُقرأ الحرب من زاوية انعكاساتها على الإقليم والدول العربية.

وبذلك، فإن الفارق بين هذه القنوات لا يقتصر على “كيف تغطي” الحدث، بل يمتد إلى “كيف ترى المنطقة نفسها”: هل هي ساحة صراع مفتوح، أم منظومة أمنية يجب ضبطها، أم فضاء دول ينبغي الحفاظ على استقراره.

🔵 (16) الإعلام كفاعل في الصراع.. بين تشكيل الوعي وغياب الرؤية الجامعة

تؤكد هذه القراءة أن التغطية الإعلامية للحرب لم تعد مجرد انعكاس محايد للأحداث، بل أصبحت جزءًا أصيلًا من معركة تشكيل الإدراك، حيث تتنافس السرديات على تعريف الحدث وتحديد معناه ومآلاته. فالإعلام لا ينقل الحرب فقط، بل يسهم في بنائها ذهنيًا داخل وعي الجمهور، ويحدد كيف تُفهم، ومن يُلام، وما الذي يُعد أولوية.

▪️ الجزيرة الإخبارية.. تسهم في بناء إدراك يرى الحرب ضمن سياق إقليمي ممتد، مع ربط الجبهات وإبراز البعد الإنساني، ما يعزز فهمًا مركبًا للصراع يتجاوز الحدث إلى تفسيره.

▪️ TRT عربي.. تعيد تشكيل الوعي عبر إطار سياسي–قانوني، يركز على مفاهيم العدوان والشرعية، ويمنح الجمهور زاوية تفسيرية قائمة على تقييم الحدث وفق معايير دولية وأخلاقية.

▪️ إكسترا نيوز.. تعمل على توجيه الإدراك نحو أولوية الاستقرار، حيث تُقرأ الحرب من زاوية انعكاساتها على الأمن القومي، ما يعزز فهمًا حذرًا يركز على تجنب الفوضى والتصعيد.

▪️ العربية.. تسهم في بناء تصور أمني للصراع، يركز على الفاعلين الإقليميين وشبكات النفوذ، ويعيد تعريف الحدث ضمن إطار التهديدات والتوازنات العسكرية.

▪️ سكاي نيوز عربية.. توجه الوعي نحو قراءة مستقبلية، تركز على السيناريوهات ومسارات التصعيد، ما يجعل فهم الحرب مرتبطًا بما قد تؤول إليه أكثر من تفسير جذورها.

وفي هذا السياق، تكشف المقارنة أن الانقسام في الفضاء الإعلامي العربي لا يقتصر على اختلاف في نقل الخبر، بل يمتد إلى اختلاف في فهم الحرب نفسها؛ من حيث تعريفها، وتحديد أطرافها، وترتيب أولوياتها، بل وحتى في تصور نهاياتها المحتملة. فكل قناة لا تقدم فقط رواية، بل تبني إطارًا إدراكيًا كاملاً يحدد كيف يجب أن يُرى الصراع.

ومن هنا، لا يكمن التحدي الحقيقي في تعدد التغطيات—فذلك قد يكون مصدر ثراء وتنوع—بل في غياب رؤية عربية إسلامية جامعة قادرة على الجمع بين المهنية والحقيقة، وبين السيادة والعدالة، وبين استقرار الدول وحقوق الشعوب. إذ تتوزع السرديات بين الأمني والسياسي والإنساني والقانوني، دون أن تلتقي في إطار جامع يدمج هذه الأبعاد في رؤية متوازنة.

وبذلك، تصبح الحاجة ملحّة إلى خطاب إعلامي أكثر وعيًا وتكاملًا، لا يكتفي بنقل الحدث أو الانخراط في انقساماته، بل يمتلك القدرة على تفسيره، وضبط مفاهيمه، وتقديم سردية قادرة على الجمع بين الواقعية السياسية والالتزام الأخلاقي، بما يعيد للإعلام دوره كأداة وعي لا مجرد ساحة صراع موازية.

🔵 (17) توصيات مركز حريات

في ضوء هذه القراءة المقارنة، يوصي مركز حريات بضرورة تطوير مقاربة إعلامية عربية وإسلامية أكثر وعيًا وتوازنًا، تنطلق من إدراك أن الإعلام لم يعد مجرد ناقل للأحداث، بل فاعل رئيسي في تشكيل الوعي وإدارة الصراع. وفي هذا السياق، تبرز مجموعة من التوصيات العملية:

▪️ العمل على بناء سردية إعلامية جامعة تجمع بين البعد الإنساني والسياسي والأمني والاستراتيجي، وتوازن بين مقتضيات الاستقرار وحقوق الشعوب، بما يمنع اختزال الصراع في زاوية واحدة.

▪️ تعزيز الاستقلال المهني للإعلام وتقليل تأثير الاصطفافات السياسية، بما يسمح بتقديم تغطيات أكثر موضوعية وعمقًا، دون الانفصال عن السياق الاستراتيجي.

▪️ تطوير لغة إعلامية دقيقة تتجنب التحيز المفرط أو التوصيفات المُضلِّلة، وتُحسن استخدام المصطلحات بما يعكس الواقع دون تشويه أو توظيف مفرط.

▪️ توسيع دائرة تنوع الضيوف والخبراء بما يضمن تعددية حقيقية في وجهات النظر، ويمنع احتكار التفسير ضمن إطار واحد، مع الجمع بين الخبرة العسكرية والسياسية والقانونية.

▪️ إعادة الاعتبار للبعد الإنساني في التغطية، دون فصله عن السياق السياسي، بما يحفظ مركزية الإنسان في فهم الصراع، ويمنع تهميش معاناته لصالح التحليل المجرد.

▪️ بناء منصات تحليل مشتركة بين المؤسسات الإعلامية ومراكز الفكر المتنوعة، بما يسهم في إنتاج معرفة استراتيجية أعمق، تتجاوز التغطية اللحظية إلى الفهم الممتد.

▪️ تطوير خطاب إعلامي قادر على إدارة الخلاف لا تعميقه، من خلال تقديم مقاربات تشرح تعدد الزوايا دون تحويلها إلى صراع سرديات متناقضة.

▪️ الاستثمار في الإعلام الرقمي التفاعلي لتعزيز وعي الجمهور، وتمكينه من فهم تعقيدات الصراع بدل الاكتفاء بالاستهلاك السريع للمحتوى.

وبذلك، فإن بناء إعلام واعٍ ومتوازن لم يعد خيارًا، بل ضرورة استراتيجية، لأنه يمثل أحد أهم أدوات تشكيل مستقبل الأمة، لا مجرد وسيلة لفهم الحاضر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى