الشيخ أحمد المحلاوي – منبر الإسكندرية وصوت الأمة بين الدعوة والمواجهة السياسية

![]()
“الشيخ أحمد المحلاوي – منبر الإسكندرية وصوت الأمة بين الدعوة والمواجهة السياسية”
قراءة تحليلية – استراتيجية في تجربة الشيخ أحمد المحلاوي ودوره في تشكيل الوعي الإسلامي والشعبي في مصر
ضمن سلسلة: علماء ودعاة غيروا وجه مصر ووجهتها في سبعينات القرن العشرين
مركز حريات للدراسات السياسية والاستراتيجية – 2026
⸻
الملخص
يتناول هذا الإصدار تجربة الشيخ أحمد المحلاوي بوصفه أحد أبرز الرموز الدعوية والشعبية التي أسهمت في إعادة تشكيل المجال الديني والجماهيري في مصر خلال سبعينات القرن العشرين وما بعدها. فقد تحوّل مسجد القائد إبراهيم في الإسكندرية على يديه إلى واحد من أهم منابر التأثير الإسلامي والشعبي، حيث امتزج فيه الوعظ الديني بقضايا الأمة والسياسة والهوية والحرية، ليصبح المسجد مركزًا لصناعة الوعي والتعبئة المجتمعية لا مجرد مساحة للعبادة التقليدية.
ويرصد الإصدار كيف استطاع المحلاوي أن يجمع بين الخطاب الدعوي التقليدي والحضور السياسي المباشر، محافظًا على صورة العالم القريب من الناس، المرتبط بقضاياهم اليومية وهموم الأمة الكبرى. كما يناقش دوره في دعم الصحوة الإسلامية في الجامعات والشارع المصري، ومواقفه من قضايا فلسطين والاستبداد السياسي والثورات العربية، إلى جانب حضوره المؤثر بعد ثورة يناير، حين برز كأحد الأصوات الدينية الداعمة للحراك الشعبي والانتقال السياسي.
كما يتوقف الإصدار عند طبيعة خطابه الجماهيري القائم على البساطة والوضوح والجرأة، وعلاقته بالحركات الإسلامية والتيارات السلفية والإخوانية، فضلًا عن موقعه في تطور العلاقة بين العلماء والمجال العام في مصر الحديثة.
ويخلص الإصدار إلى أن الشيخ أحمد المحلاوي لم يكن مجرد خطيب مسجد مؤثر، بل مثّل نموذجًا للعالم الذي أعاد وصل الدعوة بالحياة العامة، وجعل من المسجد مساحةً لتشكيل الوعي الشعبي، ومن الخطاب الديني أداةً للحفاظ على هوية الأمة والدفاع عن قضاياها في لحظات التحول الكبرى.
(1) تمهيد – لماذا الشيخ أحمد المحلاوي؟
يحتل الشيخ أحمد المحلاوي موقعًا خاصًا في تاريخ الدعوة الإسلامية المعاصرة في مصر، لأنه لم يكن مجرد خطيبٍ تقليدي أو واعظٍ محلي، بل تحوّل إلى أحد أبرز الرموز الشعبية التي أعادت للمسجد دوره بوصفه مركزًا للتوجيه والتعبئة وصناعة الوعي العام. وقد ارتبط اسمه بمدينة الإسكندرية ارتباطًا عميقًا، حتى أصبح مسجد القائد إبراهيم أحد أهم رموز الحضور الإسلامي الجماهيري في سبعينات وثمانينات القرن العشرين.
تكمن أهمية المحلاوي في أنه مثّل نموذجًا مختلفًا للعالم والداعية؛ فقد جمع بين بساطة الخطاب وقوة التأثير، وبين المرجعية الدينية والحضور المباشر في قضايا الأمة والمجتمع. لم يكن خطابه منعزلًا عن الواقع، بل كان شديد الارتباط بقضايا الناس اليومية، وبالتحولات السياسية والفكرية التي عاشتها مصر والعالم الإسلامي.
وقد برز دوره بقوة في مرحلة الصحوة الإسلامية، حيث ساهم عبر خطبه ودروسه ومواقفه في تشكيل وعي شريحة واسعة من الشباب والطبقات الشعبية، وربط التدين بقضايا الهوية والحرية والعدالة والدفاع عن الأمة. ومن هنا، تحوّل مسجد القائد إبراهيم إلى فضاء جماهيري واسع يتجاوز الوظيفة التعبدية التقليدية، ليصبح منبرًا سياسيًا واجتماعيًا وثقافيًا مؤثرًا.
كما اكتسبت تجربته أهمية إضافية بعد ثورة يناير 2011، حين عاد حضوره إلى الواجهة باعتباره أحد الأصوات الدينية الداعمة للحراك الشعبي، وهو ما جعله جزءًا من النقاش الأوسع حول دور العلماء في المجال العام، وحدود العلاقة بين الدعوة والسياسة، وموقع المسجد في لحظات التحول التاريخي.
ولهذا، فإن دراسة تجربة أحمد المحلاوي لا تتعلق فقط بسيرة داعية مؤثر، بل بقراءة مرحلة كاملة من تطور العلاقة بين الدين والمجتمع والسياسة في مصر الحديثة، وفهم الكيفية التي استطاع بها بعض العلماء أن يتحولوا إلى رموز شعبية تتجاوز حدود المؤسسة التقليدية إلى فضاء الأمة الأوسع.
(2) حياته وسيرته الشخصية – من أروقة الأزهر إلى منبر القائد إبراهيم
وُلِد الشيخ أحمد المحلاوي عام 1925، في مرحلة كانت مصر والعالم الإسلامي يمران خلالها بتحولات سياسية وفكرية كبرى، وعاش حتى وفاته عام 2024، بعد رحلة دعوية طويلة امتدت لما يقرب من قرن كامل، شهد خلالها تحولات الدولة المصرية، وصعود وهبوط التيارات الإسلامية، وتبدل خرائط السياسة والمجتمع في المنطقة.
وينتمي الشيخ أحمد المحلاوي إلى الجيل الأزهري الذي تشكّل وعيه في ظل الحضور القوي للمؤسسة الدينية التقليدية، حيث تلقّى تعليمه الشرعي في الأزهر الشريف، ودرس علوم الفقه والتفسير والحديث واللغة العربية، فاكتسب تكوينًا علميًا تقليديًا منح شخصيته قدرًا كبيرًا من الرسوخ والارتباط بالمرجعية الإسلامية الكلاسيكية. غير أن تجربته لم تتوقف عند حدود الدراسة الأكاديمية، بل انتقلت سريعًا إلى المجال الجماهيري، حيث وجد في الخطابة والدعوة وسيلة للتأثير المباشر في الناس والاشتباك مع قضايا المجتمع والأمة.
ومع توليه الخطابة في مسجد القائد إبراهيم بمدينة الإسكندرية، بدأت المرحلة الأبرز في مسيرته الدعوية، حيث تحوّل المسجد مع الوقت إلى واحد من أهم المنابر الإسلامية حضورًا وتأثيرًا في الحياة العامة المصرية، لا سيما خلال عقود الصحوة الإسلامية. فقد استطاع المحلاوي أن يبني علاقة استثنائية مع الجمهور السكندري، مستندًا إلى لغة بسيطة واضحة، وحضور وجداني قريب من الناس، وقدرة لافتة على الربط بين الدين والواقع السياسي والاجتماعي للأمة.
ومن هنا لم يعد مجرد إمام مسجد أو خطيب تقليدي، بل أصبح أحد أبرز الأصوات الإسلامية الشعبية في الإسكندرية ومصر لعقود طويلة، وارتبط اسمه بجيل كامل من أبناء الصحوة الإسلامية الذين وجدوا في خطبه تعبيرًا عن التدين المرتبط بالهوية والكرامة وقضايا الأمة.
كما عُرف الشيخ المحلاوي بمواقفه الصريحة والجريئة في القضايا العامة، سواء فيما يتعلق بفلسطين، أو مقاومة الاستبداد، أو الدفاع عن الثورات الشعبية، وهو ما جعله حاضرًا بقوة داخل المجال العام، لا بوصفه داعية وعظيًا فقط، بل رمزًا من رموز الخطاب الإسلامي الشعبي الذي جمع بين الدعوة والهمّ العام والاشتباك مع قضايا الأمة الكبرى.
(3) التكوين العلمي – الأزهر وصناعة الخطاب الوسطي المؤثر
تشكّل التكوين العلمي للشيخ أحمد المحلاوي داخل المؤسسة الأزهرية التي كانت تمثل أحد أهم مراكز إنتاج المعرفة الدينية في العالم الإسلامي. وقد درس الفقه وأصوله، واكتسب من خلاله القدرة على فهم الأحكام الشرعية وربطها بمقاصدها وسياقاتها، كما تلقّى علوم التفسير والقرآن والحديث، وهو ما منحه خلفية علمية راسخة انعكست لاحقًا في خطابه الدعوي وخطبه الجماهيرية.
لكن أهمية هذا التكوين لا تكمن فقط في طبيعته العلمية، بل في الروح الأزهرية الوسطية التي أثّرت في شخصيته ومنهجه. فقد حمل المحلاوي ملامح المدرسة الأزهرية التقليدية القائمة على الاعتدال، واحترام التراث، والانفتاح النسبي على المجتمع، دون انغلاقٍ فقهي أو تشددٍ فكري. ولهذا، بدا خطابه قريبًا من الناس، قادرًا على مخاطبة مختلف الشرائح الاجتماعية بلغة دينية مفهومة ومباشرة.
كما امتاز بقدرته على الجمع بين العلم الشرعي والخطاب الجماهيري، وهي سمة لم تكن متوفرة لدى كثير من العلماء التقليديين. فلم يكن حضوره العلمي منفصلًا عن الواقع، بل كان يوظف معارفه الدينية في معالجة قضايا الناس ومشكلاتهم وتحولات المجتمع، وهو ما منح خطابه بعدًا عمليًا حيًا، وجعل المسجد مساحة تفاعل يومي مع قضايا الأمة لا مجرد مكان للوعظ التقليدي.
(4) المصادر الفكرية والمعرفية
استند التكوين الفكري والمعرفي للشيخ أحمد المحلاوي إلى مجموعة من المصادر التي منحت خطابه طابعه الأزهري الشعبي المرتبط بالواقع والمجتمع. فقد كان القرآن الكريم والسنة النبوية المصدر المركزي في بناء رؤيته الدعوية، حيث اعتمد على النصوص الشرعية في معالجة قضايا العقيدة والأخلاق والمجتمع والسياسة، وربط بينها وبين الواقع اليومي للناس.
كما تأثر بعمق بالتراث الأزهري التقليدي، الذي منح شخصيته العلمية ملامح الوسطية والاعتدال، وربطه بسلسلة طويلة من العلماء والخطباء الذين جمعوا بين العلم الشرعي والخطاب الجماهيري المؤثر. وقد بدا هذا التأثير واضحًا في طريقته في الاستدلال، وفي لغته القريبة من الناس، وفي اعتماده على المنهج الوعظي المرتبط بالتوجيه والإصلاح.
وشكّلت كتب الفقه التقليدي أحد أهم مراجع تكوينه العلمي، حيث استند إلى التراث الفقهي في فهم الأحكام والقضايا العامة، لكنه لم يبق حبيس الإطار الأكاديمي، بل عمل على تبسيط هذه المعارف وتقديمها في صورة أقرب إلى الجمهور العام.
إلى جانب ذلك، لعبت الخبرة الدعوية الطويلة دورًا مهمًا في تشكيل خطابه، إذ لم يكن نتاج دراسة نظرية فقط، بل نتاج احتكاك يومي بالمجتمع وقضاياه وتحولاته، وهو ما أكسبه حسًا جماهيريًا واضحًا وقدرة على قراءة المزاج الشعبي والتفاعل معه.
كما تأثر خطابه بالواقع السياسي المصري وتحولاته، خاصة ما شهدته مصر من صراعات فكرية وسياسية منذ السبعينات وحتى ما بعد ثورة يناير، وهو ما جعله أكثر حضورًا في المجال العام، وأكثر ارتباطًا بقضايا الحرية والهوية والعدالة والاحتجاج الشعبي.
