جيل Z والثورات الرقمية الجديدة – قراءة مقارنة في سريلانكا ونيبال وبنجلادش والمغرب

![]()
“جيل Z والثورات الرقمية الجديدة – قراءة مقارنة في سريلانكا ونيبال وبنجلادش والمغرب”
من الشارع إلى المنصة.. كيف يصنع الشباب موجات الاحتجاج المتنقلة؟
دراسة في أسباب الصعود، وحدود النجاح، ودلالات التحول الجيلي في الاحتجاجات المعاصرة
قراءة تحليلية – سياسية – اجتماعية – رقمية – استراتيجية
مركز حريات للدراسات السياسية والاستراتيجية – 2026
———-
الملخص
تكشف حركات “جيل Z” في سيرلانكا ونيبال وبنجلاديش والمغرب عن صعود جيل جديد يعيد تشكيل المجال السياسي والاجتماعي عبر أدوات رقمية وشبكية تختلف جذريًا عن أدوات الأجيال السابقة. فهذه الحركات لم تنطلق من الأيديولوجيات الكبرى، بل من قضايا الحياة اليومية مثل البطالة، والفساد، وارتفاع الأسعار، وتراجع الخدمات، وغياب العدالة والكرامة.
وقد نجحت هذه الحركات في كسر حاجز الخوف، وفرض مطالبها على المجال العام، وإرباك الأنظمة والنخب التقليدية، مستفيدة من قوة المنصات الرقمية مثل “تيك توك” و”إنستجرام” و”ديسكورد” و”إكس”، التي تحولت من وسائل تواصل إلى أدوات تعبئة وتنظيم وصناعة سرديات سياسية جديدة.
وتكشف التجارب المختلفة أن “جيل Z” يتميز بسرعة التعبئة، ورفض الوصاية، وضعف الثقة بالأحزاب والمؤسسات التقليدية، مع ميل واضح إلى الحركات اللامركزية والقيادة الموزعة. كما أن هذا الجيل أكثر حساسية تجاه قضايا الكرامة والشفافية والعدالة الاجتماعية، وأقل ارتباطًا بالخطابات السياسية التقليدية.
لكن هذه الحركات واجهت في المقابل تحديات كبيرة، أهمها ضعف التنظيم، وغياب البديل السياسي، وصعوبة الانتقال من الاحتجاج إلى بناء مشروع مستقر قادر على إدارة الدولة والمؤسسات. فنجحت بعض الحركات في إسقاط حكومات أو إرباك السلطة، لكنها لم تتمكن من إنتاج بديل سياسي متماسك.
كما تكشف الدراسة أن الأنظمة التي تفشل في فهم هذا الجيل أو التعامل مع مطالبه تواجه خطر اتساع الفجوة بينها وبين الشباب، خاصة في ظل البيئة الرقمية المفتوحة التي تجعل من الصعب احتواء الغضب أو إخفاء الفساد أو التحكم الكامل في المجال العام.
وفي المقابل، تحتاج المعارضة السياسية والقوى المجتمعية إلى تطوير خطاب جديد يقوم على الشراكة مع الشباب لا الوصاية عليهم، ويربط بين الحرية والعدالة والخدمات والكرامة، مع بناء أدوات تنظيمية أكثر مرونة وقدرة على التفاعل مع البيئة الرقمية الجديدة.
وتخلص الدراسة إلى أن حركات “جيل Z” ليست مجرد موجات غضب عابرة، بل تعبير عن تحول أعمق في شكل السياسة والوعي والعمل الجماعي في العصر الرقمي، وأن مستقبل كثير من الدول سيتأثر بقدرة الأنظمة والمعارضة معًا على فهم هذا الجيل والتفاعل مع تطلعاته وأسئلته وأدواته المختلفة.
(1) التمهيد – جيل جديد يدخل السياسة من بوابة الغضب
يشهد العالم خلال السنوات الأخيرة صعود جيل جديد من الحركات الاحتجاجية تقوده فئات الشباب المنتمي إلى ما يُعرف بـ “جيل Z”، وهو الجيل الذي وُلد ونشأ داخل بيئة رقمية وشبكية، وتشكل وعيه السياسي والاجتماعي عبر المنصات والتطبيقات أكثر مما تشكل داخل الأحزاب والمؤسسات التقليدية. وقد بدا هذا الجيل، في عدد متزايد من الدول، بوصفه فاعلًا احتجاجيًا جديدًا يمتلك أدوات مختلفة، ولغة مختلفة، ونظرة مختلفة إلى السياسة والسلطة والمجتمع.
ففي دول مثل سيرلانكا وبنجلاديش ونيبال والمغرب ظهرت موجات احتجاج شبابية حملت سمات مشتركة واضحة، رغم اختلاف البيئات السياسية والثقافية. فلم تعد التعبئة تعتمد فقط على الأحزاب أو النقابات أو القيادات الكلاسيكية، بل أصبحت المنصات الرقمية نفسها مجالًا للتنظيم والحشد وصناعة الخطاب وتوجيه الغضب الجماعي.
ويبدو أن القاسم المشترك الأهم بين هذه النماذج يتمثل في شعور قطاعات واسعة من الشباب بأن المستقبل يُغلق أمامهم تدريجيًا؛ بطالة مرتفعة، وخدمات عامة متدهورة، وفساد مزمن، واتساع الفجوة بين حياة النخب وواقع المجتمعات، إضافة إلى الإحساس بأن المؤسسات التقليدية لم تعد قادرة على تمثيلهم أو التعبير عن أولوياتهم اليومية.
كما لعبت البيئة الرقمية دورًا حاسمًا في إعادة تشكيل الوعي السياسي لهذا الجيل. فالشباب اليوم يقارنون أوضاعهم بصورة لحظية مع مجتمعات أخرى عبر “تيك توك” و”إنستجرام” و”ديسكورد” و”إكس” وغيرها، مما ضاعف الإحساس بالحرمان، ورفع سقف التوقعات، وعمّق الشعور بالغضب تجاه الأنظمة والنخب التقليدية.
وفي هذا السياق، تحولت المنصات الرقمية من مجرد أدوات تواصل إلى بدائل جزئية للأحزاب والنقابات والفضاءات السياسية التقليدية. فهي تمنح الشباب قدرة سريعة على التعبئة، وإنتاج السرديات، وكسر الاحتكار الإعلامي، وتجاوز القيود الأمنية والتنظيمية التي كانت تُضعف الاحتجاجات في السابق.
لكن هذا التحول يطرح سؤالًا مركزيًا بالغ الأهمية: هل تمثل حركات “جيل Z” مجرد موجات غضب عابرة مرتبطة بالأزمات الاقتصادية والاجتماعية المؤقتة؟ أم أننا أمام بداية تشكل نمط عالمي جديد من الفعل السياسي الشبابي، يعيد تعريف العلاقة بين المجتمع والدولة والسلطة والتنظيم في العصر الرقمي؟
(2) الإطار المفاهيمي – من هم “جيل Z” سياسيًا؟
لا يمكن فهم حركات “جيل Z” دون فهم الطبيعة الخاصة لهذا الجيل نفسه. فالأمر لا يتعلق فقط بفئة عمرية شابة، بل بجيل تشكل وعيه بالكامل تقريبًا داخل بيئة رقمية وشبكية متداخلة، حيث أصبحت الهوية والعلاقات والمعلومات والسياسة مرتبطة بالفضاء الإلكتروني بصورة غير مسبوقة.
ينتمي “جيل Z” إلى جيل اعتاد التدفق السريع للمعلومات، والتفاعل اللحظي، والتعبير الحر نسبيًا عبر المنصات، وهو ما جعله أقل ارتباطًا بالبنى التنظيمية الثقيلة، وأكثر ميلًا إلى الحركات المرنة والسريعة واللامركزية. ولذلك تبدو العلاقة بين الهوية الشبابية والمنصات الاجتماعية علاقة تأسيسية؛ فهذه المنصات ليست فقط أدوات يستخدمها الشباب، بل جزء من المجال الذي تتشكل داخله شخصياتهم ووعيهم ومواقفهم السياسية.
وقد أدى ذلك إلى تراجع الثقة بالأحزاب التقليدية والمؤسسات الرسمية في نظر قطاعات واسعة من هذا الجيل. فالكثير من الشباب ينظرون إلى الأحزاب بوصفها كيانات بيروقراطية متكلسة، مرتبطة بالنخب القديمة، وعاجزة عن تمثيل تطلعاتهم أو فهم لغتهم أو التعامل مع أولوياتهم اليومية.
ومن هنا ظهرت أنماط جديدة من الاحتجاج تقوم على اللامركزية والقيادة الموزعة بدل القيادة الفردية التقليدية. ففي كثير من هذه الحركات لا توجد قيادة واضحة أو هرم تنظيمي صارم، بل شبكات مرنة من النشطاء والمؤثرين والحسابات الرقمية والمجموعات الشبابية التي تتحرك بصورة متوازية وسريعة.
لكن هذا يفتح أيضًا فارقًا مهمًا بين “الحركة الشبابية” و”الحركة السياسية المنظمة”. فالحركة الشبابية قد تنجح في التعبئة وكسر الخوف وإرباك السلطة، لكنها لا تمتلك بالضرورة القدرة على بناء مشروع سياسي متكامل أو إدارة صراع طويل المدى أو إنتاج بدائل مؤسسية مستقرة.
ولهذا يمكن وصف “جيل Z” سياسيًا بأنه جيل سريع التعبئة، واسع الحضور الرقمي، مرتفع الحساسية تجاه الكرامة والحرية والشفافية، لكنه في الوقت نفسه يعاني من ضعف التنظيم المؤسسي، والحذر من القيادات التقليدية، وصعوبة الانتقال من الاحتجاج إلى البناء السياسي المستدام.
(3) الخلفية العالمية – لماذا انفجرت احتجاجات الشباب؟
لا يمكن فصل صعود احتجاجات “جيل Z” عن التحولات العالمية الكبرى التي شهدها العالم خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد جائحة كورونا وما تبعها من أزمات اقتصادية واجتماعية ونفسية عميقة. فقد كشفت تلك المرحلة هشاشة كثير من الأنظمة، وعمّقت فقدان الثقة بالحكومات والمؤسسات التقليدية، خصوصًا لدى الشباب.
ففي دول كثيرة، خرج الشباب من مرحلة كورونا ليجدوا أنفسهم أمام بطالة متزايدة، وارتفاع حاد في الأسعار، وتراجع في جودة الخدمات العامة، وتضخم اقتصادي يلتهم فرص الاستقرار والحياة الكريمة. ومع الوقت تحول الغضب الاقتصادي إلى غضب سياسي واجتماعي أوسع، خاصة حين بدا أن النخب الحاكمة ما تزال تعيش بعيدًا عن معاناة المجتمعات.
كما لعب الفساد وامتيازات الطبقات الحاكمة دورًا محوريًا في تغذية هذا الغضب. فجيل “Z” يرى بصورة يومية عبر المنصات كيف تتراكم الثروات والامتيازات لدى النخب، في مقابل تآكل الفرص لدى الأغلبية، وهو ما عمّق الإحساس بانعدام العدالة وغياب تكافؤ الفرص.
ومن العوامل المهمة أيضًا اتساع الفجوة بين “التطلعات الرقمية” و”الواقع الاقتصادي”. فالشباب يعيشون داخل عالم مفتوح يشاهدون فيه أنماط الحياة والفرص والنجاحات عالميًا، بينما يصطدمون في أوطانهم بواقع محدود ومغلق وعاجز عن الاستجابة لتوقعاتهم. وهذه المقارنة المستمرة خلقت شعورًا متزايدًا بالاختناق والحرمان.
وفي هذا السياق صعد خطاب جديد قائم على الكرامة والعدالة الاجتماعية والشفافية والمحاسبة بدل الشعارات الأيديولوجية الكبرى التقليدية. فالكثير من هذه الحركات لا تبدأ من قضايا فكرية معقدة، بل من مطالب يومية مرتبطة بالحياة نفسها: العمل، الخدمات، العدالة، محاربة الفساد، والحق في مستقبل طبيعي.
كما أن المنصات الرقمية ساهمت في نقل الاحتجاج من المجال المحلي الضيق إلى المجال العالمي المقارن؛ فالشباب في بنجلاديش أو المغرب أو سيرلانكا لم يعودوا يتحركون داخل عزلة وطنية، بل داخل فضاء عالمي يشاهدون فيه تجارب الاحتجاج والتغيير والتعبئة لحظة بلحظة.
ولهذا فإن انفجار احتجاجات “جيل Z” لا يبدو مجرد نتيجة لأزمة اقتصادية عابرة، بل تعبيرًا عن تحولات أعمق في علاقة الجيل الجديد بالدولة والسلطة والمجتمع والعمل والهوية والمستقبل.
(4) سريلانكا – من الأزمة الاقتصادية إلى إسقاط السلطة
مثّلت تجربة سيرلانكا عام 2022 واحدة من أوضح النماذج المبكرة لصعود الحركات الشبابية الحديثة بوصفها قوة احتجاجية قادرة على إرباك السلطة وإسقاط رأس النظام السياسي، حين تحولت الأزمة الاقتصادية الخانقة إلى انفجار شعبي واسع قاده الشباب بصورة أساسية.
فقد دخلت البلاد في واحدة من أسوأ أزماتها الاقتصادية منذ عقود، مع انهيار الاحتياطي النقدي، ونقص الوقود والغذاء والدواء، وارتفاع الأسعار بصورة غير مسبوقة، وعجز الدولة عن توفير الخدمات الأساسية. ومع تراكم الغضب الشعبي، بدأت موجات احتجاج واسعة ضد حكومة الرئيس “غوتابايا راجاباكسا” التي اتُهمت بالفساد وسوء الإدارة واحتكار السلطة.
وكان للشباب والمنصات الرقمية دور مركزي في هذه التعبئة. فقد تحولت وسائل التواصل إلى فضاء مفتوح للتنسيق ونقل الأخبار وصناعة الزخم الجماهيري، كما ساهمت في تجاوز القيود الإعلامية التقليدية، وربط الغضب الشعبي المتفرق داخل حركة احتجاج وطنية واسعة.
ومع تصاعد الضغط الشعبي، وصلت الاحتجاجات إلى ذروتها باقتحام القصر الرئاسي وهروب الرئيس من البلاد، في مشهد بدا للكثيرين انتصاراً تاريخياً لجيل جديد استطاع فرض إرادته على السلطة.
لكن التجربة السريلانكية كشفت في الوقت نفسه حدود هذا النجاح. فإسقاط رأس السلطة لم يؤدِ تلقائيًا إلى بناء بديل سياسي مستقر أو مشروع إصلاحي واضح. فقد بقيت الدولة تعاني أزماتها الرئيسية، واستمرت حالة الارتباك السياسي والاقتصادي، وظهر بوضوح أن القدرة على الاحتجاج لا تعني بالضرورة القدرة على الحكم أو إعادة بناء المؤسسات وفق أجندة جديدة.
ومن هنا تكمن دلالة النموذج السريلانكي، حين تتحول الأزمة المعيشية إلى انفجار سياسي واسع قادر على إسقاط السلطة، لكنه يواجه صعوبة كبيرة في الانتقال من لحظة الغضب إلى لحظة البناء السياسي المستدام.
(5) بنجلادش – من احتجاجات الحصص إلى إسقاط الحكم
مثّلت تجربة بنجلاديش واحدة من أكثر النماذج وضوحًا في قدرة حركات “جيل Z” على الانتقال من المطالب الجزئية إلى لحظة اشتباك سياسي شامل مع السلطة. فقد بدأت الاحتجاجات في يونيو عام 2024 بوصفها حركة طلابية تعترض على نظام الحصص في الوظائف الحكومية، والذي اعتبره كثير من الشباب تكريسًا لامتيازات سياسية وعائلية مرتبطة بالنخب الحاكمة، لكن سرعان ما تحولت الحركة إلى موجة غضب أوسع ضد الفساد والاستبداد واحتكار المجال السياسي.
وكانت الجامعات البنجلادشية هي القلب الحقيقي لهذا الحراك. فقد لعب الطلاب والشباب دورًا مركزيًا في قيادة الشارع، وتنظيم المظاهرات، وصناعة الخطاب الاحتجاجي، مستفيدين من المنصات الرقمية في الحشد والتنسيق وكسر الرواية الرسمية. ومع تصاعد الاحتجاجات، لم تعد القضية مرتبطة فقط بإصلاح إداري أو تعديل نظام الحصص، بل تحولت إلى رفض أوسع لبنية الحكم نفسها.
وقد تصاعدت المواجهة تدريجيًا مع حكومة شيخة حسينة وحزب “الرابطة عوامي”، خاصة مع اتهامات واسعة للحكومة بتضييق المجال العام، واحتكار السلطة، واستخدام الأجهزة الأمنية في مواجهة المعارضين.
وكان من أهم إنجازات الحركة أنها نجحت في كسر حاجز الخوف وإعادة تشكيل المجال السياسي البنجلادشي. فقد شعر قطاع واسع من الشباب لأول مرة بأن بإمكانهم فرض حضورهم في الشارع، وإرباك السلطة، وفتح نقاش وطني واسع حول مستقبل الحكم والعدالة والتمثيل السياسي.
لكن التجربة البنجلادشية كشفت أيضًا حدود هذا النجاح. فإسقاط الحكومة أو إضعافها لا يعني تلقائيًا بناء نظام سياسي مستقر أو إنتاج تمثيل سياسي قادر على إدارة المرحلة الجديدة. وقد ظهرت تحديات واضحة تتعلق بغياب القيادة الموحدة، وصعوبة الانتقال من الاحتجاج إلى بناء المؤسسات، والخوف من الفراغ السياسي أو إعادة إنتاج النخب القديمة بأشكال جديدة.
ومن هنا تأتي دلالة النموذج البنجلادشي: حين تتحول قضية مطلبية محدودة إلى لحظة تغيير سياسي واسعة، تكشف حجم الغضب الكامن داخل المجتمع، لكنها تطرح في الوقت نفسه سؤالًا أكثر تعقيدًا يتعلق بكيفية تحويل الانفجار الشبابي إلى مشروع سياسي مستدام وقادر على الاستمرار.
(6) نيبال – ثورة “جيل Z” ضد الحظر والفساد
في نيبال في سبتمبر 2025 برزت احتجاجات الشباب بوصفها نموذجًا مختلفًا يجمع بين الغضب الرقمي والاجتماعي والسياسي. فقد جاءت الشرارة المباشرة مع قرارات حظر أو تقييد بعض منصات التواصل، وهو ما اعتبره كثير من الشباب محاولة لخنق المجال الوحيد الذي يشعرون فيه بحرية التعبير والتأثير.
لكن خلف هذه الشرارة الرقمية كان يتراكم غضب أعمق يتعلق بالفساد، والبطالة، واحتكار الفرص من قبل أبناء النخب السياسية والاقتصادية، إضافة إلى شعور متزايد بأن الدولة عاجزة عن الاستجابة لتطلعات جيل جديد أكثر اتصالًا بالعالم وأكثر حساسية تجاه العدالة والكرامة.
وقد تحولت شوارع كاتماندو ومدن أخرى إلى ساحات احتجاج يقودها الشباب، مستفيدين من المنصات الرقمية في الحشد والتنظيم وصناعة الرموز والشعارات. وبرزت ظاهرة “نبو كيدز” بوصفها تعبيرًا رمزيًا عن غضب جيل يشعر بأن الطبقة الحاكمة تعيش داخل عالم منفصل عن المجتمع.
ومع تصاعد المواجهات سقط قتلى وجرحى، واتسعت حالة التوتر بين المحتجين والأجهزة الأمنية، بينما وجدت الحكومة نفسها أمام موجة احتجاج يصعب احتواؤها بالأساليب التقليدية.
وقد نجحت الحركة في فرض نفسها على المشهد السياسي وإرباك السلطة، لكنها واجهت كذلك حدودًا واضحة. فغياب القيادة المنظمة، والانقسام بين المجموعات الشبابية، وصعوبة تحويل الغضب إلى مشروع حكم أو برنامج سياسي متكامل، كلها عوامل جعلت الحركة قوية احتجاجيًا لكنها محدودة القدرة على إنتاج بديل مستقر.
وتكشف الحالة النيبالية عن واحدة من أهم سمات حركات “جيل Z”: القدرة الكبيرة على الانفجار والتعبئة السريعة، مقابل الصعوبة المستمرة في بناء الأطر السياسية والتنظيمية القادرة على إدارة ما بعد الاحتجاج.
(7) المغرب – “جيل زي 212″ والاحتجاج الاجتماعي الهادئ المتصاعد
في سبتمبر 2025 في المغرب ظهر نموذج مختلف نسبيًا من حركات “جيل Z”، أكثر هدوءًا من حيث الشكل، لكنه يعكس في العمق تحولات مهمة في وعي الشباب وعلاقتهم بالدولة والمجتمع والخدمات العامة. فقد برزت حركة “جين زد 212” عبر منصات مثل “ديسكورد” وغيرها من وسائل التواصل، بوصفها مساحة رقمية شبابية تناقش قضايا العدالة الاجتماعية والصحة والتعليم ومستقبل الشباب المغربي.
وقد تميزت الحركة منذ بدايتها بطابع اجتماعي–خدماتي واضح، بعيد نسبيًا عن الشعارات الأيديولوجية الكبرى أو الدعوات الصريحة لإسقاط النظام. فقد ركزت على التفاوت في أولويات الإنفاق، والاحتجاج على توجيه موارد ضخمة إلى الملاعب والفعاليات الرياضية والمشروعات الرمزية، في وقت يعاني فيه قطاع واسع من الشباب من ضعف الخدمات الصحية والتعليمية وفرص العمل.
ومع اتساع النقاشات الرقمية، بدأت الحركة تنتقل تدريجيًا إلى المجال العام، واتسعت دوائرها في عدد من المدن المغربية منذ سبتمبر 2025، مع تصاعد الشعور لدى الشباب بأن صوتهم لا يجد تمثيلًا كافيًا داخل المؤسسات التقليدية.
ومن السمات اللافتة للحركة تمسكها بخطاب نفسي واجتماعي جديد يقوم على فكرة: “نحن الشباب ولسنا عبئًا”، وهو خطاب يعكس رغبة الجيل الجديد في الاعتراف به بوصفه شريكًا في المستقبل لا مجرد فئة تحتاج إلى الاحتواء أو التهدئة.
لكن مثل كثير من حركات “جيل Z”، واجهت التجربة المغربية حدودًا واضحة. فغياب القيادة المعلنة، وصعوبة بناء برنامج سياسي متكامل، والخوف من الاختراق أو الاحتواء، كلها عوامل جعلت الحركة قادرة على الضغط وإثارة النقاش، لكنها غير قادرة حتى الآن على التحول إلى قوة سياسية منظمة.
ومع ذلك، فإن دلالة النموذج المغربي تبقى مهمة؛ لأنه يكشف أن الاحتجاج الشبابي لم يعد مرتبطًا فقط بالانفجار أو إسقاط الأنظمة، بل قد يأخذ شكل ضغط اجتماعي رقمي متدرج يسعى إلى إعادة ترتيب الأولويات العامة، وفرض قضايا الخدمات والعدالة والكرامة على المجال السياسي دون الدخول بالضرورة في صدام شامل مع الدولة.
(
أسباب نجاح هذه الحركات جزئيًا أو كليًا
رغم اختلاف السياقات السياسية والاجتماعية بين سيرلانكا وبنجلاديش ونيبال والمغرب، فإن ثمة عوامل مشتركة ساعدت حركات “جيل Z” على تحقيق قدر من النجاح أو التأثير السياسي والمجتمعي.
أحد أهم هذه العوامل يتمثل في بساطة المطالب وارتباطها المباشر بالحياة اليومية. فهذه الحركات لم تبدأ غالبًا بشعارات أيديولوجية معقدة، بل انطلقت من قضايا تمس الناس بصورة مباشرة: الوقود، الغذاء، البطالة، الحريات الرقمية، الصحة، التعليم، والفساد. وهذا ما منحها قدرة واسعة على جذب التعاطف الشعبي.
كما لعب انهيار الثقة بالنخب السياسية التقليدية دورًا محوريًا. فقد شعر قطاع واسع من الشباب بأن الأحزاب والمؤسسات القائمة لم تعد تعبّر عنهم أو تدافع عن مصالحهم، وهو ما فتح المجال أمام الحركات الشبابية لكي تملأ جزءًا من هذا الفراغ الرمزي والسياسي.
وكان للمنصات الرقمية أثر بالغ في تسريع التعبئة. فوسائل مثل “تيك توك” و”إنستجرام” و”ديسكورد” و”إكس” لم تعد مجرد أدوات للتواصل، بل تحولت إلى فضاءات للتنظيم وصناعة السرديات ونشر المقاطع والصور والرموز التي تسرّع انتقال الغضب من المجال الفردي إلى المجال الجماعي.
كما ساعدت رمزية الفساد وامتيازات أبناء الطبقة الحاكمة في تغذية الاحتقان الشعبي. فحين يرى الشباب أن النخب تعيش داخل عالم منفصل عن معاناة المجتمع، يصبح الغضب أكثر قابلية للتحول إلى حركة احتجاج واسعة.
ومن العوامل المهمة أيضًا المشاركة الطلابية والشبابية الكثيفة، حيث شكلت الجامعات والمدارس والفضاءات الرقمية بيئات مثالية لانتقال العدوى الاحتجاجية بسرعة كبيرة.
إضافة إلى ذلك، استفادت هذه الحركات من اتساع التعاطف الشعبي مع المطالب المعيشية. فالمواطن العادي قد لا يتفاعل دائمًا مع الشعارات السياسية الكبرى، لكنه يتفاعل بقوة مع قضايا الغلاء والخدمات والبطالة والفساد.
كما كشفت هذه التجارب عن عجز كثير من الأنظمة عن فهم لغة الجيل الجديد. فالدولة التقليدية ما تزال في أحيان كثيرة تتعامل بعقلية أمنية أو بيروقراطية مع جيل يتحرك بسرعة رقمية، ويستخدم لغة مختلفة، وأدوات مختلفة، ومنطقًا مختلفًا في التعبير والاحتجاج.
