أوراق بحثيةدراسات

قراءة تحليلية في كتاب «شهادتي وذكرياتي (1974–2012) في تاريخ الجماعة الإسلامية» للمهندس صلاح هاشم

🟦🟦 قراءة تحليلية في كتاب «شهادتي وذكرياتي (1974–2012) في تاريخ الجماعة الإسلامية» للمهندس صلاح هاشم

🟦 مركز حريات للدراسات السياسية والاستراتيجية – يونيو 2026

——

🟦 الملخص

يقدم كتاب «شهادتي وذكرياتي» للمهندس صلاح هاشم ابرز مؤسسي الجماعة الإسلامية بمصر، والذي وافته المنية هذا الأسبوع، شهادة تاريخية وفكرية مهمة عن نشأة الجماعة الإسلامية وتطورها منذ بدايات الصحوة الإسلامية في الجامعات المصرية خلال السبعينيات وحتى مرحلة المراجعات وما بعد ثورة يناير. وتنبع أهميته من كونه رواية أحد المشاركين في صناعة الأحداث، بما يتيحه من تفاصيل وشهادات يصعب العثور عليها في المصادر الأخرى.

يوثق الكتاب البيئة الفكرية والاجتماعية التي سبقت ظهور الجماعة الإسلامية، ويرصد صعود الحركة الطلابية الإسلامية، وعلاقاتها ببقية التيارات الإسلامية، وعلى رأسها الدكتور عمر عبد الرحمن وجماعة الإخوان المسلمين. كما يتناول مراحل الانتشار والتوسع، ثم الصدام مع السلطة، وما ترتب عليه من تحولات عميقة انتهت إلى مبادرة وقف العنف والمراجعات الفكرية.

ولا يقتصر الكتاب على السرد التاريخي، بل يقدم قراءة من الداخل لظاهرة الصحوة الإسلامية، ويعرض رؤية المؤلف لأهم إنجازاتها في إعادة الاعتبار للدين في المجال العام، ونشر الثقافة الإسلامية، وإحياء الاهتمام بالقرآن والعلوم الشرعية، ورفع مستوى الوعي بين الشباب.

ويمثل الكتاب مصدرًا مهمًا للباحثين في تاريخ الحركات الإسلامية المصرية، لما يتضمنه من شهادات حول تطور الفكر الحركي الإسلامي، والعلاقة بين الإسلاميين والدولة، وأسباب الانتقال من العمل الدعوي إلى المواجهة المسلحة، ثم العودة إلى المراجعة وإعادة التقييم.

وفي المجمل، يعد الكتاب أكثر من مجرد مذكرات شخصية؛ فهو وثيقة تاريخية تسجل مرحلة مهمة من تاريخ مصر والحركة الإسلامية، وتوفر مادة ثرية لفهم تحولات الصحوة الإسلامية وتجاربها ونجاحاتها وإخفاقاتها على مدى ما يقرب من نصف قرن.

يُعد كتاب «شهادتي وذكرياتي» للمهندس صلاح هاشم رحمه الله تعالى من أبرز المذكرات التي تناولت تاريخ الجماعة الإسلامية المصرية من داخل التجربة نفسها، إذ لا يكتفي بسرد الوقائع والأحداث، بل يقدم شهادة أحد المؤسسين الذين عايشوا مسيرة الحركة الإسلامية منذ بدايات الصحوة في الجامعات المصرية خلال السبعينيات وحتى ثورة يناير وما أعقبها من تحولات سياسية ودعوية. وتمتد أهمية الكتاب إلى ما هو أبعد من السيرة الذاتية، فهو يوثق جانبًا مهمًا من تاريخ الحركة الإسلامية المعاصرة في مصر، ويرصد البيئة الاجتماعية والفكرية التي نشأت فيها الجماعة الإسلامية، والعوامل التي ساعدت على صعودها وانتشارها، ثم التحديات والصدامات التي واجهتها في مراحل لاحقة. كما يتيح للقارئ الاطلاع على رؤية أحد الفاعلين الرئيسيين للأحداث، بما تحمله من تفاصيل وشهادات ومواقف قلما تتوافر في الدراسات الأكاديمية أو الكتابات الخارجية. ومن ثم فإن الكتاب يمثل مصدرًا مهمًا لفهم ظاهرة الصحوة الإسلامية، ومسار الجماعة الإسلامية، وتحولات العمل الإسلامي في مصر على مدى ما يقرب من أربعة عقود، بما له وما عليه، وما حققه من إنجازات وما واجهه من إخفاقات وتحديات.

🔵 (أولا) قيمة الكتاب التاريخية

تنبع القيمة التاريخية لكتاب «شهادتي وذكرياتي» من كونه شهادة مباشرة كتبها أحد المشاركين في صناعة الأحداث لا أحد المراقبين لها من الخارج. فالمهندس صلاح هاشم لا يقدم دراسة أكاديمية تعتمد على الوثائق والمراجع فحسب، ولا يكتب سردًا صحفيًا يعتمد على الروايات المتداولة، وإنما يسجل تجربته الشخصية بوصفه أحد أبناء الجيل المؤسس للجماعة الإسلامية في جامعة أسيوط، وهي الجامعة التي شكلت أحد أهم مراكز انطلاق الصحوة الإسلامية الطلابية في مصر خلال سبعينيات القرن العشرين. ولهذا يكتسب الكتاب أهمية خاصة باعتباره مصدرًا من مصادر تاريخ الحركة الإسلامية المصرية.

ويتميز الكتاب بأنه يغطي فترة زمنية طويلة تمتد من منتصف السبعينيات وحتى ما بعد ثورة يناير، وهي مرحلة شهدت تحولات عميقة في تاريخ مصر والحركة الإسلامية معًا. فمن خلال صفحاته يتعرف القارئ على الأجواء الدينية والاجتماعية والفكرية التي سبقت نشأة الجماعة الإسلامية، وعلى حالة الفراغ الديني والفكري التي كانت تعيشها قطاعات واسعة من الشباب، وعلى الصعود المتزامن للتيارات اليسارية والقومية، ثم ظهور موجة التدين الجديدة التي عُرفت لاحقًا باسم الصحوة الإسلامية.

كما يقدم الكتاب صورة تفصيلية للحركة الإسلامية الطلابية داخل الجامعات المصرية، وكيف تحولت من مجموعات دعوية محدودة النشاط إلى قوة مؤثرة استطاعت أن تفرض حضورها في الحياة الجامعية، وأن تنافس التيارات الأخرى على قيادة اتحادات الطلاب والتأثير في الرأي العام الشبابي. وفي هذا السياق يرصد المؤلف طبيعة العلاقات التي نشأت بين الجماعة الإسلامية وبقية التيارات الإسلامية، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، كما يقدم شهادات مهمة عن العلاقة بالدكتور عمر عبد الرحمن والدور الذي لعبه في تشكيل الوعي الفقهي والفكري والحركي لأبناء الجماعة.

ولا تقتصر أهمية الكتاب على مرحلة الصعود، بل تمتد إلى المراحل الأكثر حساسية وإثارة للجدل في تاريخ الجماعة الإسلامية، حيث يتناول تطور العلاقة بين الحركة والسلطة، وكيف انتقلت الأوضاع تدريجيًا من النشاط الدعوي والاجتماعي إلى حالة الصدام والمواجهة، ثم ما ترتب على ذلك من اعتقالات ومواجهات وأحداث كبرى تركت آثارًا عميقة على الدولة والمجتمع والحركة الإسلامية نفسها.

وتزداد قيمة الكتاب التاريخية لأنه يتناول كذلك مرحلة المراجعات الفكرية ومبادرة وقف العنف، وهي من أهم التحولات التي شهدتها الحركة الإسلامية المعاصرة في العالم العربي، ثم ينتقل إلى مرحلة ما بعد ثورة يناير وما فتحته من آفاق جديدة للمشاركة السياسية والعمل العلني. ومن ثم فإن الكتاب لا يوثق تاريخ الجماعة الإسلامية فحسب، بل يقدم نافذة مهمة لفهم تاريخ الصحوة الإسلامية المصرية وتحولاتها الفكرية والتنظيمية والسياسية على مدى ما يقرب من أربعة عقود، الأمر الذي يجعله وثيقة تاريخية جديرة بالقراءة والدراسة لكل المهتمين بتاريخ الحركات الإسلامية المعاصرة.