(5) المشروع الدعوي – حين تحوّل المنبر إلى مساحة لصناعة الوعي
تميّز المشروع الدعوي للشيخ أحمد المحلاوي بقدرته على تحويل المسجد من فضاء تعبدي إلى مركز تأثير مجتمعي واسع. فقد أدرك مبكرًا أن الخطبة ليست مجرد موعظة أخلاقية، بل أداة لتوجيه الجماهير وصناعة الوعي وربط الناس بقضايا دينهم وأمتهم، ولذلك منح للمنبر دورًا يتجاوز التذكير الفردي إلى الحضور المباشر في المجال العام.
وقد ارتبط مشروعه الدعوي بالربط المستمر بين الدين والواقع، حيث لم يكن يفصل بين التدين وقضايا المجتمع والسياسة والهوية والعدالة. فكانت خطبه تتناول هموم الناس اليومية، وتربطها بالقيم الإسلامية الكبرى، وهو ما جعل جمهوره يشعر أن المسجد ليس معزولًا عن حياتهم، بل حاضرًا في تفاصيلها وتحولاتها.
كما لعبت الخطبة عنده دورًا تعبويًا واضحًا، إذ تحولت إلى وسيلة لتوجيه الرأي العام الشعبي، خاصة في لحظات الأزمات السياسية أو القضايا المرتبطة بالأمة الإسلامية. وقد انعكس ذلك في مواقفه الداعمة لفلسطين، وفي خطابه الرافض للاستبداد، وفي دفاعه المتكرر عن الهوية الإسلامية في مواجهة مشاريع التغريب أو الإقصاء.
ومن هنا، لم يكن حضوره في القضايا السياسية الكبرى خروجًا عارضًا عن الدعوة، بل جزءًا من تصوره لوظيفة العالم والداعية، الذي يرى أن الدين ينبغي أن يبقى حاضرًا في المجال العام، وأن المسجد لا ينفصل عن قضايا الأمة وتحولاتها المصيرية.
وفي هذا السياق، كان الشيخ أحمد المحلاوي من الأصوات الإسلامية التي أبدت قدرًا من التحفظ تجاه الانشغال الحزبي الضيق أو اختزال المشروع الإسلامي في التنافس السياسي المباشر. فرغم تأييده لمشاركة الإسلاميين في الشأن العام ورفضه لعزل الدين عن السياسة، فإنه كان يميل إلى إعطاء الأولوية للدعوة والتربية وصناعة الوعي الشعبي، باعتبارها الأساس الحقيقي لأي نهضة أو تغيير حقيقي.
وقد عكس هذا الموقف رؤية أوسع لدى جيل من الدعاة والعلماء الذين رأوا أن بناء الإنسان المسلم، وترسيخ الهوية الإسلامية، والحفاظ على التدين الشعبي، تمثل مهام أكثر عمقًا واستدامة من الانشغال بالصراع الحزبي اليومي. ولذلك ظل المحلاوي أقرب إلى نموذج “الداعية القائد” المرتبط بالجمهور والحركة المجتمعية، أكثر من كونه رجل تنظيم أو حزب سياسي بالمعنى التقليدي.
ومع ذلك، لم يكن موقفه رفضًا مطلقًا لفكرة الأحزاب السياسية، بقدر ما كان تحذيرًا من أن تتحول الأحزاب إلى سبب للانقسام والصراع داخل الصف الإسلامي، أو أن يؤدي الانشغال بالمنافسة السياسية إلى إضعاف الوظيفة الدعوية والتربوية للمسجد والعالم والداعية. ولهذا ظل حريصًا على أن يبقى منبره مساحة جامعة للناس بمختلف اتجاهاتهم، ومركزًا للحفاظ على حضور الإسلام في الوعي الشعبي والمجال العام.
(5) أهم ملامح فكره وخطابه – بين البساطة والجرأة والتأثير الشعبي
تقوم ملامح خطاب الشيخ أحمد المحلاوي على مزيج من الوعظ الديني التقليدي والحضور السياسي والاجتماعي المباشر. فقد احتفظ بخطاب دعوي وعظي قريب من الناس، يعتمد على التذكير الديني والتأثير الوجداني، لكنه في الوقت نفسه لم ينعزل عن القضايا العامة، بل جعل من المنبر مساحة للتفاعل مع هموم المجتمع والأمة.
ومن أبرز سمات خطابه الحضور السياسي الواضح، حيث لم يتردد في إبداء مواقفه من الأحداث الكبرى، سواء في ما يتعلق بالقضايا العربية والإسلامية أو الشأن المصري الداخلي. وقد منح هذا الحضور لخطابه طابعًا جماهيريًا مؤثرًا، جعله يتجاوز حدود المسجد إلى المجال العام الأوسع.
كما ارتبط اسمه بالدفاع عن قضايا الأمة، خاصة فلسطين، حيث مثّلت القضية الفلسطينية جزءًا ثابتًا من خطابه، بوصفها قضية هوية وكرامة ووعي حضاري، لا مجرد ملف سياسي عابر. ولهذا، ظل صوته حاضرًا في لحظات الأزمات والتحولات الكبرى التي عاشها العالم الإسلامي.
وامتاز خطابه أيضًا بالبساطة والوضوح، إذ كان يخاطب الناس بلغة مباشرة بعيدة عن التعقيد، وهو ما ساعد على انتشاره وتأثيره الشعبي الواسع. كما عُرف بقدرٍ كبير من الجرأة في الطرح والمواقف، خاصة في مواجهة السلطة أو في التعبير عن مواقفه من قضايا الحرية والظلم والاستبداد.
وقد ظل الثبات أحد أبرز السمات المرتبطة بشخصيته، حيث حافظ على حضوره ومواقفه رغم التحولات السياسية والضغوط المختلفة، وهو ما جعله بالنسبة لكثيرين نموذجًا للعالم المرتبط بالناس وبقضايا الأمة، والقادر على الجمع بين الدعوة والتأثير الشعبي والموقف المبدئي.
(6) المفاهيم المركزية في خطابه
تمحور خطاب الشيخ أحمد المحلاوي حول مجموعة من المفاهيم التي شكّلت البنية الأساسية لرؤيته الدعوية والاجتماعية والسياسية، وجعلت من منبره مساحة لصناعة وعي ديني مرتبط بقضايا الأمة والناس.