(9) حدود الفاعلية – لماذا يصعب تحويل الغضب إلى مشروع سياسي؟
رغم القدرة الكبيرة التي أظهرتها حركات “جين زي” في التعبئة وكسر الخوف وإرباك السلطة، فإن معظم هذه الحركات واجهت صعوبة واضحة في التحول إلى مشروع سياسي مستقر أو بديل مؤسسي قادر على الاستمرار.
ويعود ذلك أولًا إلى ضعف التنظيم وغياب القيادة الواضحة. فالحركات اللامركزية تمنح مرونة كبيرة في الحشد والانتشار، لكنها تواجه في المقابل صعوبة في اتخاذ القرار، أو التفاوض، أو بناء استراتيجيات طويلة المدى.
كما تعاني كثير من هذه الحركات من هشاشة البنية الفكرية والبرنامجية. فهي غالبًا تعرف ما ترفضه، لكنها لا تمتلك تصورًا واضحًا لما تريد بناءه بعد ذلك. ومن هنا يظهر التناقض بين القدرة على إسقاط القرار أو الحكومة، وبين القدرة على إدارة الدولة أو إنتاج بديل سياسي متماسك.
وتبرز أيضًا مشكلة “سرعة التعبئة مقابل ضعف الاستمرارية”. فالمنصات الرقمية قادرة على خلق موجات غضب هائلة خلال وقت قصير، لكنها لا تضمن بالضرورة استمرار الزخم أو بناء مؤسسات دائمة.
كما أن الطبيعة المفتوحة لهذه الحركات تجعلها أكثر عرضة للاختراق أو الاحتواء أو التشويه الإعلامي والأمني، خاصة حين تغيب البنية التنظيمية الصلبة أو المرجعية الفكرية الواضحة.
ومن التحديات الكبرى كذلك صعوبة الانتقال من لحظة الاحتجاج إلى لحظة البناء. فإسقاط القرار أو الحكومة يفتح غالبًا فراغًا سياسيًا معقدًا، وقد تستفيد منه قوى أكثر تنظيمًا أو مؤسسات الدولة التقليدية أو النخب القديمة التي تمتلك خبرة أكبر في إدارة السلطة.
ولهذا تكشف تجارب “جيل Z” أن الغضب وحده لا يكفي لبناء التغيير، وأن النجاح الحقيقي لا يتعلق فقط بالقدرة على تحريك الشارع، بل بالقدرة على إنتاج مشروع سياسي ومؤسسي قادر على إدارة ما بعد الاحتجاج.
(10) المقارنة بين النماذج الأربعة
تكشف المقارنة بين النماذج الأربعة في سيرلانكا ونيبال وبنجلاديش والمغرب أن حركات “جيل Z” ليست نموذجًا واحدًا متطابقًا، بل ظاهرة مرنة تتشكل بحسب طبيعة الأزمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في كل دولة.
ففي سريلانكا كان العامل الحاسم هو الانهيار الاقتصادي الشامل الذي دفع الاحتجاجات إلى إسقاط رأس السلطة بصورة مباشرة. أما في نيبال فقد جاء الانفجار نتيجة تداخل الغضب الرقمي مع الفساد الجيلي وقرارات الحظر، مما حوّل قضية حرية المنصات إلى مواجهة سياسية أوسع.
وفي بنجلادش تطورت احتجاجات مطلبية طلابية تدريجيًا إلى لحظة تغيير سياسي واسعة، بعدما تداخلت قضية الحصص مع الغضب من الاستبداد واحتكار المجال السياسي. بينما أخذت التجربة المغربية شكل ضغط اجتماعي–رقمي متدرج يركز على العدالة والخدمات دون أن يتحول إلى مشروع لإسقاط النظام.
لكن رغم هذه الاختلافات، يبقى العامل المشترك الأوضح هو الغضب من الفساد وانسداد المستقبل والشعور بأن النخب الحاكمة منفصلة عن معاناة الشباب ومشكلاتهم اليومية.
أما الفارق الأساسي بين هذه النماذج، فيرتبط بطبيعة النظام السياسي، ومستوى الأزمة الاقتصادية أو الاجتماعية، وحدود المجال العام، وطريقة تعامل السلطة مع الاحتجاجات، إضافة إلى قدرة الحركات نفسها على الانتقال من الغضب إلى التنظيم والبناء السياسي.
(11) الدلالات السياسية لصعود “جيل Z”
تكشف حركات “جيل زد” عن تحولات سياسية عميقة تتجاوز حدود الاحتجاجات المؤقتة، وتمس طبيعة العلاقة بين المجتمع والدولة وأدوات العمل السياسي نفسها. فمن أبرز دلالات هذه الظاهرة تراجع احتكار الأحزاب والنقابات التقليدية للشارع، بعدما أصبحت المنصات الرقمية قادرة على إنتاج تعبئة واسعة خارج الأطر السياسية الكلاسيكية.
لقد انتقلت السياسة تدريجيًا من القاعات الحزبية والاجتماعات المغلقة إلى فضاءات مثل “تيك توك” و”إنستجرام” و”إكس” و”ديسكورد”، حيث أصبح التأثير السياسي مرتبطًا بسرعة الانتشار والقدرة على صناعة السردية والرمز أكثر من ارتباطه بالبنية التنظيمية التقليدية.
كما كشفت هذه الحركات هشاشة شرعية الأنظمة التي تفشل في توفير الخدمات الأساسية أو إدارة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية. فجيل Z لا ينظر إلى الشرعية بوصفها مجرد سيطرة أمنية أو تاريخ سياسي، بل يربطها مباشرة بقدرة الدولة على توفير الحياة الكريمة والعدالة والشفافية.
ومن أهم التحولات أيضًا صعود جيل لا يخاف من السلطة بالطريقة التي كانت عليها أجيال سابقة. فالشباب الذين نشؤوا داخل بيئة رقمية مفتوحة أصبحوا أقل قابلية للخضوع لهيبة الخطاب الرسمي التقليدي، وأكثر استعدادًا للتعبير العلني والسخرية والاحتجاج وكسر الخطوط الحمراء.
وفي هذا السياق يتشكل وعي سياسي جديد قائم على الكرامة والشفافية والمحاسبة بدل الانشغال بالصراعات الأيديولوجية الكبرى وحدها. ولهذا تبدو كثير من احتجاجات “جيل Z” أقرب إلى حركات تطالب بحياة عادلة وخدمات وفرص وكرامة، أكثر من كونها حركات مؤطرة داخل مشاريع فكرية مغلقة.
ومن هنا يمكن القول إن هذه الحركات تمثل بداية انتقال الاحتجاج السياسي من مركزية الأيديولوجيا إلى مركزية الحياة اليومية، حيث تصبح قضايا مثل الصحة والتعليم والعمل والعدالة الاجتماعية جزءًا مباشرًا من تعريف السياسة نفسها.
(12) الدلالات الاجتماعية والثقافية
لا تعكس حركات “جيل زد” تحولات سياسية فقط، بل تكشف أيضًا عن تغيرات اجتماعية وثقافية عميقة في وعي الشباب وطريقتهم في فهم الذات والمجتمع والدولة.
فأحد أهم ملامح هذه التحولات أن الشباب لم يعودوا يقبلون دور “المتلقي الصامت” الذي يكتفي بسماع الخطاب الرسمي أو انتظار ما تقرره النخب السياسية والثقافية. بل أصبح الجيل الجديد أكثر رغبة في المشاركة والتعبير والتأثير المباشر في المجال العام.
كما ساهمت المنصات الرقمية في تقليص المسافة بين المحلي والعالمي بصورة غير مسبوقة. فالشباب في المغرب او بنجلاديش او نيبال يعيشون داخل فضاء عالمي مفتوح، يتابعون فيه أنماط الحياة والاحتجاج والخطاب السياسي عالميًا لحظة بلحظة، وهو ما غيّر سقف التوقعات والطموحات لديهم.
وقد أدى ذلك إلى صعود لغة جديدة في السياسة تقوم على السخرية والرمز والصورة والمقطع القصير بدل الخطابات الطويلة والبيانات التقليدية. فالميمات الساخرة، والفيديوهات القصيرة، والرموز البصرية، أصبحت جزءًا أساسيًا من أدوات التعبير السياسي لدى هذا الجيل.
وفي المقابل تراجع تأثير الخطابات الرسمية الكلاسيكية التي تعتمد على اللغة الخشبية أو التوجيه الأحادي. فجيل Z أكثر حساسية تجاه التناقضات، وأكثر ميلًا إلى اختبار صدقية الخطاب عبر الواقع اليومي لا عبر الشعارات العامة.
كما تعكس هذه الظاهرة أزمة ثقة عميقة بين الجيل الجديد والدولة في كثير من المجتمعات. فالشباب يشعرون في أحيان كثيرة بأن المؤسسات الرسمية لا تسمعهم، ولا تفهم لغتهم، ولا تعبر عن أولوياتهم الحقيقية.