🔵 (ثانيًا) القضايا والمحطات الرئيسية التي يوثقها الكتاب

لا يقتصر الكتاب على سرد الذكريات الشخصية، بل يقدم شهادة تفصيلية على عدد من المحطات المؤسسة في تاريخ الجماعة الإسلامية والحركة الإسلامية المصرية، ويمكن تصنيفها في المحاور التالية:

(1) النشأة والتكوين

▪ نشأة الجماعة الإسلامية في الجامعات المصرية.

▪ البيئة الدينية والاجتماعية في السبعينات.

▪ حرب أكتوبر والصحوة الإسلامية.

▪ تأسيس البنية التنظيمية الأولى للجماعة.

▪ صعود التيار الإسلامي في اتحادات الطلاب.

▪ التعرف على الشيخ عمر عبد الرحمن.

▪ العلاقة المبكرة مع جماعة الإخوان المسلمين.

(2) التحولات الفكرية والتنظيمية

▪ الثورة الإيرانية وتأثيرها على الحركات الإسلامية.

▪ تطور الرؤية الفكرية والتنظيمية للجماعة.

▪ بروز القيادات التاريخية للجماعة الإسلامية.

(3) مرحلة الصدام مع الدولة

▪ حملات الاعتقال والملاحقة الأمنية.

▪ مرحلة زكي بدر.

▪ قضية الجناح العسكري.

▪ الاغتيالات ومحاولات الاغتيال.

▪ اقتحام المساجد.

▪ توسع دائرة الصدام بين الجماعة والسلطة.

(4) مبادرة وقف العنف والمراجعات

▪ وساطة الشيخ الشعراوي.

▪ الدعوة إلى وقف القتال.

▪ مبادرة وقف العنف.

▪ حادث الأقصر.

▪ أحداث الكشح.

▪ الحوار داخل السجون.

▪ المراجعات الفكرية.

(5) الإفراجات والتحول السياسي

▪ الإفراج عن المعتقلين.

▪ إعادة دمج أبناء الجماعة في المجتمع.

▪ ثورة يناير 2011.

▪ الانتقال إلى العمل السياسي العلني.

(6) التقييم والحصاد

▪ إنجازات الحركة الإسلامية.

▪ الإخفاقات والتحديات.

▪ أسباب الصدام.

▪ عوامل النهوض.

▪ الدروس المستفادة للمستقبل.

🔵 (ثالثاً) أهم ما يميز الكتاب

يتميز كتاب «شهادتي وذكرياتي» بعدد من الخصائص التي تمنحه قيمة تاريخية وفكرية خاصة، وتجعل منه أكثر من مجرد مذكرات شخصية أو سرد للأحداث. ومن أبرز هذه المزايا أنه يقدم وصفًا دقيقًا للمجتمع المصري في السنوات التي سبقت ظهور الصحوة الإسلامية. فالمؤلف يرسم صورة واضحة للمناخ الفكري والديني والاجتماعي الذي ساد الجامعات والمدن المصرية في أواخر الستينيات وبداية السبعينيات، حيث كانت التيارات القومية واليسارية والشيوعية تهيمن على المجال الطلابي والثقافي، بينما كان التدين بين قطاعات واسعة من الشباب في حالة تراجع، وانتشرت كثير من المظاهر التي اعتبرها أبناء الصحوة آنذاك بعيدة عن الهوية الإسلامية. وتساعد هذه الشهادات على فهم الأسباب التي جعلت الدعوة الإسلامية تجد قبولًا واسعًا بين الشباب وتتحول خلال سنوات قليلة إلى ظاهرة جماهيرية مؤثرة.

ومن أبرز ما يميز الكتاب كذلك توثيقه الدقيق لنشأة الجماعة الإسلامية وتطورها في مراحلها الأولى. فالمؤلف لا يكتفي بالإشارة إلى التأسيس، بل يروي كيف تحولت «الجماعة الدينية» في جامعة أسيوط إلى «الجماعة الإسلامية» عام 1974، والخلفيات الفكرية والتنظيمية التي صاحبت اختيار الاسم، والرؤية التي كانت تحكم المشروع في بداياته، والقائمة الأولى للقيادات التي أسهمت في بنائه وانتشاره. وتكتسب هذه التفاصيل أهمية خاصة لأنها صادرة عن أحد المشاركين المباشرين في تلك المرحلة التأسيسية.

كما يبرز الكتاب جانبًا مهمًا يتعلق بطبيعة العلاقة بين الجماعة الإسلامية وجماعة الإخوان المسلمين. إذ يقدم المؤلف رواية تفصيلية لمحاولات التقارب والتنسيق بين الطرفين، والجهود التي بُذلت لتحقيق قدر من الوحدة والعمل المشترك. ويظهر من خلال هذه الشهادات أن الخلافات التي برزت لاحقًا لم تكن في جوهرها خلافات عقدية أو دعوية، بقدر ما كانت مرتبطة بالهياكل التنظيمية وأساليب العمل وأولويات الحركة. ومن ثم يوفر الكتاب مادة مهمة لفهم طبيعة العلاقات بين التيارات الإسلامية المختلفة خلال مرحلة تشكل الصحوة الإسلامية وصعودها في مصر.

🔵 (رابعاً) أهم الإسهامات الفكرية في الكتاب

لا تتوقف أهمية كتاب «شهادتي وذكرياتي» عند حدود التوثيق التاريخي للأحداث، بل تمتد إلى تقديم قراءة فكرية لظاهرة الصحوة الإسلامية وأسباب صعودها وتأثيرها في المجتمع المصري. فالمؤلف لا يكتفي بسرد الوقائع، وإنما يحاول تفسيرها وبيان العوامل التي أسهمت في تشكيل الوعي الإسلامي الجديد لدى جيل السبعينيات، وهو ما يجعل الكتاب أقرب إلى شهادة فكرية على مرحلة تاريخية كاملة.

ويرى المؤلف أن أبرز إنجازات الحركة الإسلامية في تلك المرحلة تمثل في إعادة الدين إلى المجال العام بعد سنوات من الانكفاء والانحسار، وربط الشباب بالإسلام بوصفه منهجًا للحياة لا مجرد شعائر وعبادات فردية. كما يبرز الدور الذي قامت به الحركة في مواجهة التيارات الشيوعية والإلحادية التي كانت مؤثرة في بعض الأوساط الثقافية والجامعية، وفي نشر الثقافة الإسلامية بين الشباب عبر الدروس والندوات والمعسكرات والكتب والمطبوعات.

ويمنح الكتاب مساحة واسعة للحديث عن إحياء الاهتمام بالقرآن الكريم والعلوم الشرعية، ونشر ثقافة طلب العلم الشرعي بين الطلاب، وإعادة الاعتبار لفريضة الدعوة إلى الله باعتبارها مسؤولية جماعية لا تقتصر على العلماء والدعاة المتخصصين. كما يشير إلى دور الحركة الإسلامية في رفع مستوى الوعي العام لدى الشباب بقضايا الأمة وتاريخها وتحدياتها، وتحويل اهتمام كثير منهم من الانشغال بالقضايا الفردية المحدودة إلى الاهتمام بالشأن العام والعمل للإصلاح والتغيير.

ومن أهم الأفكار التي يؤكد عليها المؤلف أن الصحوة الإسلامية أعادت طرح مفهوم شمول الإسلام بوصفه دينًا ينظم مختلف جوانب الحياة الروحية والاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية، وهو المفهوم الذي يرى أنه كان أحد أبرز العوامل التي منحت الحركة الإسلامية جاذبيتها وانتشارها في تلك المرحلة.

ولهذا فإن هذا الجزء من الكتاب يمثل في حقيقته قراءة من الداخل لظاهرة الصحوة الإسلامية المصرية، ومحاولة لفهم دوافعها وأهدافها وآثارها، أكثر مما يمثل مجرد سرد لذكريات شخصية أو تسجيل لأحداث تاريخية متتابعة. فهو يقدم رؤية أحد أبناء التجربة لمرحلة كان لها أثر بالغ في تشكيل الواقع الديني والفكري والسياسي في مصر والعالم العربي خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين.

🔵 (خامساً) ما الذي يضيفه الكتاب للباحثين؟

تتجاوز أهمية كتاب «شهادتي وذكرياتي» حدود كونه مذكرات شخصية أو شهادة ذاتية، ليصبح مصدرًا مهمًا للباحثين المهتمين بتاريخ الحركات الإسلامية المعاصرة في مصر. فالمؤلف يروي الأحداث من موقع المشاركة المباشرة، ويقدم تفاصيل وشهادات يصعب العثور عليها في الوثائق الرسمية أو الدراسات الأكاديمية التي كُتبت من خارج التجربة. ولهذا يتيح الكتاب مادة أولية ثرية تساعد على فهم كثير من القضايا التي لا تزال محل نقاش بين الباحثين والمهتمين بالشأن الإسلامي والسياسي.

ويفيد الكتاب بصورة خاصة في دراسة تاريخ الجماعة الإسلامية منذ نشأتها الأولى داخل الجامعات المصرية، مرورًا بمراحل توسعها وانتشارها، وصولًا إلى المراجعات الفكرية والتحولات السياسية اللاحقة. كما يقدم مادة مهمة لفهم تاريخ الحركة الطلابية الإسلامية التي لعبت دورًا محوريًا في تشكيل ظاهرة الصحوة الإسلامية خلال السبعينيات والثمانينيات، ويكشف طبيعة البيئة الفكرية والتنظيمية التي نشأت فيها تلك الحركة.

ومن الجوانب المهمة كذلك ما يقدمه الكتاب من شهادات حول العلاقة بين الإسلاميين والدولة، وكيف تطورت هذه العلاقة من مراحل التعايش النسبي إلى مراحل الصدام والمواجهة، وما ترتب على ذلك من تداعيات سياسية وأمنية وفكرية. كما يساعد الباحث على تتبع تطور الفكر الحركي الإسلامي في مصر، ورصد التحولات التي طرأت على مفاهيم الدعوة والتنظيم والعمل العام خلال عقود متعاقبة.

ويكتسب الكتاب قيمة إضافية من تناوله لقضية بالغة الأهمية في تاريخ الحركات الإسلامية، وهي أسباب الانتقال من النشاط الدعوي والاجتماعي إلى المواجهة المسلحة، ثم العوامل التي قادت لاحقًا إلى المراجعات الفكرية ومبادرة وقف العنف وما نتج عنها من تحولات عميقة في الرؤية والممارسة.

ولهذا كله يمكن اعتبار الكتاب مصدرًا أوليًا مهمًا لكل من يسعى إلى دراسة تاريخ الجماعة الإسلامية أو الصحوة الإسلامية المصرية بصورة عامة، كما يمثل وثيقة تساعد الباحثين على فهم جانب مهم من تاريخ الحركة الإسلامية المعاصرة من خلال رؤية أحد المشاركين في صنع أحداثها وتحولاتها الكبرى.

🔵 (سادسا) التقييم العام

يمكن تصنيف كتاب «شهادتي وذكرياتي» ضمن أبرز المذكرات الإسلامية المصرية التي صدرت خلال السنوات الأخيرة، لما يجمعه من عناصر قلما تجتمع في عمل واحد. فهو من جهة شهادة شخصية يروي فيها المؤلف تجربته المباشرة في قلب الأحداث، ومن جهة أخرى وثيقة تاريخية تسجل مراحل مهمة من تطور الجماعة الإسلامية والحركة الإسلامية المصرية بصورة عامة. كما يتجاوز حدود السرد التقليدي ليقدم تحليلات فكرية وسياسية واجتماعية للأحداث والتحولات التي شهدتها تلك المرحلة.

وتبرز قيمة الكتاب في أنه لا يكتفي بتسجيل الوقائع، بل يسعى إلى تفسيرها وربطها بسياقاتها التاريخية والفكرية، مع قدر واضح من المراجعة والتأمل في التجربة. فالقارئ لا يجد نفسه أمام سجل للذكريات فحسب، وإنما أمام محاولة لفهم أسباب الصعود والانتشار، وعوامل النجاح والإخفاق، وطبيعة العلاقة المعقدة بين الدعوة والتنظيم والسياسة والدولة. كما يتيح الكتاب فرصة للاطلاع على رؤية أحد أبناء الجيل المؤسس لمسيرة امتدت لنحو نصف قرن من تاريخ الحركة الإسلامية المصرية.

ومن أهم ما يمنح الكتاب مكانته أنه يتناول مراحل متباينة من التجربة؛ من البدايات الدعوية في الجامعات، إلى مراحل التوسع والتنظيم، ثم الصدام مع السلطة، فالمراجعات الفكرية، وصولًا إلى المشاركة السياسية بعد ثورة يناير. وهذه الرحلة الطويلة تجعل الكتاب مرآة لتحولات الحركة الإسلامية نفسها، أكثر من كونه سيرة ذاتية لمؤلفه.

ولهذا فإن قيمة الكتاب لا تكمن فقط في ما يقدمه من معلومات وشهادات عن الماضي، بل في قدرته على مساعدة القارئ والباحث على فهم كيف نشأت الصحوة الإسلامية، وكيف تطورت أفكارها وأدواتها، ولماذا حققت نجاحات لافتة في بعض المراحل، ولماذا واجهت أزمات وصدامات مكلفة في مراحل أخرى. ومن ثم يمكن النظر إلى الكتاب باعتباره شهادة على مرحلة كاملة من تاريخ مصر والحركة الإسلامية المعاصرة، ووثيقة مهمة لفهم أحد أكثر المسارات تأثيرًا في الحياة الفكرية والسياسية المصرية خلال العقود الخمسة الأخيرة.

🔵 توصيات مركز حريات

بعد قراءة كتاب «شهادتي وذكرياتي» للمهندس صلاح هاشم، يرى مركز حريات للدراسات السياسية والاستراتيجية أن الكتاب لا يمثل مجرد سرد لذكريات شخصية أو توثيق لتاريخ الجماعة الإسلامية، بل يقدم مادة ثرية للتأمل والمراجعة واستخلاص الدروس المتعلقة بالحركات الإسلامية وتجارب التغيير في العالم العربي والإسلامي. ومن ثم يوصي المركز بما يلي:

(1) ضرورة العناية بتوثيق تجارب الحركات الإسلامية وقياداتها وروادها قبل ضياع كثير من الشهادات الحية المرتبطة بتاريخ تلك المرحلة.

(2) تشجيع إصدار المزيد من المذكرات والشهادات الشخصية من مختلف الاتجاهات الإسلامية والفكرية والسياسية لإثراء كتابة التاريخ المعاصر وتقديم صورة أكثر اكتمالًا وتوازنًا.

(3) إطلاق مشروعات بحثية متخصصة لدراسة ظاهرة الصحوة الإسلامية في السبعينيات والثمانينيات باعتبارها إحدى أهم الظواهر الاجتماعية والفكرية والسياسية في تاريخ مصر الحديث.

(4) إعادة دراسة العلاقة بين الدعوة والتنظيم والسياسة والدولة في ضوء الخبرات العملية والتجارب المتراكمة خلال العقود الماضية.

(5) الاستفادة من تجربة المراجعات الفكرية بوصفها نموذجًا مهمًا لقدرة الحركات والأفراد على النقد الذاتي والتصحيح والتطوير دون التفريط في الثوابت.

(6) تشجيع الدراسات المقارنة بين تجارب الحركات الإسلامية المختلفة في مصر والعالم الإسلامي، واستخلاص عوامل النجاح والإخفاق في كل تجربة.

(7) تشجيع ثقافة الحوار والتعاون بين التيارات الإسلامية المختلفة، وتجاوز الخلافات التاريخية التي أضعفت كثيرًا من فرص العمل المشترك.

(😎 الاهتمام ببناء الوعي التاريخي لدى الأجيال الجديدة، حتى تتمكن من فهم مسارات الحركة الإسلامية بعيدًا عن التبسيط المخل أو الأحكام المسبقة.

(9) تحويل الخبرات التاريخية المتراكمة إلى برامج تدريبية ومناهج معرفية تساعد الشباب والقيادات الجديدة على الاستفادة من دروس الماضي وتجنب أخطائه.

(10) اعتبار هذا الكتاب وأمثاله مصادر مهمة لفهم التحولات الفكرية والتنظيمية والسياسية التي مرت بها الحركة الإسلامية المصرية، وضرورة إدراجها ضمن المراجع الأساسية للباحثين والمهتمين بتاريخ الحركات الإسلامية المعاصرة.

ويؤكد مركز حريات أن قراءة التجارب التاريخية لا ينبغي أن تكون بهدف تمجيد الماضي أو جلد الذات، وإنما لاستخلاص الدروس والعبر التي تساعد على بناء مستقبل أكثر وعيًا ونضجًا وقدرة على التعامل مع تحديات الواقع وتحولاته المتسارعة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى