أوراق بحثيةدراسات

الصعود الإسلامي نحو عالمية جديدة” – مدى الاحتياج إلى مركز أبحاث عالمي يختص بمستقبل شؤون الإسلام؟!

🟦🟦 “الصعود الإسلامي نحو عالمية جديدة” – مدى الاحتياج إلى مركز أبحاث عالمي يختص بمستقبل شؤون الإسلام؟!”

▪️ قراءة استراتيجية في ضرورة تأسيس مركز عالمي لاستشراف مستقبل الإسلام والمسلمين ودوره في دعم مشروع الاستئناف الحضاري

🟦 مركز حريات للدراسات السياسية والاستراتيجية – 2026

———

🟦 الملخص

تنطلق هذه الدراسة من فرضية أن مشروع الاستئناف الحضاري الإسلامي والعالمية الإسلامية الثانية لا يمكن أن ينجح اعتمادًا على الإمكانات البشرية والمادية وحدها، بل يحتاج إلى عقل استراتيجي عالمي يمتلك القدرة على فهم التحولات الكبرى التي تعيد تشكيل العالم واستشراف آثارها على مستقبل الإسلام والمسلمين. فكما ارتبط صعود القوى والحضارات الكبرى بوجود مؤسسات تفكير واستشراف توجه الحركة وتبني الرؤية وتحدد الأولويات، فإن العالم الإسلامي ما يزال يفتقد إلى مؤسسة عالمية متخصصة تجعل من مستقبل الإسلام والمسلمين موضوعها المركزي.

وتناقش الدراسة مفهوم العالمية الإسلامية الثانية بوصفها حضورًا عالميًا جديدًا يقوم على المعرفة والقيم والاقتصاد والتكنولوجيا والقدرة على التأثير في حركة العالم، لا بوصفها مجرد انتشار ديني أو امتداد سياسي تقليدي. كما تتناول الفراغ القائم في المجال الإسلامي نتيجة غياب مركز عالمي يعنى بالدراسات المستقبلية والحضارية طويلة المدى، رغم وجود عدد كبير من المراكز البحثية المنهمكة في القضايا الآنية والمحلية.

وتوضح الدراسة أن التحولات الدولية المتسارعة، والثورة الرقمية، وصعود الذكاء الاصطناعي، وتغير مراكز الثقل الديموغرافي الإسلامي، واتساع حضور الأقليات المسلمة عالميًا، تجعل من تأسيس مركز عالمي مختص بمستقبل الإسلام ضرورة استراتيجية لا ترفًا فكريًا. كما تستعرض المجالات التي ينبغي أن يدرسها هذا المركز، وفي مقدمتها مستقبل المجتمعات الإسلامية، والتحولات الديموغرافية، والإسلام والتكنولوجيا، والإسلام والنظام الدولي، ومستقبل الحركات الإسلامية، والتحولات الحضارية العالمية.

وتخلص الدراسة إلى أن أكبر فجوة يعاني منها العالم الإسلامي ليست فقط فجوة القوة أو التكنولوجيا أو الاقتصاد، بل فجوة الرؤية المستقبلية. ولهذا فإن تأسيس مركز عالمي لاستشراف مستقبل الإسلام والمسلمين يمكن أن يشكل أحد أهم أدوات الاستئناف الحضاري، وأن يصبح عقلًا استراتيجيًا يساعد الأمة على فهم التحولات الكبرى، واكتشاف الفرص، وتجنب المخاطر، وبناء الرؤية الجامعة التي تربط بين إمكاناتها الضخمة ورسالتها الحضارية ودورها العالمي في القرن الحادي والعشرين.

🔵 (1) التمهيد

لم تعرف أمة من الأمم صعودًا حضاريًا مستدامًا أو حضورًا عالميًا مؤثرًا دون أن تمتلك مؤسسات قادرة على التفكير في المستقبل واستشراف اتجاهاته وفهم التحولات العميقة التي تعيد تشكيل العالم. فالحضارات لا تتقدم اعتمادًا على ردود الأفعال وحدها، ولا تبنى فقط بالإرادة أو الموارد أو الشعارات، وإنما تحتاج إلى عقل استراتيجي منظم يقرأ الواقع ويستشرف القادم ويحدد الأولويات ويربط بين الإمكانات المتاحة والأهداف الكبرى. ولهذا ارتبطت فترات الصعود الكبرى في التاريخ بوجود مراكز تفكير ومؤسسات معرفة لعبت دور العقل الذي يوجه الحركة ويحول الطاقات المتفرقة إلى مشروع متكامل.