ومن هنا تحولت الكرامة والخدمة العامة إلى مطالب سياسية مباشرة. فالمستشفى، والمدرسة، وفرصة العمل، وحرية التعبير، وجودة الحياة اليومية، أصبحت بالنسبة إلى “جيل زد” قضايا سياسية مركزية لا تقل أهمية عن القضايا الكبرى التقليدية.
(13) الدلالات الرقمية والإعلامية
تمثل حركات “جيل Z” واحدة من أوضح النتائج السياسية والاجتماعية للتحول الرقمي العالمي، حيث لم تعد التكنولوجيا مجرد وسيلة للتواصل، بل أصبحت جزءًا من بنية الفعل السياسي نفسه.
فمنصات مثل “ديسكورد” و”تيك توك” و”إنستجرام” و”إكس” تحولت إلى أدوات تعبئة سياسية قادرة على نقل الغضب من المجال الفردي إلى المجال الجماعي خلال وقت قصير جدًا. ولم تعد الحاجة قائمة إلى التنظيمات الثقيلة أو الهياكل التقليدية لكي تنطلق موجات الاحتجاج أو تتوسع.
كما ساعدت القيادة المجهولة واللامركزية على منح هذه الحركات قدرة أكبر على الانتشار والحماية من الاستهداف المباشر. فغياب القيادة الواضحة يجعل من الصعب احتواء الحركة أو تصفيتها عبر اعتقال شخصيات بعينها، لكنه يخلق في الوقت نفسه مشكلات تتعلق باتخاذ القرار والاستمرارية.
ولعبت الخوارزميات دورًا محوريًا في تسريع الغضب الجماعي. فالمحتوى المرتبط بالأزمات والفساد والعنف ينتشر بسرعة هائلة، ويتحول إلى مادة تعبئة مستمرة تعيد إنتاج الشعور الجماعي بالغضب والاحتقان.
وفي المقابل تواجه الأنظمة صعوبة متزايدة في السيطرة الأمنية الكاملة على الفضاء الرقمي. فحتى مع الرقابة أو الحظر، تبقى المنصات قادرة على تجاوز القيود، ونقل الصور والمقاطع والشهادات بصورة أسرع من قدرة الإعلام الرسمي على الاحتواء.
كما دخل الإعلام التقليدي في مواجهة صعبة مع سرديات شبابية سريعة الانتشار، تعتمد على الصورة المباشرة واللغة المختصرة والقدرة على الوصول الفوري إلى الجمهور، وهو ما جعل كثيرًا من وسائل الإعلام الرسمية تبدو بطيئة أو منفصلة عن الواقع في نظر الشباب.
ومن أبرز الظواهر الجديدة أيضًا انتقال الاحتجاج من الشارع إلى الشبكة ثم العودة إلى الشارع. فالحركة تبدأ أحيانًا بمنشور أو مقطع أو حملة رقمية، ثم تتحول إلى تعبئة ميدانية، قبل أن تعود مجددًا إلى الفضاء الرقمي لصناعة الزخم وتوسيع التأثير.
(14) هل تمثل هذه الحركات نموذجًا قابلًا للتكرار عربيًا وإسلاميًا؟
تطرح تجارب “جيل Z” في سيرلانكا او نيبال او بنجلاديش أو المغرب سؤالًا مهمًا يتعلق بمدى قابلية هذا النموذج للتكرار داخل العالم العربي والإسلامي.
فالكثير من العوامل التي دفعت إلى انفجار هذه الاحتجاجات تبدو حاضرة بدرجات متفاوتة في عدد كبير من الدول العربية والإسلامية؛ بطالة مرتفعة، فساد، تراجع خدمات، فجوة متسعة بين الشباب والنخب الحاكمة، وضعف الثقة بالأحزاب والمؤسسات الرسمية.
كما أن المنصات الرقمية أصبحت بالفعل وسيلة أساسية لكسر العزلة والخوف، خاصة لدى الأجيال الجديدة التي تعيش داخل فضاء عالمي مفتوح، وتتابع بصورة يومية تجارب الاحتجاج والتغيير والتعبئة في مختلف أنحاء العالم.
لكن في المقابل لا يمكن التعامل مع هذه الحركات بوصفها نموذجًا ميكانيكيًا قابلًا للاستنساخ الكامل، لأن السياقات الأمنية والسياسية والاجتماعية تختلف بصورة كبيرة بين الدول. فهناك دول تمتلك هامشًا سياسيًا أوسع يسمح بالاحتجاج التدريجي، بينما توجد دول أخرى تتسم بقبضة أمنية أكثر صرامة.
كما أن طبيعة الأزمة نفسها تلعب دورًا حاسمًا. فالحركات الشبابية تحتاج غالبًا إلى “شرارة جامعة” تجمع الغضب المتفرق وتحوله إلى موجة عامة، مثل الانهيار الاقتصادي، أو الفساد الفاضح، أو قمع الحريات الرقمية، أو التدهور الحاد في الخدمات الأساسية.
ومن هنا تبدو قابلية التكرار مرتبطة بتوافر بيئة تجمع بين أزمة معيشية ضاغطة، واتساع الفجوة بين الشباب والنخب، ووجود فضاء رقمي قادر على تحويل الغضب الفردي إلى حراك جماعي واسع.
(15) المخاطر المحتملة لحركات “جيل Z”
رغم ما تحمله حركات “جيل زد” من طاقة احتجاجية وقدرة على كسر الجمود السياسي والاجتماعي، فإنها تواجه كذلك مخاطر معقدة قد تدفع بعض التجارب إلى الفوضى أو الاحتواء أو الانهيار التدريجي.
فأحد أبرز هذه المخاطر يتمثل في الانزلاق إلى الفوضى بسبب غياب التنظيم الواضح أو الرؤية السياسية المتماسكة. فالحركات اللامركزية تمنح مرونة وانتشارًا سريعًا، لكنها قد تجد صعوبة في ضبط الإيقاع أو منع الانقسام الداخلي أو إدارة لحظة ما بعد الاحتجاج.
كما تبقى هذه الحركات عرضة للاختراق من قبل قوى سياسية أو أمنية أو حتى شبكات رقمية منظمة، خاصة في ظل الطبيعة المفتوحة للفضاء الإلكتروني، وغياب البنية المؤسسية الصلبة.
ومن المخاطر المهمة أيضًا توظيف الغضب الشبابي في صراعات النخب التقليدية، بحيث تتحول الحركات الشبابية من قوة مستقلة إلى أداة داخل معارك سياسية لا تعبر بالضرورة عن مصالح الشباب أنفسهم.
وفي المقابل قد تلجأ بعض الأنظمة إلى العنف المضاد أو القمع الأمني المكثف، خاصة إذا شعرت بأن الاحتجاجات تهدد استقرارها أو شرعيتها، وهو ما قد يدفع بعض الحركات إلى مزيد من الراديكالية أو التفكك أو الانهاك.
كما تواجه هذه الحركات خطر فقدان الزخم بعد تحقيق مطالب جزئية، حيث يمكن أن تنجح السلطة في امتصاص الغضب عبر تنازلات محدودة أو سياسات احتواء مرحلية دون معالجة جذور الأزمة.
ويبقى الخطر الأكبر ربما هو خيبة الأمل الجماعية إذا لم يتحول الاحتجاج إلى إصلاح حقيقي أو تغيير ملموس في حياة الناس. فالفشل المتكرر قد يدفع بعض الشباب إلى الانسحاب من المجال العام، أو السخرية السياسية السلبية، أو فقدان الثقة بإمكانية التغيير أصلًا.
(16) ما الذي يجب أن تتعلمه المعارضة والقوى المجتمعية؟
تكشف تجارب حركات “جيل Z” أن كثيرًا من أدوات المعارضة التقليدية لم تعد كافية للتواصل مع الأجيال الجديدة أو التأثير فيها. فالشباب اليوم لا يبحثون فقط عن الشعارات الكبرى أو الخطابات الأيديولوجية الواسعة، بل يريدون خطابًا عمليًا يلامس حياتهم اليومية، ويتحدث عن العمل، والتعليم، والصحة، والسكن، والكرامة، وفرص المستقبل.
ولهذا فإن أحد أهم الدروس التي ينبغي أن تدركها القوى السياسية والمجتمعية هو أن المطالب المعيشية قد تكون أوسع تأثيرًا من السجالات الفكرية المجردة. فجيل Z يتحرك غالبًا من منطلق الإحساس بالاختناق اليومي وفقدان العدالة وانسداد الأفق، لا من منطلق الانتماء الأيديولوجي التقليدي.
كما أن بناء الثقة أصبح أكثر أهمية من محاولة السيطرة على الحركات أو احتوائها. فالشباب لديهم حساسية مرتفعة تجاه أي خطاب وصائي أو محاولة توظيف حزبي مباشر، ويستطيعون بسرعة اكتشاف محاولات الاستغلال أو الهيمنة.