في مقدمة هذه المفاهيم برز مفهوم “الأمة”، حيث لم يكن ينظر إلى الإسلام باعتباره شأنًا فرديًا معزولًا، بل رابطة حضارية وجماعية تتجاوز الحدود الضيقة، وتربط المسلمين بقضاياهم الكبرى ومصيرهم المشترك. ولهذا، ظل حضور فلسطين وقضايا العالم الإسلامي جزءًا ثابتًا من خطابه.
كما احتلت “الشريعة” موقعًا محوريًا في رؤيته، ليس بوصفها منظومة أحكام جامدة فقط، بل باعتبارها إطارًا ينظم حياة المجتمع ويحفظ قيم العدل والهوية والاستقرار الأخلاقي. وقد ارتبط حديثه عن الشريعة بالدفاع عن حضور الدين في المجال العام، ورفض عزله عن حياة الناس وتحولات المجتمع.
وفي جانب الإصلاح، تبنى خطابًا يربط بين إصلاح الفرد وإصلاح المجتمع، حيث رأى أن التغيير الحقيقي يبدأ من بناء الوعي والقيم والالتزام الأخلاقي، لكنه لا ينفصل في الوقت ذاته عن مواجهة الظلم والفساد والانحراف العام.
كما برز في خطابه دفاع واضح عن الفقراء والطبقات البسيطة، حيث تعامل مع العدالة الاجتماعية باعتبارها جزءًا أصيلًا من الرسالة الإسلامية، لا قضية سياسية طارئة. فقد ربط بين التدين الحقيقي والانحياز للمستضعفين، ورفض أن يتحول الدين إلى خطابٍ منفصل عن معاناة الناس الاقتصادية والاجتماعية. ولذلك، كثيرًا ما حضر في خطبه الحديث عن حقوق الفقراء، ورفض الاحتكار والفساد والظلم الاجتماعي، مؤكدًا أن المجتمع الذي تتسع فيه الفجوة بين الأغنياء والفقراء يفقد جزءًا من توازنه الأخلاقي والإنساني.
أما “الحرية”، فقد حضرت في خطابه بوصفها جزءًا من الكرامة الإنسانية التي يدافع عنها الإسلام، ولذلك ارتبطت مواقفه بالدفاع عن حق الناس في التعبير والاحتجاج ورفض القهر والاستبداد، خاصة في لحظات التحولات الكبرى التي شهدتها مصر.
وفي المقابل، شكّل مفهوم “الظلم” أحد أكثر المفاهيم حضورًا في خطبه، حيث تعامل معه باعتباره خطرًا يهدد المجتمع والأمة، وربطه بالاستبداد السياسي، والفساد، والعدوان على حقوق الناس، وهو ما منح خطابه بعدًا احتجاجيًا واضحًا.
كما أكد باستمرار على “المسؤولية”، سواء مسؤولية العالم تجاه المجتمع، أو مسؤولية الناس تجاه دينهم وأمتهم، معتبرًا أن الصمت أمام الانحراف أو الظلم يمثل تراجعًا عن الواجب الشرعي والأخلاقي.
أما “النصرة”، فكانت تعبيرًا عن التزامه بقضايا الأمة، حيث ارتبط خطابه بالدعوة إلى نصرة المظلومين والدفاع عن قضايا المسلمين، وربط التدين الحقيقي بالشعور بالمسؤولية تجاه آلام الأمة وتحدياتها.
(7) صدامه مع السادات واعتقاله
دخل الشيخ أحمد المحلاوي في حالة صدام متصاعد مع نظام الرئيس أنور السادات خلال النصف الثاني من السبعينات، مع تحوّل حضوره الدعوي في الإسكندرية إلى ظاهرة جماهيرية واسعة التأثير. فلم يعد مسجد القائد إبراهيم مجرد مساحة للوعظ التقليدي، بل أصبح منبرًا يناقش قضايا المجتمع والسياسة والهوية، ويربط بين الدين والواقع بصورة مباشرة، وهو ما منح خطابه حضورًا قويًا داخل الشارع السكندري والمصري.
وقد ارتبط هذا الصدام بعدة ملفات أساسية، كان أبرزها رفضه لسياسات الانفتاح الاقتصادي التي رأى أنها عمّقت الفوارق الاجتماعية وأضعفت الطبقات الفقيرة، إلى جانب انتقاده المتكرر لحالة الفساد والتراجع القيمي داخل المجتمع. كما كان من الأصوات الإسلامية البارزة التي عارضت اتفاقية كامب ديفيد وسياسات التطبيع مع إسرائيل، حيث اعتبر أن الصلح المنفرد مع الاحتلال يمثل تراجعًا عن قضايا الأمة المركزية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، وخروجًا على المزاج الشعبي والإسلامي العام. وقد انعكس هذا الموقف بوضوح في خطبه التي حملت لهجة حادة تجاه السياسات الإقليمية للنظام في تلك المرحلة.
ومع اتساع تأثيره الشعبي، بدأت السلطة تنظر إلى المنابر الجماهيرية المؤثرة باعتبارها مصدرًا محتملاً للاحتجاج والتعبئة، خاصة في ظل تصاعد الغضب السياسي والاجتماعي أواخر عهد السادات. وقد مثّل المحلاوي نموذجًا للداعية الذي تجاوز حدود الدور الديني التقليدي إلى التأثير المباشر في المجال العام، وهو ما وضعه في دائرة المواجهة مع السلطة.
كما أن الثقة الكبيرة التي حظي بها لدى قطاعات واسعة من التيارات الإسلامية الشبابية، وخاصة داخل أوساط الجماعة الإسلامية في تلك المرحلة، جعلته حاضرًا ضمن التصورات التي كانت تُطرح لمستقبل التغيير السياسي في مصر. فقد كان الشيخ أحمد المحلاوي يُنظر إليه باعتباره أحد الرموز الدعوية والعلمية القادرة على منح أي مشروع تغييري غطاءً شرعيًا وشعبيًا واسعًا، بسبب حضوره الجماهيري الكبير ومكانته داخل الوعي الإسلامي العام.
وفي هذا السياق، طُرح اسمه ضمن التصور الذي كان قد أعدّه عبود الزمر والجماعة الإسلامية لما عُرف لاحقًا بخطة التغيير، والتي كانت تستهدف إحداث انتقال سياسي شامل في مصر عام 1983، عبر تشكيل إدارة انتقالية تُسند إلى مجلس من العلماء والرموز الإسلامية والوطنية ذات القبول الشعبي. وقد كان المحلاوي ضمن الأسماء المطروحة داخل هذا التصور بوصفه أحد المكونات الأساسية لذلك المجلس، نظرًا لما كان يتمتع به من ثقة وتأثير واسع داخل الشارع الإسلامي والشعبي.
غير أن الشيخ أحمد المحلاوي — بطبيعة الحال — لم يكن على علم بهذه التصورات التنظيمية أو التفاصيل المرتبطة بها، كما أن الخطة الأصلية نفسها لم تكن تقوم على اغتيال السادات، بل كانت تستهدف — وفق تصور القائمين عليها — تهيئة ظروف تغيير سياسي أوسع في توقيت لاحق. إلا أن حملة اعتقالات سبتمبر 1981 الواسعة، التي شنها السادات ضد مختلف رموز المعارضة الإسلامية والوطنية والفكرية، أدت إلى إجهاض تلك الترتيبات والتعجيل الاستثنائي بخيار الاغتيال، الذي لم يكن ضمن التصور الأصلي لخطة التغيير.
وفي سبتمبر 1981، كان الشيخ أحمد المحلاوي واحدًا من أبرز الرموز التي استهدفتها حملة الاعتقالات الواسعة التي شنّها الرئيس أنور السادات ضد طيف واسع من المعارضين الإسلاميين والوطنيين والمثقفين، في واحدة من أكثر لحظات الصدام السياسي احتقانًا في تاريخ مصر الحديث. ولم يقتصر الأمر على الاعتقال الأمني، بل تعرّض كذلك لهجوم سياسي وإعلامي عنيف من السادات نفسه، في محاولة لتشويه الأصوات الرافضة لسياسات السلطة واحتواء موجة الغضب المتصاعدة داخل المجتمع.
وقد مثّلت تلك اللحظة نقطة مفصلية في مسيرته، إذ تحوّل في نظر قطاعات واسعة من المصريين إلى رمز للصمود في مواجهة السلطة، وصوت دعوي وشعبي تمسك بمواقفه رغم الضغوط والاستهداف. كما أسهمت تجربة الاعتقال في ترسيخ حضوره داخل الوعي الإسلامي والشعبي، وربط اسمه بمرحلة الصدام الكبرى بين الدولة والتيارات الإسلامية، وهي المرحلة التي أعادت تشكيل العلاقة بين المجال الدعوي والسلطة السياسية لعقود لاحقة.
(
المحلاوي والثورة – حين تحوّل المنبر إلى ساحة شعبية
برز حضور الشيخ أحمد المحلاوي بصورة لافتة خلال ثورة يناير 2011، حيث تحوّل مسجد القائد إبراهيم بالإسكندرية إلى أحد أهم مراكز الحشد والتعبئة الشعبية في المدينة. فقد كان حضوره خلال تلك المرحلة امتدادًا طبيعيًا لمسيرته الطويلة في ربط الدعوة بقضايا المجتمع، لكنه اكتسب بعدًا أكثر وضوحًا مع انفجار الحراك الشعبي في مصر.
وقد دعم المطالب الشعبية بصورة مباشرة، وارتبط خطابه بالدفاع عن حق الناس في الحرية والكرامة والعدالة، وهو ما جعل حضوره يتجاوز الدور التقليدي للخطيب أو الإمام إلى موقع أقرب إلى الرمز الشعبي المرتبط بالحراك الجماهيري.
في تلك اللحظة، لم يعد المسجد مجرد مكان للصلاة والخطابة، بل تحوّل إلى مركز تجمع سياسي واجتماعي، تستقبل ساحاته الحشود والفعاليات والاعتصامات، وهو ما جعل مسجد القائد إبراهيم أحد أبرز الرموز المرتبطة بالمشهد الثوري في الإسكندرية.
كما تفاعل المحلاوي بصورة مستمرة مع الأحداث السياسية المتسارعة، حيث ظل خطابه حاضرًا في النقاشات العامة المتعلقة بالثورة، والانتقال السياسي، وقضايا الهوية والدولة والحرية، وهو ما عزز مكانته لدى قطاعات واسعة من الشارع السكندري.
وقد عكس هذا الحضور طبيعة العلاقة الخاصة التي ربطته بالمجتمع السكندري، حيث لم يكن مجرد خطيب معروف، بل شخصية مرتبطة بالوجدان الشعبي للمدينة، وهو ما منح تأثيره طابعًا جماهيريًا ممتدًا خلال لحظات التحول والأزمات.
(9) أبرز إسهاماته
ترك الشيخ أحمد المحلاوي أثرًا واضحًا في الحياة الدعوية والاجتماعية والسياسية في مصر، خاصة داخل مدينة الإسكندرية، حيث ارتبط اسمه لعقود طويلة بحركة الدعوة الإسلامية والوعي الديني الشعبي.
ومن أبرز إسهاماته دوره الكبير في نشر الدعوة الإسلامية داخل الإسكندرية، عبر خطبه ودروسه وحضوره المستمر في المجال العام، حيث أسهم في إعادة ربط قطاعات واسعة من المجتمع بالخطاب الديني المرتبط بالهوية والقيم وقضايا الأمة.
كما أثّر في أجيال متعددة من المصلين والشباب الذين وجدوا في خطابه نموذجًا للداعية القريب من الناس، القادر على الجمع بين الوعظ الديني والاهتمام بقضايا المجتمع والتحولات السياسية.
ولم يقتصر حضوره على المجال الدعوي، بل امتد إلى المشاركة في الحراك الشعبي، خاصة خلال لحظات التحول الكبرى، حيث ارتبط اسمه بالدفاع عن قضايا الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية ورفض الظلم، وهو ما منحه مكانة خاصة داخل الوجدان الشعبي السكندري خاصة والمصري عامة.
أما أبرز ما ميّز تجربته، فكان نجاحه في تحويل المسجد إلى منبر مؤثر في المجال العام، بحيث أصبح مسجد القائد إبراهيم واحدًا من أهم رموز التأثير الشعبي والديني والسياسي في مصر خلال العقود الأخيرة، وهو ما جعل تجربته نموذجًا واضحًا لدور العلماء والدعاة في تشكيل الوعي المجتمعي في لحظات التحولات الكبرى.
(10) سمات شخصيته
تميّزت شخصية الشيخ أحمد المحلاوي بمجموعة من السمات التي منحت حضوره الدعوي والجماهيري قوةً خاصة، وجعلته واحدًا من أكثر الشخصيات تأثيرًا في المجال الديني والشعبي بمدينة الإسكندرية خلال العقود الأخيرة.
في مقدمة هذه السمات برزت “الجرأة”، حيث عُرف بخطابه الصريح ومواقفه الواضحة في القضايا العامة، فلم يكن يميل إلى الغموض أو المواربة، بل عبّر بصورة مباشرة عن رؤيته تجاه القضايا السياسية والاجتماعية التي شغلت الرأي العام، وهو ما منحه حضورًا قويًا لدى قطاعات واسعة من الناس.
كما امتلك قدرًا كبيرًا من “الكاريزما الجماهيرية”، التي جعلت منبره قادرًا على جذب الآلاف، ليس فقط بسبب المادة العلمية أو الخطابية، بل أيضًا بسبب حضوره الشخصي المؤثر وطريقته القريبة من الوجدان الشعبي، وهو ما ساعده على بناء علاقة خاصة مع جمهوره.
ومن السمات اللافتة كذلك “القرب من الناس”، إذ لم يكن داعيةً منعزلًا عن المجتمع أو متعاليًا عليه، بل ظل مرتبطًا بقضايا الناس اليومية وهمومهم العامة، وهو ما جعل خطابه يبدو أكثر صدقًا وتأثيرًا في نظر قطاعات واسعة من المجتمع السكندري.
أما “الصراحة”، فقد كانت جزءًا أساسيًا من صورته العامة، حيث عُرف بتعبيراته المباشرة وانتقاداته الواضحة، سواء تجاه الأوضاع السياسية أو الاجتماعية أو القضايا المرتبطة بالشأن العام، وهو ما أكسبه احترام مؤيديه، وأثار في الوقت نفسه جدلًا لدى خصومه.
وفي مختلف المراحل، ظل “الثبات” أحد أبرز ملامح شخصيته، حيث حافظ على حضوره الدعوي ومواقفه العامة رغم الضغوط والتحولات السياسية المتعاقبة، وهو ما عزز صورته لدى كثير من أنصاره باعتباره نموذجًا للداعية الذي يتمسك بقناعاته ولا يتراجع عنها بسهولة.
(11) نطاق التأثير – من الإسكندرية إلى مصر
ارتبط تأثير الشيخ أحمد المحلاوي بصورة أساسية بمدينة الإسكندرية، حيث تحوّل مسجد القائد إبراهيم إلى أحد أبرز مراكز التأثير الديني والجماهيري في المدينة، وأصبح اسمه حاضرًا بقوة في الوجدان الشعبي السكندري عبر عقود طويلة من الخطابة والدعوة والتفاعل مع القضايا العامة.
وقد كان تأثيره في الإسكندرية استثنائيًا من حيث الامتداد والاستمرارية، إذ تجاوز حدود المسجد إلى المجال الاجتماعي والسياسي والثقافي، وأصبح جزءًا من المشهد العام للمدينة، خاصة في لحظات التوتر والتحولات الكبرى.
لكن حضوره لم يبق محصورًا داخل الإسكندرية، بل امتد إلى المشهد المصري الأوسع، خاصة مع تصاعد دوره الإعلامي والسياسي خلال العقود الأخيرة، حيث بات اسمه معروفًا لدى قطاعات واسعة من المصريين باعتباره أحد أبرز رموز الخطاب الإسلامي الجماهيري.
كما امتلك تأثيرًا جماهيريًا واسعًا، ارتبط بقدرته على مخاطبة الناس بلغة بسيطة ومباشرة، تجمع بين الوعظ الديني والاهتمام بالقضايا العامة، وهو ما جعله قريبًا من شرائح شعبية متعددة، لا من النخب فقط.
وقد بدا ارتباطه بالطبقات الشعبية واضحًا بصورة خاصة، حيث وجد فيه كثير من الناس نموذجًا للداعية القريب من همومهم اليومية، والمدافع عن قضاياهم الاجتماعية والسياسية، وهو ما منح تأثيره طابعًا شعبيًا ممتدًا يتجاوز الإطار الدعوي التقليدي.
(12) النقد والتقييم
رغم الحضور الجماهيري الكبير الذي حققه الشيخ أحمد المحلاوي، فإن تجربته لم تخلُ من الجدل والنقد، خاصة فيما يتعلق بطبيعة العلاقة بين الدعوة والعمل السياسي، ودور العلماء والخطباء في المجال العام.
فقد أثار حضوره السياسي الواضح نقاشًا واسعًا حول حدود انخراط الدعاة في القضايا السياسية، حيث رأى بعض المنتقدين أن الخطاب الديني ينبغي أن يظل بعيدًا عن التجاذبات السياسية المباشرة، بينما اعتبر كثيرون أن العالم لا يمكن أن ينفصل عن قضايا مجتمعه وأمته، وأن الصمت أمام التحولات الكبرى أو الظلم العام يمثل تراجعًا عن الوظيفة الأخلاقية والعلمية للعالم.
وفي هذا السياق، مثّلت تجربة المحلاوي دفاعًا عمليًا عن فكرة “العالم الحاضر في المجال العام”، لا العالم المنعزل داخل حدود الفتوى التقليدية. فقد كان يرى أن وظيفة العالم لا تقتصر على تعليم الأحكام الفردية، بل تشمل كذلك حماية القيم العامة، والدفاع عن هوية المجتمع، والانحياز لقضايا الناس، ومواجهة الظلم والانحراف حين يتحولان إلى خطر يهدد الأمة والمجتمع. ولهذا، لم يتعامل مع المسجد باعتباره مساحة تعبّد منفصلة عن الحياة، بل باعتباره منبرًا للتوجيه وصناعة الوعي وربط الدين بقضايا الواقع.
كما وُجّهت إليه انتقادات تتعلق بحدة الخطاب في بعض المواقف، خاصة خلال فترات الاستقطاب السياسي الحاد، حيث رأى بعض خصومه أن لغته كانت تميل أحيانًا إلى التصعيد أو المواجهة المباشرة، بينما رأى أنصاره أن تلك الحدة كانت انعكاسًا لطبيعة اللحظة السياسية والاجتماعية، ومحاولة للحفاظ على وضوح الموقف في أوقات الالتباس والتراجع.
غير أن تجربة المحلاوي كشفت في الوقت ذاته عن الإشكالية المعقدة المرتبطة بحضور العلماء في المجال العام؛ فكلما اقترب العالم من قضايا المجتمع والسياسة، ازدادت قدرته على التأثير، لكنه يصبح أيضًا أكثر عرضة للنقد والاستهداف والاستقطاب. وقد ظل المحلاوي منحازًا لفكرة أن العالم لا ينبغي أن يتحول إلى موظف ديني محايد تجاه قضايا الأمة، بل إلى شاهدٍ على عصره، يحمل همّ المجتمع، ويتفاعل مع تحولات الواقع، حتى وإن ترتب على ذلك قدر من الجدل أو الكلفة السياسية.
وفي المقابل، اتفق كثيرون على قوته الكبيرة في التأثير الجماهيري، إذ استطاع أن يحوّل الخطبة الدينية إلى مساحة تفاعل حي مع المجتمع، وأن يحافظ على حضور شعبي ممتد لعقود، وهو ما جعله واحدًا من أكثر الخطباء تأثيرًا في المجال العام المصري.
كما تميزت تجربته بقدرته على ربط الدين بالواقع، حيث لم يتعامل مع الدعوة بوصفها خطابًا وعظيًا منفصلًا عن الحياة، بل باعتبارها جزءًا من معركة الوعي والقيم والهوية داخل المجتمع، وهو ما منح خطابه قوة وتأثيرًا استثنائيين، وجعل تجربته واحدة من أوضح النماذج التي عكست تحوّل بعض العلماء في مصر من مجرد خطباء مساجد إلى فاعلين مؤثرين في تشكيل الوعي العام خلال العقود الأخيرة.
(13) قراءة في التجربة
تكشف تجربة الشيخ أحمد المحلاوي عن عدد من الدلالات المهمة المتعلقة بدور العلماء والدعاة في المجال العام، وطبيعة العلاقة بين المسجد والمجتمع في لحظات التحولات الكبرى.
فقد أثبتت تجربته أن “المنبر” يمكن أن يتحول إلى أداة تأثير وتغيير مجتمعي، حين يرتبط بقضايا الناس وهمومهم، ويتجاوز حدود الخطاب الوعظي التقليدي إلى صناعة الوعي العام والتفاعل مع الأحداث.
كما أظهرت أن العالم القريب من الناس يكون أكثر قدرة على التأثير، لأن العلاقة المباشرة بالمجتمع تمنح الخطاب صدقيةً وقوةً لا توفرها المسافة أو الانعزال. وقد كان قرب المحلاوي من جمهوره أحد أهم أسباب حضوره الشعبي الممتد.
وأوضحت تجربته أيضًا أن التفاعل مع الأحداث والتحولات يزيد من حضور الداعية وتأثيره، لأن المجتمعات في لحظات الأزمات تبحث عن الأصوات القادرة على التوجيه والتعبير عن تطلعاتها ومخاوفها.
لكن التجربة تكشف في الوقت ذاته أن الجرأة في المجال العام، رغم ما تمنحه من تأثير وحضور، تحمل كذلك كلفة كبيرة، سواء على المستوى السياسي أو الاجتماعي، إذ تجعل صاحبها في مواجهة دائمة مع السلطة أو مع الخصوم الفكريين والسياسيين.
(14) الخلاصات الاستراتيجية
تكشف تجربة الشيخ أحمد المحلاوي عن أهمية المساجد بوصفها فضاءً مؤثرًا في تشكيل الوعي المجتمعي، حيث يمكن للمنبر أن يتحول إلى أداة توجيه وتعبئة وصناعة رأي عام، حين يمتلك الخطاب القدرة على التفاعل مع المجتمع وقضاياه.
كما تؤكد التجربة أن العلماء والدعاة يلعبون دورًا مهمًا في لحظات التحول الكبرى، خاصة حين ينجحون في الجمع بين المرجعية الدينية والحضور المجتمعي، بما يجعلهم جزءًا من حركة المجتمع لا مجرد مراقبين لها.
وتبرز كذلك قوة الخطاب الجماهيري القادر على مخاطبة الناس بلغة بسيطة ومباشرة، تربط بين الدين والواقع، وتجعل القضايا العامة جزءًا من الوعي الديني اليومي.
وفي المقابل، تكشف التجربة أهمية التوازن بين الدعوة والسياسة، لأن انخراط العلماء في المجال العام يمنحهم تأثيرًا واسعًا، لكنه يفرض عليهم أيضًا تحديات معقدة تتعلق بطبيعة الدور وحدوده.
كما تؤكد أن القرب من الناس يظل أحد أهم مفاتيح التأثير والاستمرار، لأن الجماهير غالبًا ما ترتبط بالشخصيات التي تشعر بأنها تعبّر عن همومها وتعيش قضاياها بصورة حقيقية.
(15) خاتمة
يمثل الشيخ أحمد المحلاوي نموذجًا بارزًا للداعية الجماهيري الذي ارتبط بقضايا المجتمع والأمة، وجمع بين الخطاب الديني التقليدي والحضور المؤثر في المجال العام، وهو ما جعله أحد أبرز رموز الدعوة الإسلامية الشعبية في مصر خلال العقود الأخيرة.
وتعكس تجربته بوضوح الدور الذي يمكن أن يلعبه العلماء والدعاة في تشكيل الوعي المجتمعي، خاصة في لحظات التحولات السياسية والاجتماعية الكبرى، حيث يتحول المنبر أحيانًا إلى مساحة للتوجيه والتعبير عن تطلعات الناس وآمالهم.
كما أن تأثيره الممتد عبر عقود طويلة من الدعوة والخطابة يكشف عن أهمية الشخصية القادرة على الجمع بين العلم والقرب من الناس والجرأة في الموقف، وهو ما منح تجربته حضورًا خاصًا داخل الوجدان السكندري والمصري.
ومن هنا، فإن استعادة تجربة أحمد المحلاوي لا تتعلق فقط بالتأريخ لشخصية دعوية مؤثرة، بل تساعد أيضًا في فهم العلاقة المركبة بين الدين والمجتمع والسياسة في مصر الحديثة، ودور المنابر الدينية في صناعة الوعي والتأثير داخل المجال العام.
توصيات مركز حريات
(1) أهمية إعادة دراسة تجربة الشيخ أحمد المحلاوي بوصفها نموذجًا لفهم دور العلماء والدعاة في تشكيل الوعي المجتمعي خلال لحظات التحولات الكبرى في مصر المعاصرة.
(2) التأكيد على أن المسجد لا ينبغي أن يُختزل في الوظيفة التعبدية فقط، بل يمكن أن يكون فضاءً لبناء الوعي والقيم وتعزيز التماسك المجتمعي بصورة متوازنة ومسؤولة.
(3) دعم بناء خطاب دعوي يجمع بين التأصيل الشرعي وفهم الواقع، بحيث يكون أكثر قدرة على مخاطبة المجتمع والتفاعل مع قضاياه المتغيرة.
(4) تطوير برامج لإعداد الخطباء والدعاة تجمع بين العلوم الشرعية والمعرفة السياسية والاجتماعية والإعلامية، بما يرفع من جودة الحضور الدعوي في المجال العام.
(5) الاستفادة من تجربة المحلاوي في فهم أهمية القرب من الناس، وربط الدعوة باحتياجات المجتمع اليومية وقضاياه الفعلية بدل الخطاب المنعزل عن الواقع.
(6) تكريس حضور العلماء المستقلين القادرين على التعبير عن هموم المجتمع بعيدًا عن التوظيف الحزبي أو الاحتواء السلطوي، بما يحفظ للدعوة صدقيتها وتأثيرها.
(7) ترسيخ ثقافة التوازن بين الدعوة والسياسة، بحيث يظل الخطاب الديني محافظًا على وظيفته الإصلاحية والتربوية دون الانزلاق إلى الاستقطاب الحاد.
(
دعم الدراسات المتعلقة بدور المساجد والمنابر في تشكيل المجال العام المصري خلال العقود الأخيرة، لفهم علاقتها بالتحولات الاجتماعية والسياسية.
(9) تطوير خطاب جماهيري معاصر يحافظ على وضوحه وقربه من الناس، مع تجنب الانفعال أو الحدة التي قد تؤدي إلى زيادة الاستقطاب المجتمعي.
(10) الاستفادة من التجارب الدعوية الجماهيرية في الإسكندرية وغيرها لفهم آليات التأثير الشعبي، وكيفية بناء حضور ممتد داخل المجتمع.
(11) التأكيد على أهمية ربط الخطاب الديني بقضايا الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، باعتبارها جزءًا من الوعي الإسلامي العام لا قضايا منفصلة عنه.
(12) بناء منصات إعلامية ومجتمعية تُعيد تقديم النماذج الدعوية المؤثرة بصورة تحليلية وتوثيقية، بما يساعد الأجيال الجديدة على فهم تطور الخطاب الإسلامي في مصر.
(13) تشجيع الخطاب الدعوي الذي يعزز وحدة المجتمع ويبتعد عن الانقسامات الضيقة، مع الحفاظ على حضور القضايا الكبرى للأمة داخل الوعي العام.
(14) الاستثمار في إنتاج محتوى رقمي وتوثيقي حول الشخصيات الدعوية المؤثرة في مصر الحديثة، بما يحفظ الذاكرة الدعوية ويتيح قراءتها بصورة علمية وتحليلية.
(15) ترسيخ فكرة أن التأثير الحقيقي للداعية لا يرتبط فقط بالخطابة أو الشهرة، بل بقدرته على بناء الثقة مع الناس، والاستمرار في الحضور الأخلاقي والمجتمعي عبر الزمن.
———
المصادر
(1) أرشيف خطب ودروس الشيخ أحمد المحلاوي بمسجد القائد إبراهيم بالإسكندرية، والمتاح عبر: إسلام ويب – صوتيات الشيخ أحمد المحلاوي
(2) مقال: “الشيخ المحلاوي.. رحيل داعية أفقد الرئيس السادات صوابه”
بصحيفة الجزيرة نت ويتضمن قراءة في مسيرته الدعوية والسياسية وعلاقته بصدامه مع نظام السادات.
(3) حوارات الشيخ أحمد المحلاوي وشهاداته حول اعتقالات سبتمبر والصدام مع السادات، إخوان أونلاين – الشيخ المحلاوي: المعلم حمامة أنقذني في السجن من زبانية السادات
(4) الدراسات والكتابات المتعلقة بتاريخ الصحوة الإسلامية في مصر خلال السبعينات والثمانينات.
(5) المراجع الخاصة بالحركة الإسلامية المصرية والجماعة الإسلامية وتحولات العمل الإسلامي في الجامعات والمساجد.
(6) شهادات ووثائق ومذكرات قيادات الحركة الإسلامية في مصر حول أحداث السبعينات، واعتقالات سبتمبر 1981، وخطط التغيير السياسي في تلك المرحلة.
(7) الدراسات المتعلقة بدور مسجد القائد إبراهيم في تشكيل الوعي الإسلامي والسياسي بمدينة الإسكندرية.
(
أرشيف الصحف والمجلات المصرية والعربية التي تناولت خطب الشيخ المحلاوي، ومواقفه من كامب ديفيد، والثورة الفلسطينية، وقضايا الهوية والاستبداد.
(9) الدراسات الفكرية المتعلقة بعلاقة الدعوة بالمجال العام، ودور العلماء والدعاة في التأثير السياسي والاجتماعي.
(10) الكتابات التحليلية حول الصحوة الإسلامية في مصر، والحضور الشعبي للتيارات الإسلامية، ودور المنابر الدعوية غير الرسمية في إعادة تشكيل التدين المجتمعي خلال النصف الثاني من القرن العشرين.
(14) شهادات طلاب الشيخ وتلامذته، ومنهم صفوت حجازي، ومحمد إسماعيل المقدم، وغيرهم ممن تأثروا بمدرسته الدعوية.
(15) أرشيف المواد المرئية والصوتية الخاصة بالشيخ أحمد المحلاوي على المنصات الرقمية وصفحاته الرسمية وغير الرسمية.