وفي العصر الحديث أصبحت مراكز الأبحاث والدراسات الاستراتيجية جزءًا أساسيًا من منظومات القوة لدى الدول والحضارات الصاعدة. فالولايات المتحدة لم تبن نفوذها العالمي اعتمادًا على الاقتصاد والجيش وحدهما، بل أسست شبكة واسعة من مراكز التفكير التي تدرس الاتجاهات العالمية وتصوغ السيناريوهات وتقترح السياسات وتساعد في رسم الرؤى طويلة المدى. كما أدركت الصين أهمية المعرفة الاستراتيجية في مشروعها الصاعد، فأنشأت مؤسسات متخصصة في استشراف المستقبل وتحليل التحولات الدولية وربط ذلك بأهدافها الوطنية والحضارية. وكذلك فعلت الهند وعدد من القوى الصاعدة التي فهمت أن معركة المستقبل تبدأ من القدرة على فهمه قبل القدرة على التأثير فيه.

وفي المقابل، ورغم أن العالم الإسلامي يمتلك واحدة من أكبر الكتل البشرية في العالم، وينتشر في مناطق تمثل قلب الجغرافيا العالمية، ويملك رصيدًا حضاريًا وثقافيًا وروحيًا هائلًا، فإنه ما يزال يفتقر إلى مؤسسة عالمية متخصصة تتعامل مع مستقبل الإسلام والمسلمين بوصفه موضوعًا استراتيجيًا مستقلًا. فهناك مئات المراكز البحثية والجامعات والمؤسسات الفكرية المنتشرة في العالم الإسلامي، لكن أغلبها ينشغل بالقضايا الآنية أو المحلية أو السياسية المباشرة، بينما يظل الفراغ واضحًا في مجال استشراف مستقبل الإسلام عالميًا، وتحليل التحولات التي ستؤثر في المجتمعات الإسلامية خلال العقود القادمة، وبناء رؤى استراتيجية تتجاوز حدود الدولة الواحدة أو الأزمة العابرة.

وتزداد أهمية هذا السؤال في ظل الإمكانات المتصاعدة لاستعادة الحضور الإسلامي وبناء ما يمكن تسميته بالعالمية الإسلامية الثانية. فإذا كانت العالمية الإسلامية الأولى قد قامت على التدافع والعلم والتجارة والعمران والقيم والقدرة على التفاعل الخلاق مع العالم، فإن أي محاولة لاستئناف هذا الدور في القرن الحادي والعشرين تحتاج إلى فهم عميق للتحولات الدولية والتكنولوجية والديموغرافية والثقافية التي يعاد من خلالها تشكيل العالم. ومن الصعب تصور مشروع عالمي بهذا الحجم دون وجود مؤسسة متخصصة تتابع هذه التحولات بصورة منهجية وتدرس فرصها وتحدياتها ومآلاتها المحتملة.

فالعالم يتغير اليوم بوتيرة غير مسبوقة. فالذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل الاقتصاد والعمل والمعرفة، والتحولات الديموغرافية تعيد رسم خرائط السكان والثقافات، والتغيرات الجيوسياسية تنقل مراكز القوة من منطقة إلى أخرى، كما أن المجتمعات الإسلامية نفسها تشهد تحولات عميقة في التعليم والهوية والتدين والعلاقة مع العالم. وكل هذه المتغيرات تحتاج إلى مؤسسة قادرة على جمع المعطيات وتحليلها وبناء السيناريوهات وربطها بمستقبل الإسلام والمسلمين.

ومن هنا فإن القضية لم تعد تتعلق بمجرد الحاجة إلى مركز عالمي يدرس مستقبل الإسلام والمسلمين، بل أصبحت مرتبطة بطبيعة الدور الذي يطمح العالم الإسلامي إلى استعادته في القرن الحادي والعشرين. فالأمم التي تسعى إلى التأثير في مسار التاريخ لا تكتفي بإدارة حاضرها أو التفاعل مع أحداث يومها، وإنما تبني مؤسسات قادرة على قراءة المستقبل واستشراف تحولاته وتوجيه طاقاتها نحو الأهداف الكبرى. ولهذا يصعب تصور مشروع جاد لاستئناف الحضارة الإسلامية أو بناء عالمية إسلامية جديدة دون وجود مؤسسة عالمية تمتلك القدرة على متابعة التحولات الدولية العميقة، وتحليل الاتجاهات الصاعدة، واستكشاف الفرص الكامنة، والتنبيه إلى المخاطر المحتملة، وصياغة الرؤى التي تساعد على تحويل الإمكانات المتاحة إلى مشروعات واقعية قابلة للتحقق.

فكما احتاجت الحضارات الكبرى عبر التاريخ إلى مراكز للعلم والفكر والتخطيط أسهمت في تشكيل رؤيتها للعالم وتحديد مساراتها المستقبلية، فإن أي مشروع معاصر لاستئناف الحضارة الإسلامية سيظل بحاجة إلى عقل استراتيجي عالمي يجمع بين المعرفة والاستشراف والتقدير الحضاري. عقل لا ينشغل فقط بإدارة الأزمات الآنية، بل يعمل على فهم التحولات الكبرى التي يعاد من خلالها تشكيل العالم، ويربط بين حاضر الأمة ومستقبلها، وبين مواردها الهائلة وطموحاتها الحضارية، وبين التحديات التي تواجهها والفرص التي يمكن أن تنقلها إلى مرحلة جديدة من الحضور والتأثير العالمي.

🔵 (٢) العالمية الإسلامية الثانية والحاجة إلى العقل الاستراتيجي

عندما يُطرح مفهوم “العالمية الإسلامية الثانية” فإن المقصود به لا يقتصر على اتساع رقعة المسلمين أو زيادة أعدادهم أو انتشار الإسلام في مناطق جديدة من العالم، بل يتعلق باستعادة القدرة على التأثير الحضاري العالمي بصورة تجعل العالم الإسلامي أحد الفاعلين الرئيسيين في تشكيل الأفكار والقيم والاتجاهات الكبرى في القرن الحادي والعشرين. فهناك فرق كبير بين الانتشار الديني بوصفه ظاهرة ديموغرافية أو عقدية، وبين الحضور الحضاري الذي يتمثل في القدرة على إنتاج المعرفة والقيم والمؤسسات والنماذج الملهمة، وبين التأثير العالمي الذي يجعل الأمة طرفًا مؤثرًا في صياغة مستقبل العالم لا مجرد متأثرة بما يصنعه الآخرون.

وقد أثبت التاريخ أن أي مشروع حضاري كبير لا يمكن أن ينجح اعتمادًا على الحماسة وحدها أو كثرة الموارد أو اتساع القاعدة البشرية، بل يحتاج إلى عقل استراتيجي قادر على فهم التحولات واستشراف المستقبل وتوجيه الطاقات نحو الأهداف الكبرى. فالرؤية تسبق الحركة، والمعرفة تسبق القرار، والاستشراف يسبق التخطيط، ولهذا كانت مراكز العلم والفكر والتخطيط جزءًا أصيلًا من تجارب النهوض الحضاري الكبرى. ومن هنا فإن أي حديث عن عالمية إسلامية ثانية يظل ناقصًا ما لم يرتبط ببناء مؤسسات متخصصة تمتلك القدرة على التفكير بعيد المدى وتحويل الإمكانات الكامنة إلى مشاريع عملية قابلة للتحقق.

🔵 (٣) الفراغ القائم في العالم الإسلامي

ورغم وجود مئات الجامعات والمراكز البحثية والمؤسسات الفكرية المنتشرة في أنحاء العالم الإسلامي، فإن المتابع يلاحظ وجود فراغ واضح في مجال دراسة مستقبل الإسلام والمسلمين على المستوى العالمي. فمعظم المؤسسات القائمة تنشغل بالقضايا السياسية اليومية أو الشؤون المحلية أو الملفات الفكرية التقليدية، بينما تظل الدراسات المستقبلية والحضارية والاستراتيجية بعيدة عن الاهتمام الذي تستحقه.

ولا يعود ذلك إلى نقص الكفاءات أو ضعف القدرات العلمية فقط، بل إلى غياب مؤسسة عالمية متخصصة تجعل من مستقبل الإسلام والمسلمين موضوعها المركزي. فالعالم الإسلامي يفتقد اليوم جهة بحثية عالمية تعمل بصورة منهجية على دراسة التحولات الديموغرافية والثقافية والتكنولوجية والسياسية التي ستؤثر في أوضاع المسلمين خلال العقود القادمة، وتقوم ببناء السيناريوهات والاستراتيجيات والرؤى اللازمة للتعامل معها.

ولهذا فإن ما يفتقده المجال الإسلامي اليوم ليس مجرد مركز أبحاث إضافي، بل عقل مؤسسي عالمي يتجاوز حدود الدول والأقاليم والانشغالات الآنية، ويعمل على فهم المسارات التاريخية العميقة التي تعيد تشكيل العالم الإسلامي والعالم من حوله.

🔵 (٤) لماذا أصبح المركز ضرورة تاريخية؟

تزداد أهمية هذا المركز في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم. فالثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي يعيدان تشكيل الاقتصاد والتعليم والإعلام والعلاقات الاجتماعية بصورة غير مسبوقة. كما أن التغيرات الديموغرافية تجعل مراكز الثقل الإسلامي تنتقل تدريجيًا نحو آسيا وإفريقيا، بينما يتزايد حضور الأقليات المسلمة في أوروبا وأمريكا الشمالية ومناطق أخرى من العالم.