ومن هنا تبدو الحاجة ملحة إلى تطوير أدوات رقمية وتنظيمية جديدة، أكثر مرونة وقدرة على فهم البيئة الشبكية التي يتحرك داخلها هذا الجيل. فالقوى التي ما تزال تتحرك بعقلية البيانات التقليدية والتنظيمات المغلقة تجد نفسها غالبًا بعيدة عن المجال الحقيقي لتأثير الشباب.
كما تحتاج المعارضة والقوى المجتمعية إلى بناء جسور بين الجيل الجديد والخبرات السياسية الأقدم، بدل تحويل العلاقة إلى صراع بين “الشباب” و”القدامى”. فالحركات الشبابية تمتلك طاقة وزخمًا وقدرة على التعبئة، بينما تمتلك الأجيال الأقدم خبرات في التنظيم والتفاوض وإدارة الصراع السياسي، والجمع بين الطرفين قد يكون أكثر فاعلية من بقاء كل طرف داخل عالمه الخاص.
ويبقى التحدي الأهم هو القدرة على تحويل الغضب إلى مشروع سياسي أو إصلاحي منظم. فنجاح الحركات الاحتجاجية لا يُقاس فقط بقدرتها على ملء الشوارع أو تصدر المنصات، بل بقدرتها على إنتاج رؤية وبرامج وأدوات تضمن الاستمرارية وتمنع تحول الغضب إلى موجة عابرة.
(17) ما الذي يجب أن تفهمه الأنظمة؟
في المقابل، تكشف تجارب “جيل Z” أن كثيرًا من الأنظمة ما تزال تتعامل مع التحولات الجيلية الجديدة بعقلية قديمة تقوم على الاحتواء الأمني أو السيطرة الإعلامية التقليدية، دون إدراك أن البيئة الرقمية غيّرت طبيعة المجال العام بصورة عميقة.
فالقمع لم يعد يعالج الغضب الجيلي بقدر ما يؤجله أو يدفعه إلى الانفجار بصورة أعنف لاحقًا. فالشباب الذين يعيشون داخل فضاء عالمي مفتوح يصعب احتواء غضبهم بالأساليب التقليدية وحدها، خاصة حين ترتبط الأزمة بقضايا يومية تمس الكرامة والحياة المعيشية مباشرة.
كما أصبحت الخدمات العامة جزءًا أساسيًا من شرعية الحكم. فجيل “جيل Z” لا يقيس شرعية الدولة فقط بالقوة أو الاستقرار الأمني، بل بقدرتها على توفير تعليم جيد، ورعاية صحية، وفرص عمل، وعدالة اجتماعية، واحترام للإنسان وكرامته.
وفي العصر الرقمي لم تعد قضايا الفساد وامتيازات النخب قابلة للإخفاء بسهولة. فالمعلومات والصور والتسريبات تنتشر بسرعة هائلة، وأي فجوة بين خطاب الدولة وواقع المجتمع تتحول سريعًا إلى مادة للغضب والسخرية والتعبئة.
كما تكشف بعض التجارب، مثل ما حدث في نيبال، أن حظر المنصات أو التضييق الرقمي قد يتحول نفسه إلى شرارة انفجار سياسي، لأن الشباب يعتبرون الفضاء الرقمي جزءًا من حريتهم ووجودهم الاجتماعي والسياسي.
ومن النقاط الجوهرية أيضًا أن الشباب لا يطالبون بالمساعدات فقط، بل بالكرامة والمشاركة والاعتراف بإنسانيتهم وحقهم في المستقبل. ولهذا فإن السياسات التي تقوم على التهدئة الاقتصادية المؤقتة دون معالجة جذور الأزمة غالبًا ما تفشل في احتواء الغضب على المدى الطويل.
وفي النهاية، تكشف هذه الحركات أن الإصلاح الحقيقي أكثر أمنًا واستقرارًا من إدارة الغضب بالقوة وحدها. فالأنظمة التي تستوعب التحولات الجيلية مبكرًا، وتعيد بناء علاقتها بالشباب على أساس الشراكة والعدالة والخدمات والاحترام، قد تكون أكثر قدرة على الحفاظ على الاستقرار من الأنظمة التي تكتفي بالحلول الأمنية أو الإعلامية التقليدية.
(18) لماذا لم تنجح حركات “جيل Z” في تحقيق تغيير سياسي مستقر؟
رغم النجاح الكبير الذي حققته حركات “جيل Z” في كسر الخوف وإرباك السلطة وفرض قضاياها على المجال العام، فإن معظم هذه الحركات لم تنجح حتى الآن في إنتاج تغيير سياسي حقيقي أو بناء بديل قادر على الاستمرار.
ويعود ذلك أولًا إلى الفجوة بين القدرة على التعبئة والقدرة على البناء السياسي. فالمنصات الرقمية تمنح قدرة هائلة على الحشد السريع، لكنها لا تنتج تلقائيًا مؤسسات أو قيادات أو برامج سياسية متماسكة.
كما تعاني كثير من هذه الحركات من غياب رؤية متكاملة لما بعد الاحتجاج أو إسقاط السلطة. فالغضب قد يكون واضحًا، لكن تصور شكل الدولة أو الاقتصاد أو التحالفات أو آليات الحكم يبقى غالبًا غامضًا أو غير مكتمل.
ومن المشكلات المهمة أيضًا ضعف الخبرة التنظيمية والمؤسسية لدى قطاعات واسعة من الشباب، إضافة إلى الحساسية المرتفعة تجاه القيادات والهرمية، خوفًا من إعادة إنتاج النخب التقليدية أو الوقوع في البيروقراطية القديمة.
كما أدى الاعتماد المفرط على الزخم الرقمي إلى إضعاف العمل الميداني طويل المدى. فالحركة قد تنتشر بسرعة هائلة عبر المنصات، لكنها تواجه صعوبة في الحفاظ على الاستمرارية والتنظيم والتراكم السياسي خارج المجال الافتراضي.
وتبرز كذلك مشكلة غلبة الطابع العاطفي واللحظي على التفكير الاستراتيجي الطويل. فكثير من الحركات تنجح في التعبير عن الغضب والرفض، لكنها لا تمتلك دائمًا أدوات إدارة التوازنات السياسية المعقدة أو بناء التحالفات أو التفاوض حول مراحل الانتقال.
كما أن التركيز على “رفض الواقع” أكثر من بناء البديل جعل بعض الحركات قادرة على إسقاط الرموز أو القرارات دون أن تتمكن من إعادة بناء المجال السياسي بصورة مستقرة.
وتواجه هذه الحركات أيضًا مشكلة ضعف التواصل مع الطبقات الاجتماعية الأوسع خارج البيئة الرقمية والشبابية، وهو ما يحد أحيانًا من قدرتها على التحول إلى حركات مجتمعية شاملة.
إضافة إلى ذلك، تبقى الحركات الشبابية عرضة للاختراق أو الاحتواء أو التشويه الإعلامي والأمني، خاصة في ظل غياب الموارد والمؤسسات الداعمة القادرة على تحويل الحراك إلى مشروع مستدام.
كما تستفيد الأنظمة في كثير من الأحيان من تشتت الحركات وغياب القيادة الواضحة، ومن خوف قطاعات من المجتمع من الفوضى أو الفراغ السياسي بعد موجات الاحتجاج.
ومن التناقضات الجوهرية أيضًا أن الطبيعة اللامركزية للحراك تمنحه مرونة وانتشارًا، لكنها تجعل من الصعب إنتاج بنية تفاوض أو تمثيل سياسي واضح قادر على إدارة الصراع مع السلطة.
ومع الوقت يؤدي القمع والإرهاق النفسي وفقدان الثقة بعد الموجات الطويلة من الاحتجاج إلى تراجع الزخم أو انسحاب بعض الشباب من المجال العام.
كما أن كثيرًا من هذه الحركات لم تنجح بعد في إنتاج خطاب اقتصادي وإداري عملي مقنع، يجيب عن أسئلة الدولة والإدارة والتنمية والاستقرار، لا مجرد الاحتجاج على الأوضاع القائمة.
ولهذا تكشف تجارب “جيل Z” أن إسقاط الرموز لا يعني بالضرورة إعادة بناء الدولة، وأن الحركات الشبابية نجحت في كسر الخوف وإرباك السلطة، لكنها لم تنجح بعد بصورة كاملة في بناء “البديل السياسي القادر على الاستمرار”.
(19) كيف يمكن التواصل السياسي مع “جيل Z” دون فرض الوصاية عليه؟
تطرح حركات “جيل زد” سؤالًا جديدًا حول طبيعة العلاقة بين الأجيال السياسية المختلفة، وكيف يمكن التواصل مع الشباب دون إعادة إنتاج الوصاية التقليدية التي ينفر منها هذا الجيل بصورة واضحة.
فـ “جيل Z” لا يرفض السياسة بقدر ما يرفض الخطاب المتعالي أو الأبوي الذي يتعامل معه باعتباره مجرد تابع يحتاج إلى التوجيه المستمر. ولهذا فإن بناء علاقة صحية مع هذا الجيل يبدأ من منطق الشراكة لا منطق التلقين أو الاحتواء الحزبي التقليدي.
كما يحتاج هذا الجيل إلى احترام حقيقي لحساسيته تجاه الحرية الفردية والكرامة والاستقلالية. فالشباب يريدون أن يُنظر إليهم بوصفهم شركاء في صناعة المستقبل، لا مجرد أدوات تعبئة أو وقود للصراعات السياسية.
ومن هنا تصبح القدرة على الاستماع لمخاوف الشباب اليومية أكثر أهمية من تكرار الشعارات الكبرى المجردة. فالقضايا المتعلقة بالتعليم، والصحة، والعمل، والعدالة الرقمية، والحريات، والسكن، وجودة الحياة اليومية، هي المدخل الحقيقي لفهم أولويات هذا الجيل.
كما تحتاج القوى السياسية والمجتمعية إلى تطوير لغة جديدة أقل خشبية وأكثر وضوحًا وصدقًا، لأن جيل “جيل Z” أكثر حساسية تجاه التناقضات والخطابات الإنشائية غير المرتبطة بالواقع.
ويعني ذلك أيضًا الانتقال من ثقافة “توجيه الشباب” إلى ثقافة “العمل معهم”، والاستفادة من المنصات الرقمية بوصفها فضاءً للحوار والتفاعل، لا مجرد أدوات دعائية أو تعبئة أحادية الاتجاه.
كما أن بناء مساحات نقاش مفتوحة تسمح بالاختلاف والنقد دون تخوين أو إقصاء يمثل عنصرًا أساسيًا في كسب ثقة هذا الجيل، الذي يميل بطبيعته إلى التعددية ورفض القوالب المغلقة.
وفي هذا السياق تصبح الخبرة السياسية مطلوبة، لكن بشرط تقديمها بصورة مرنة وغير متعالية. فالشباب لا يرفضون الاستفادة من الخبرات السابقة، لكنهم يرفضون تحويل تلك الخبرات إلى سلطة فوقية تكبح حركتهم أو تفرض عليهم خيارات جاهزة.
كما يمكن دعم الحركات الشبابية عبر مساعدتها على تطوير أدوات التنظيم والتفاوض والإدارة والتخطيط، دون محاولة السيطرة عليها أو احتوائها داخل الأطر التقليدية القديمة.
ومن المهم أيضًا دعم تكوين وعي استراتيجي طويل المدى لدى الشباب حول الدولة والاقتصاد والمؤسسات والعلاقات الدولية، حتى لا يبقى الحراك محصورًا في ردود الفعل اللحظية أو الانفعالات العابرة.
ولهذا فإن نجاح التواصل مع “جيل Z” يرتبط بالقدرة على بناء الثقة والمساحة المشتركة، لا بمحاولة إعادة إنتاج الوصاية السياسية القديمة بأدوات جديدة.
(20) القراءة الاستراتيجية والخلاصات العامة
تكشف حركات “جيل Z” عن أزمة عميقة ومتراكمة في العلاقة بين الدولة والشباب في كثير من المجتمعات، خاصة داخل الدول التي تعاني من أزمات اقتصادية واجتماعية وتراجع الثقة بالمؤسسات التقليدية. فهذه الحركات ليست مجرد انفجارات غضب عابرة، بل تعبير عن تحولات أوسع في الوعي السياسي والاجتماعي والثقافي لجيل جديد تشكل داخل بيئة رقمية مختلفة جذريًا عن الأجيال السابقة.
وقد كان النجاح الأكبر لهذه الحركات هو قدرتها على كسر حاجز الخوف وفرض مطالبها على المجال العام. فحتى في الحالات التي لم تحقق فيها تغييرًا سياسيًا شاملًا، نجحت في إعادة فتح النقاش حول قضايا الفساد والخدمات والعدالة والكرامة والتمثيل السياسي، وأجبرت الأنظمة والنخب على التعامل مع ملفات كانت تُدار سابقًا بمنطق التجاهل أو الاحتواء المحدود.
كما أظهرت التجارب المختلفة أن فاعلية هذه الحركات ترتبط بدرجة كبيرة بوضوح المطالب واتساع التعاطف الشعبي معها. فحين تكون القضايا مرتبطة مباشرة بحياة الناس اليومية، مثل الغلاء أو البطالة أو الخدمات أو الفساد، تصبح قدرة الحركات على التمدد الشعبي أكبر من الحركات التي تنطلق من شعارات نخبوية أو أيديولوجية مجردة.
لكن في المقابل، كشفت هذه التجارب أيضًا أن نقطة الضعف الرئيسية لدى “جيل زد” تتمثل في غياب التنظيم المستقر والبديل السياسي القادر على إدارة ما بعد الاحتجاج. فالقدرة على التعبئة الرقمية والاحتجاج السريع لا تكفي وحدها لبناء مشروع سياسي طويل المدى، أو لإدارة الدولة والمؤسسات والتوازنات المعقدة.
وتؤكد النماذج الأربعة في سيرلانكا ونيبال وبنجلاديش والمغرب أن الخدمات والكرامة والفساد لم تعد مجرد قضايا اجتماعية، بل أصبحت عناوين سياسية كبرى تعيد تشكيل مفهوم الشرعية والعلاقة بين المجتمع والدولة.
كما تكشف هذه النماذج أن المستقبل السياسي في كثير من الدول سيتأثر بصورة متزايدة بقدرة الأنظمة والمعارضة والقوى المجتمعية على فهم هذا الجيل الجديد، والتعامل مع لغته وأولوياته وأدواته المختلفة، بدل محاولة إخضاعه بالكامل للقوالب القديمة التي لم تعد قادرة على تفسير الواقع أو السيطرة عليه.
وفي المحصلة، يبدو أن “جيل Z” لا يمثل مجرد موجة احتجاجية عابرة، بل مقدمة لتحول طويل في شكل السياسة والمجال العام والعمل الجماعي في العصر الرقمي، حتى لو كانت نتائجه النهائية ما تزال قيد التشكل ولم تستقر بعد.
(21) توصيات مركز حريات
(1) ضرورة التعامل مع حركات “جيل Z” بوصفها تعبيرًا عن تحول تاريخي عميق في طبيعة السياسة والمجال العام، لا مجرد موجات غضب شبابية عابرة أو احتجاجات ظرفية مرتبطة بأزمات مؤقتة. فهذه الحركات تعكس إعادة تشكيل جذرية للعلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين السلطة والشباب، وبين السياسة والفضاء الرقمي، بما يفرض تطوير أدوات فهم وتحليل واستجابة تتجاوز المقاربات الأمنية أو الحزبية التقليدية الضيقة.
(2) بناء خطاب سياسي وشبابي جديد يربط بصورة عضوية بين الحرية والعدالة الاجتماعية والخدمات والكرامة والفرص الاقتصادية والمشاركة السياسية، لأن الجيل الجديد لم يعد يفصل بين هذه القضايا، بل ينظر إليها باعتبارها عناصر مترابطة في تعريفه للشرعية والحياة الكريمة والدولة العادلة. فالشباب اليوم لا يبحث فقط عن الشعارات الكبرى، بل عن أثر السياسة في حياته اليومية ومستقبله وفرصه وكرامته.
(3) تطوير أدوات تنظيمية ورقمية أكثر مرونة وأمانًا، قادرة على الاستفادة من البيئة الشبكية الحديثة دون السقوط في الفوضى أو الاختراق أو الهشاشة التنظيمية. فالفضاء الرقمي لم يعد مجرد وسيلة للتواصل، بل أصبح جزءًا من المجال السياسي نفسه، وهو ما يستدعي بناء وعي تقني وتنظيمي واستراتيجي يحول المنصات من أدوات غضب لحظي إلى أدوات تراكم وتأثير واستمرارية.
(4) الاستثمار في إعداد وتأهيل قيادات شبابية جديدة تمتلك القدرة على الجمع بين الحضور الرقمي والوعي السياسي والخبرة التنظيمية والكفاءة المؤسسية، لأن كثيرًا من الحركات الشبابية تمتلك طاقة تعبئة هائلة لكنها تعاني من ضعف الخبرة في إدارة الصراع السياسي، وبناء المؤسسات، والتفاوض، والتخطيط الاستراتيجي، وصناعة البدائل القادرة على الاستمرار.
(5) الانتقال من منطق “احتواء الشباب” أو “توجيههم” إلى منطق الشراكة الحقيقية معهم في صناعة المجال العام والمستقبل السياسي والاجتماعي. فالأجيال الجديدة ترفض الوصاية التقليدية والخطابات الأبوية، وتبحث عن الاعتراف والاحترام والمساحة الحرة للمشاركة والتأثير، لا عن مجرد الاستدعاء الموسمي أو التوظيف السياسي المؤقت.
(6) إعادة تعريف القضايا المعيشية والخدمية باعتبارها قضايا سياسية واستراتيجية مركزية تمس مفهوم الشرعية والاستقرار الوطني بصورة مباشرة. فملفات التعليم والصحة والعمل والسكن والنقل والعدالة الرقمية لم تعد مجرد ملفات إدارية ثانوية، بل أصبحت بالنسبة إلى الشباب معيارًا مباشرًا للحكم على الدولة والنخب والمؤسسات.
(7) تطوير فهم أعمق للتحولات الرقمية والجيلية التي تعيد تشكيل الوعي السياسي عالميًا، لأن الأدوات التقليدية في الإعلام والخطاب والتعبئة لم تعد كافية للتأثير في جيل تشكل وعيه عبر الصورة والمنصة والخوارزمية والتفاعل اللحظي. وهذا يتطلب إنتاج لغات وأدوات أكثر مرونة وواقعية وصدقًا وقدرة على التواصل.
(
دعم بناء مساحات حوار حقيقية بين الأجيال المختلفة داخل المجال السياسي والمجتمعي، بما يسمح بالجمع بين حيوية الشباب وخبرات الأجيال الأقدم، بدل تحويل العلاقة إلى صراع بين “القديم” و”الجديد”. فالمستقبل يحتاج إلى التكامل بين الطاقة والخبرة، لا إلى القطيعة أو الإقصاء المتبادل.
(9) ضرورة بناء قنوات تشبيك وتفاعل مستدامة بين الحركات الشبابية الجديدة، خاصة حركات “جيل Z”، وبين مراكز الدراسات والباحثين والخبرات السياسية والفكرية والمؤسسية، بما يساعد على تجاوز الفجوة الخطيرة بين القدرة على الاحتجاج والقدرة على بناء المشروع السياسي القادر على الاستمرار والتغيير.
(10) تطوير دور مراكز الدراسات والنخب الفكرية والسياسية بحيث تتحول من مواقع التنظير المغلق أو الوصاية التقليدية إلى مساحات دعم معرفي واستراتيجي تساعد الشباب على فهم الدولة والمجتمع والنظام الدولي، وإدراك تعقيدات الانتقال السياسي، وتطوير أدوات التنظيم والتفاوض والتخطيط وبناء البدائل الواقعية.
(11) الاستفادة من التشبيك بين الجيل الاحتجاجي الجديد وبين الخبرات السياسية والتاريخية المتراكمة لمنع تكرار أخطاء موجات الاحتجاج السابقة، خاصة ما يتعلق بالعفوية المفرطة، وغياب القيادة، وضعف الرؤية لما بعد الاحتجاج، والانزلاق إلى الفوضى أو الاختراق أو إعادة إنتاج النخب القديمة بأشكال جديدة.
(12) تطوير أشكال جديدة من العمل المشترك بين الشباب والخبرات السياسية والفكرية، مثل المنتديات الحوارية، وورش التفكير الاستراتيجي، وبرامج إعداد القيادات، وشبكات الباحثين الشباب، ومنصات الحوار الرقمي، ومراكز الرصد والتحليل، ومساحات العمل المشتركة بين الناشطين والخبراء والأكاديميين.
(13) تحويل القضايا اليومية التي تحرك الشباب — مثل العدالة والخدمات والكرامة والعمل والحرية — إلى رؤى وسياسات وبرامج قابلة للتطبيق، حتى لا تبقى الحركات الشبابية أسيرة ردود الفعل اللحظية أو الانفجارات الموسمية التي تستهلك الغضب دون إنتاج تغيير مستدام.
(14) بناء “وعي استراتيجي” لدى الجيل الجديد يربط بين الاحتجاج والسياسة، وبين الإصلاح والاستقرار، وبين الحرية وبناء المؤسسات، حتى لا يتحول الغضب المشروع إلى فوضى أو فراغ أو انهيار تستفيد منه شبكات الفساد أو القوى الخارجية أو النخب التقليدية الأكثر تنظيمًا أو الدولة العميقة المتربصة.
(15) تحصين الحركات الشبابية من الاختراق والفوضى والعنف ومحاولات الاحتواء من قبل شبكات المصالح أو الدولة العميقة أو الصراعات الحزبية الضيقة، عبر تنمية الوعي والتنظيم والشفافية والاستقلالية والقدرة على إدارة الخلافات بصورة ناضجة.
(16) إدراك أن أخطر ما تواجهه حركات “جيل Z” اليوم ليس فقط القمع أو الاحتواء، بل خطر البقاء في دائرة الاحتجاج الدائم دون القدرة على إنتاج البديل. ومن هنا فإن التشبيك بين الطاقة الشبابية والخبرة الفكرية والسياسية والمؤسسية قد يصبح أحد أهم شروط الانتقال من “الانفجار الرقمي” إلى “المشروع السياسي والحضاري القادر على الاستمرار”.
(17) الانتقال من سياسة “إدارة الشباب” إلى سياسة “بناء المستقبل معهم”، لأن الأجيال الجديدة لم تعد تقبل أن تكون مجرد جمهور صامت أو هامش تابع، بل تريد أن تكون شريكًا فعليًا في صياغة الأولويات والسياسات وصناعة المجال العام، وهو ما يجعل فهمها والتفاعل معها ضرورة استراتيجية لا ترفًا فكريًا أو سياسيًا.
————
المراجع والمصادر
دراسات وتقارير عربية حول “جيل Z” والتحولات الشبابية
* الجزيرة نت – من المواقع إلى الواقع: صحوة جيل Z
قراءة تحليلية لظاهرة “جيل زد” في المغرب والعالم، وعلاقة الفضاء الرقمي بالحراك الشبابي.
* مؤسسة كارنيغي – الاحتجاج الرقمي في المغرب: قراءة سوسيولوجية في حراك جيل زد
تحليل سوسيولوجي وثقافي للحركات الرقمية الشبابية في المغرب وتحولاتها الرمزية والسياسية.
* مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية – دور وسائل التواصل الاجتماعي في احتجاجات الجيل زد
دراسة تتناول طبيعة الحركات الشبابية الرقمية، ودور المنصات الاجتماعية في تشكيل الاحتجاجات المعاصرة.
* رويترز عربي – تراكم أزمات وراء حركة الجيل زد في المغرب
تقرير تحليلي يربط بين الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وصعود الحركات الشبابية الرقمية.
* القدس العربي – احتجاجات جيل Z: كيف تحولت من السلمية إلى العنف؟ قراءة سياسية واجتماعية لتحولات الحراك الشبابي المغربي ومخاطر التصعيد والاحتواء.
* ترو ستاديز – احتجاجات الجيل زد في المغرب: الأسباب والدلالات
دراسة تتناول الخلفيات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لحركة “جيل زد 212”.
مراجع عربية حول الحركات الاجتماعية والتحول الرقمي
* عبد الإله بلقزيز، الدولة والمجتمع والاحتجاج.
* سعد الدين إبراهيم، المجتمع المدني والتحول الديمقراطي في العالم العربي.
* برهان غليون، اغتيال العقل السياسي.
* فهمي هويدي، الإسلام والديمقراطية.
* عبد الوهاب الأفندي، الثورة والإصلاح والتحول السياسي.
* مصطفى حجازي، الإنسان المهدور.
* مصطفى حجازي، التخلف الاجتماعي – مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور.
* عبد الرحمن الكواكبي، طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد.
* مالك بن نبي، شروط النهضة.
* محمد عابد الجابري، العقل السياسي العربي.
* طارق البشري، الحركة السياسية في مصر.
دراسات عربية حول الإعلام الرقمي والشباب
* الجزيرة للدراسات
يضم دراسات متخصصة حول الإعلام الرقمي، والحركات الاحتجاجية، وتحولات المجال العام العربي.
* المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات
أوراق ودراسات حول الشباب العربي، والتحولات السياسية، والحركات الاجتماعية.
* مركز الجزيرة للدراسات – الشباب العربي والتحول الرقمي
دراسات تتناول أثر المنصات الرقمية في تشكيل الوعي والحراك السياسي.
مصادر صحفية وتحليلية عربية داعمة
* العربي الجديد
* الجزيرة نت
* القدس العربي
* عربي بوست
* اندبندنت عربية
مراجع نظرية مساعدة يمكن الاستفادة منها عربيًا
* الشبكات والغضب والأمل – مانويل كاستلز (ترجمة عربية).
* تويتر والغاز المسيل للدموع – زينب توفيق (ترجمات ودراسات عربية حوله).
* عصر رأسمالية المراقبة – شوشانا زوبوف (مراجعات عربية ودراسات تحليلية).
* مجتمع الشبكة – مانويل كاستلز.
وتوفر هذه المراجع خلفية مناسبة لفهم:
* التحولات الجيلية والسياسية.
* أثر المنصات الرقمية في الاحتجاجات.
* العلاقة بين الشباب والدولة.
* أزمة التمثيل الحزبي التقليدي.
* مستقبل الحركات الشبابية في العالم العربي والإسلامي.