وفي الوقت نفسه تشهد المجتمعات البشرية تحولات ثقافية وقيمية عميقة تتعلق بالهوية والأسرة والدين والمعنى والخصوصية الحضارية. وهذه التحولات لن تؤثر فقط في المجتمعات الغربية، بل ستنعكس بصورة مباشرة على المجتمعات الإسلامية داخل العالم الإسلامي وخارجه.

كما أن التغيرات الجيوسياسية الجارية، وصعود قوى جديدة، وإعادة تشكيل النظام الدولي، تفرض أسئلة جديدة حول موقع المسلمين في العالم ومستقبل علاقاتهم بالقوى الدولية المختلفة. وكل هذه المتغيرات تحتاج إلى مؤسسة قادرة على رصدها وتحليلها وتقدير آثارها ومساعدة النخب وصناع القرار على التعامل معها بصورة واعية ومدروسة.

🔵 (٥) المجالات التي ينبغي أن يدرسها المركز

ولكي يؤدي هذا المركز دوره الحقيقي، فإنه ينبغي أن يتعامل مع مستقبل الإسلام والمسلمين بوصفه موضوعًا متعدد الأبعاد يتجاوز الحدود التقليدية للتخصصات الأكاديمية. فهو يحتاج إلى دراسة مستقبل الإسلام عالميًا، وتحولات المجتمعات الإسلامية، واتجاهات التدين والهوية، والتحولات الديموغرافية التي تعيد تشكيل الخريطة الإسلامية عالميًا.

كما ينبغي أن يهتم بدراسة مستقبل الحركات الإسلامية، وتحولات العمل الإسلامي، والعلاقة بين الإسلام والدولة والمجتمع في البيئات المختلفة. ويجب أن يكون حاضرًا بقوة في دراسة أثر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي على المجتمعات الإسلامية، وأن يبحث في موقع المسلمين داخل الاقتصاد العالمي الجديد.

ويكتسب أيضًا دراسة علاقة الإسلام بالنظام الدولي أهمية متزايدة، إضافة إلى متابعة أوضاع الأقليات المسلمة في مختلف أنحاء العالم، ورصد التحولات الحضارية والثقافية الكبرى التي قد تؤثر في مستقبل الإسلام عالميًا. فالمطلوب ليس مجرد متابعة الأحداث، بل بناء رؤية متكاملة تساعد العالم الإسلامي على الانتقال من موقع التفاعل مع التحولات إلى موقع المشاركة في توجيهها وصناعة جزء من مستقبلها.

🔵 (٦) استشراف مراكز الثقل الإسلامي القادمة

لا يمكن لمركز عالمي مختص بمستقبل شؤون الإسلام أن يؤدي دوره دون أن يدرس بعمق التحولات الجغرافية والديموغرافية التي تعيد تشكيل خريطة العالم الإسلامي. فمراكز الثقل الإسلامي لم تعد محصورة في المشرق العربي أو العواصم التاريخية التقليدية، بل بدأت تتوزع بصورة أوسع بين آسيا الإسلامية وإفريقيا الإسلامية والجاليات المسلمة في أوروبا وأمريكا الشمالية. وهذا التحول يفرض قراءة جديدة لمستقبل الإسلام لا تعتمد فقط على التاريخ، بل على اتجاهات السكان والتعليم والاقتصاد والهجرة والتكنولوجيا وحركة الأفكار.

فآسيا الإسلامية تمثل اليوم أحد أكبر خزانات القوة البشرية والاقتصادية في العالم الإسلامي، من إندونيسيا وماليزيا إلى باكستان وتركيا وآسيا الوسطى. أما إفريقيا الإسلامية فهي مرشحة لأن تصبح أحد أهم مراكز الثقل الإسلامي خلال العقود القادمة بسبب النمو السكاني الواسع، واتساع الحضور الديني، والموارد الطبيعية، والموقع الاستراتيجي. وفي المقابل تمثل أوروبا المسلمة وأمريكا الشمالية مجالًا مختلفًا للتأثير، حيث تتشكل أجيال مسلمة جديدة تعيش داخل مراكز القرار الغربي وتملك فرصًا مهمة في الإعلام والجامعات والسياسة والاقتصاد والتكنولوجيا.

ولهذا فإن السؤال لم يعد: أين كان مركز الإسلام تاريخيًا؟ بل أين ستكون مراكز التأثير الإسلامي خلال العقود القادمة؟ وكيف يمكن الاستعداد لهذا التحول عبر التعليم، وبناء القيادات، وربط الجاليات، وتطوير المؤسسات، وحماية الهوية، وتحويل الانتشار السكاني إلى حضور حضاري مؤثر؟

🔵 (٧) رصد الفرص والتحديات

تزداد الحاجة إلى مركز عالمي من هذا النوع لأن مستقبل الإسلام لن يتشكل في بيئة ساكنة، بل داخل عالم مليء بالفرص والتحديات المتداخلة. فهناك فرص كبيرة أمام الصعود الإسلامي، من بينها اتساع الحضور الديموغرافي للمسلمين، وتنامي البحث العالمي عن المعنى والهوية، وتراجع جاذبية كثير من النماذج المادية الصرفة، وصعود العالم غير الغربي، واتساع الفضاء الرقمي الذي كسر احتكار الرواية والإعلام.

لكن في المقابل توجد تحديات خطيرة تتعلق بالهوية والاندماج والإسلاموفوبيا والتحولات الثقافية العميقة والرقمنة وتأثير الذكاء الاصطناعي وإعادة تشكيل الوعي عبر المنصات الكبرى. كما أن التحولات الجيوسياسية قد تفتح فرصًا للاستقلال والتعاون، لكنها قد تنتج أيضًا صراعات واستقطابات جديدة تجعل العالم الإسلامي ساحة للتنافس الدولي بدل أن يكون طرفًا فاعلًا فيه.

ومن هنا تظهر أهمية الرصد المبكر والتحليل العميق. فالمركز المطلوب لا يكتفي بتسجيل الظواهر بعد وقوعها، بل يدرس اتجاهاتها ومآلاتها، ويسأل كيف يمكن تحويل التحديات إلى فرص، وكيف يمكن حماية الهوية دون الانغلاق، والاستفادة من الرقمنة دون الذوبان، ومواجهة الإسلاموفوبيا بخطاب معرفي وأخلاقي عالمي، وتوظيف التحولات الدولية لبناء موقع أكثر استقلالًا وفاعلية للمسلمين في العالم.

🔵 (٨) صناعة الرؤية الاستراتيجية للأمة

تحتاج الأمة اليوم إلى الانتقال من عقلية ردود الأفعال إلى عقلية صناعة المستقبل. فكثير من الجهد الإسلامي خلال العقود الماضية انشغل بالاستجابة للأزمات بعد وقوعها، بينما بقي التفكير الاستشرافي طويل المدى محدودًا وضعيف التأثير. ولهذا فإن أحد أهم أدوار المركز العالمي المقترح أن يساعد على بناء رؤية استراتيجية للأمة، لا بوصفها خطابًا عامًا، بل بوصفها عملية معرفية منظمة تقوم على جمع المعلومات، وتحليل الاتجاهات، وبناء السيناريوهات، وتقدير المآلات، وتحديد الأولويات.

فصناعة المستقبل تحتاج إلى قدرة على تخيل الاحتمالات قبل وقوعها، والاستعداد للفرص قبل أن تضيع، والتحذير من المخاطر قبل أن تتحول إلى كوارث. كما تحتاج إلى دعم صناع القرار والنخب الفكرية والسياسية والدعوية والاقتصادية بأدوات تحليل أكثر عمقًا من الانطباعات والمواقف السريعة. ومن هنا يصبح المركز بمثابة عقل جمعي استراتيجي يساعد الأمة على فهم ذاتها وفهم العالم، ويربط بين الرؤية والمعرفة والقرار والنهضة.

وهذا العقل الجمعي لا يلغي التعدد داخل الأمة، بل ينظمه ويوجهه نحو أهداف كبرى مشتركة. فالعالم الإسلامي واسع ومتنوع، ولا يمكن اختزاله في رؤية واحدة ضيقة، لكنه يحتاج إلى مساحات تفكير مشتركة تساعد على بناء الحد الأدنى من الفهم الاستراتيجي الجامع حول المستقبل والمصالح الكبرى ومصادر القوة ومخاطر المرحلة.

🔵 (٩) المركز بوصفه منصة عالمية للنخب الإسلامية

من أهم وظائف هذا المركز أن يتحول إلى منصة عالمية تجمع العقول الإسلامية المتنوعة في مشروع معرفي واحد. فالأمة تمتلك علماء ومفكرين وباحثين وخبراء تكنولوجيا واقتصاديين ومتخصصين في العلاقات الدولية والإعلام والسياسة والاجتماع، لكن هذه الطاقات غالبًا ما تعمل بصورة متفرقة، أو داخل دوائر محلية محدودة، أو تحت ضغط الانقسامات الفكرية والسياسية.

ومن هنا تأتي أهمية بناء مؤسسة قادرة على جمع هذه العقول داخل أطر بحثية ومشروعات مشتركة وبرامج استشرافية عابرة للحدود. فالعالمية الإسلامية الثانية لا يمكن أن تقوم بعقل محلي أو رؤية مجزأة، بل تحتاج إلى تفاعل واسع بين خبرات المسلمين في الشرق والغرب، وبين العلماء الشرعيين والمفكرين الحضاريين وخبراء التكنولوجيا والاقتصاد والسياسة والعلاقات الدولية.

وإذا نجح المركز في أداء هذا الدور، فإنه لن يكون مجرد مؤسسة بحثية تقليدية، بل سيتحول إلى مساحة لإنتاج الرؤية الجامعة، وبناء اللغة المشتركة بين النخب الإسلامية، وتوجيه الطاقات العلمية والفكرية نحو أسئلة المستقبل الكبرى. وبذلك يمكن أن يسهم في نقل التفكير الإسلامي من التشتت إلى التكامل، ومن الانفعال إلى التخطيط، ومن المحلي الضيق إلى الأفق العالمي الواسع.

🔵 (١٠) دور المركز في دعم العالمية الإسلامية الثانية

إذا كانت العالمية الإسلامية الثانية تعني استعادة قدرة الأمة على التأثير في حركة العالم من خلال المعرفة والقيم والاقتصاد والتكنولوجيا والنموذج الحضاري، فإن تحقيق هذا الهدف يحتاج إلى مؤسسة تمتلك القدرة على التفكير في المستقبل بقدر ما تمتلك القدرة على فهم الحاضر. ومن هنا يمكن أن يؤدي المركز العالمي المقترح دورًا محوريًا في دعم مشروع الاستئناف الحضاري الإسلامي، ليس باعتباره مؤسسة أكاديمية تقليدية، بل باعتباره عقلًا استراتيجيًا يعمل على إنتاج الرؤية والمعرفة وتوجيه الأولويات وربط الإمكانات المتاحة بالأهداف الكبرى.

فالمركز يمكن أن يسهم في إنتاج المعرفة اللازمة لفهم التحولات العالمية وموقع المسلمين داخلها، كما يمكنه أن يساعد على بناء رؤية استراتيجية مشتركة تتجاوز حدود الدول والجماعات والانقسامات الفكرية الضيقة. ومن خلال دراساته وتقاريره وسيناريوهاته يستطيع أن يلفت الانتباه إلى الفرص الصاعدة قبل أن تتحول إلى واقع، وأن يحذر من المخاطر قبل أن تصبح أزمات يصعب احتواؤها.

كما يمكن أن يلعب دورًا مهمًا في إعداد القيادات والنخب القادرة على إدارة المرحلة القادمة، وربط الأجيال الجديدة بأسئلة المستقبل بدل الاكتفاء بالانشغال بصراعات الماضي. وإلى جانب ذلك يستطيع أن يوفر الدعم المعرفي للمشروعات الحضارية الكبرى في مجالات التعليم والتكنولوجيا والاقتصاد والإعلام والثقافة والعلاقات الدولية، بحيث تتحول هذه المشروعات إلى أجزاء من رؤية كلية متكاملة لا إلى جهود متفرقة ومنعزلة.

وعندما ينجح المركز في الجمع بين الاستشراف والبحث والتقدير الاستراتيجي وصناعة الرؤية، فإنه يتحول تدريجيًا إلى ما يشبه العقل الاستراتيجي للعالم الإسلامي، أي المؤسسة التي تساعد الأمة على فهم ذاتها وفهم العالم، وعلى الانتقال من ردود الأفعال إلى صناعة المستقبل.

🔵 (١١) الهيكل المقترح للمركز

ولكي يؤدي المركز هذا الدور بصورة فعالة، فإنه يحتاج إلى هيكل علمي ومرن يجمع بين التخصص والتكامل. ويأتي في مقدمة وحداته قسم الدراسات المستقبلية الذي يتولى بناء السيناريوهات ورصد الاتجاهات الكبرى وتحليل مآلات التحولات العالمية. كما تبرز أهمية وحدة التحولات الدولية التي تتابع التغيرات الجيوسياسية وموازين القوى والصراعات الدولية وتأثيرها في العالم الإسلامي.

ويحتاج المركز كذلك إلى وحدة متخصصة في دراسة المجتمعات الإسلامية وتحولاتها الديموغرافية والثقافية والاجتماعية، إضافة إلى وحدة تعنى بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لرصد آثار الثورة الرقمية على المجتمعات الإسلامية ومستقبل القوة العالمية. كما تبرز الحاجة إلى وحدة للاقتصاد والتنمية تدرس أوضاع الاقتصادات الإسلامية وفرص التكامل والصعود الاقتصادي.

ويكتمل البناء بوحدة متخصصة في شؤون الأقليات المسلمة حول العالم، وأخرى للمؤشرات الحضارية تقيس اتجاهات القوة والضعف والصعود والتراجع داخل المجال الإسلامي، إضافة إلى وحدة للسيناريوهات والتقدير الاستراتيجي تتولى بناء التصورات المستقبلية وتقديمها للنخب والمؤسسات وصناع القرار.

🔵 (١٢) نماذج عالمية يمكن الاستفادة منها

لا يبدأ هذا المشروع من فراغ، فالعالم يمتلك خبرات واسعة في مجال التفكير الاستراتيجي والاستشراف. فالولايات المتحدة بنت جانبًا مهمًا من قوتها العالمية من خلال شبكة واسعة من مراكز الدراسات التي ساهمت في فهم العالم وصناعة السياسات وتوجيه القرار. كما أن الصين اعتمدت بصورة متزايدة على المؤسسات البحثية والاستراتيجية في دعم مشروعها الصاعد وتحديد أولوياتها بعيدة المدى.

وفي الهند لعبت المؤسسات الفكرية دورًا مهمًا في الربط بين الهوية الوطنية والتحولات الدولية ومتطلبات التنمية. أما أوروبا فقد طورت مدارس متقدمة في الاستشراف والدراسات المستقبلية وتحليل السيناريوهات. وليس المطلوب استنساخ هذه التجارب أو تقليدها، بل الاستفادة من خبراتها في بناء مؤسسات تمتلك الاستقلالية والكفاءة والقدرة على الربط بين المعرفة وصناعة القرار.

والدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من هذه التجارب هو أن الأمم التي تفكر في المستقبل بصورة منظمة تكون أكثر قدرة على التأثير فيه، وأن المعرفة الاستراتيجية ليست ترفًا أكاديميًا بل أحد مصادر القوة الفعلية في العصر الحديث.

🔵 (١٣) العقبات والتحديات

ومع أهمية هذا المشروع، فإن تأسيس مركز عالمي من هذا النوع سيواجه عددًا من التحديات. ويأتي التمويل في مقدمة هذه التحديات، لأن الدراسات المستقبلية والاستراتيجية تحتاج إلى استمرارية واستقلال مالي يسمح لها بالعمل بعيدًا عن الضغوط الآنية.

كما تمثل الاستقلالية الفكرية والمؤسسية تحديًا آخر، إذ لا يمكن لمركز يسعى إلى بناء رؤية طويلة المدى أن يتحول إلى أداة لصراعات سياسية أو أيديولوجية ضيقة. ويضاف إلى ذلك تحدي الوصول إلى البيانات والمعلومات الدقيقة، خاصة في البيئات التي تعاني ضعف الشفافية أو محدودية قواعد المعلومات.

ومن العقبات المهمة أيضًا ضعف ثقافة الدراسات المستقبلية داخل كثير من المؤسسات الإسلامية، حيث ما تزال القضايا الآنية تستهلك الجزء الأكبر من الاهتمام. كما أن الانقسامات الفكرية والسياسية قد تعيق أحيانًا بناء مشروعات معرفية جامعة تتجاوز الاستقطابات التقليدية.

لكن تجاوز هذه العقبات ممكن إذا توافرت الإرادة والرؤية والقدرة على بناء مؤسسة عالمية تتعامل مع المستقبل بوصفه قضية مشتركة تتجاوز الخلافات الجزئية والمصالح الضيقة.

🔵 (١٤) القراءة الاستراتيجية العامة

تكشف قراءة واقع العالم الإسلامي وتحولاته أن أكبر فجوة يعاني منها ليست فقط فجوة القوة أو الاقتصاد أو التكنولوجيا، بل فجوة الرؤية المستقبلية. فالأمم الكبرى لا تتحرك بعفوية، ولا تبني مواقعها الدولية اعتمادًا على ردود الأفعال، بل عبر مؤسسات تفكير واستشراف قادرة على قراءة الاتجاهات العميقة وصياغة السيناريوهات وتحديد الأولويات وبناء الاستراتيجيات طويلة المدى.

ولهذا فإن أي حديث عن استئناف حضاري أو عالمية إسلامية ثانية يظل ناقصًا ما لم يصاحبه بناء مؤسسات متخصصة قادرة على فهم التحولات واستشراف المستقبل وصناعة المعرفة اللازمة للتعامل معه. كما أن التحولات الدولية الراهنة تفرض على العالم الإسلامي الانتقال من عقلية التفاعل مع الأحداث إلى عقلية صناعة المستقبل، وهو ما يجعل وجود مركز عالمي مختص بمستقبل الإسلام والمسلمين ضرورة استراتيجية تتعلق بقدرة الأمة على فهم ذاتها والعالم من حولها، والاستعداد لدور أكثر تأثيرًا في القرن الحادي والعشرين.

🔵 (١٥) الخلاصة

إن العالمية الإسلامية الثانية تحتاج إلى عقل استراتيجي بقدر حاجتها إلى الموارد والقوة والإمكانات البشرية. فالتاريخ يعلمنا أن الحضارات لا تبنى فقط بالثروات أو الطاقات الكامنة، بل بالقدرة على فهم المستقبل والاستعداد له. ومن هنا يمكن لمركز عالمي مختص بمستقبل الإسلام والمسلمين أن يصبح أحد أهم مؤسسات الاستئناف الحضاري الإسلامي، لأنه يوفر للأمة ما تحتاجه من رؤية ومعرفة واستشراف في مرحلة تتسارع فيها التحولات بصورة غير مسبوقة.

كما أن نجاح أي مشروع نهضوي طويل المدى يظل مرتبطًا بالاستشراف قبل الحركة، وبالمعرفة قبل القرار، وبالرؤية قبل التنفيذ. ولهذا فإن بناء المعرفة المستقبلية ليس نشاطًا فكريًا إضافيًا، بل أحد الشروط الأساسية لبناء الحضارة نفسها. وكلما اقترب العالم الإسلامي من استعادة دوره العالمي وازدادت طموحاته الحضارية، ازدادت حاجته إلى مؤسسة عالمية تراقب التحولات، وتستكشف الفرص، وتحذر من المخاطر، وتساعد على بناء الرؤية الجامعة التي تربط بين حاضر الأمة ومستقبلها، وبين إمكاناتها الكبرى ورسالتها الحضارية في العالم.

🟦 توصيات مركز حريات

(1) العمل على تأسيس مركز عالمي مستقل يعنى باستشراف مستقبل الإسلام والمسلمين بوصفه أحد المشروعات الاستراتيجية الضرورية لمرحلة الاستئناف الحضاري.

(2) الانتقال من هيمنة الدراسات السياسية الآنية إلى بناء مدارس بحثية متخصصة في الدراسات المستقبلية والحضارية والاستراتيجية طويلة المدى.

(3) تطوير قواعد بيانات ومؤشرات دورية ترصد التحولات الديموغرافية والثقافية والسياسية والاقتصادية المؤثرة في مستقبل العالم الإسلامي.

(4) بناء شبكة عالمية من الباحثين والخبراء والمفكرين والمتخصصين في التكنولوجيا والاقتصاد والعلاقات الدولية للعمل ضمن مشروع معرفي إسلامي مشترك.

(5) تنشيط الدراسات المتعلقة بمراكز الثقل الإسلامي الصاعدة في آسيا وإفريقيا وأوروبا والأمريكتين، واستشراف أدوارها المستقبلية.

(6) دعم البحوث الخاصة بعلاقة الإسلام بالتحولات التكنولوجية الكبرى، وخاصة الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي والثورة المعرفية الجديدة.

(7) إعداد تقارير وسيناريوهات استراتيجية دورية تساعد النخب والمؤسسات وصناع القرار على فهم الاتجاهات العالمية والاستعداد لها.

(😎 تشجيع بناء جيل جديد من الباحثين يمتلك أدوات الدراسات المستقبلية والاستراتيجية إلى جانب المعرفة الشرعية والحضارية.

(9) تنشيط التعاون بين الجامعات ومراكز التفكير والمؤسسات البحثية في العالم الإسلامي لتكوين بيئة معرفية أكثر تكاملًا وتأثيرًا.

(10) تحويل قضية مستقبل الإسلام والمسلمين من موضوع فكري محدود إلى مجال مؤسسي دائم يحظى بالاهتمام والتخطيط والاستثمار المعرفي المستمر.

(11) ربط الدراسات المستقبلية بالمشروعات الحضارية الكبرى للأمة، بحيث تصبح المعرفة أداة لتوجيه الحركة والبناء لا مجرد نشاط أكاديمي منفصل عن الواقع.

(12) التأكيد على أن استعادة الحضور الحضاري العالمي للإسلام لن تتحقق بالموارد البشرية والمادية وحدها، بل تحتاج إلى عقل استراتيجي عالمي قادر على قراءة التحولات، واستشراف المستقبل، وبناء الرؤية الجامعة التي تربط بين إمكانات الأمة ورسالتها ودورها في العالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى