أوراق بحثيةدراسات

التعذيب في مصر – تشريح منظومة الاستبداد من الزنزانة إلى الدولة

🟦🟦 “التعذيب في مصر – تشريح منظومة الاستبداد من الزنزانة إلى الدولة”

🟦 دراسة حقوقية – سياسية – اجتماعية – استراتيجية

🟦 بمناسبة اليوم العالمي لمساندة ضحايا التعذيب

🟦 مركز حريات للدراسات السياسية والاستراتيجية – 26 يونيو 2026

🟦 الملخص

بمناسبة اليوم العالمي لمساندة ضحايا التعذيب، يقدم هذا الإصدار قراءة حقوقية وسياسية واجتماعية واستراتيجية لظاهرة التعذيب في مصر، باعتبارها إحدى السمات البنيوية للدولة الأمنية، لا مجرد تجاوزات فردية أو أخطاء معزولة. وتوضح الدراسة كيف تحول التعذيب، عبر عقود متعاقبة، إلى أداة لإدارة المجال السياسي، وكسر إرادة المعارضين، ونشر الخوف داخل المجتمع، بما ترك آثارًا عميقة في الضحايا وأسرهم والوعي الجمعي للمصريين.

وتتناول الدراسة الجذور التاريخية للظاهرة، وآلياتها المؤسسية، وعلاقتها بالقضاء والإعلام والنقابات، ودور التوثيق والمقاومة داخل السجون، كما تقرأ التحولات التي شهدتها مصر منذ التسعينيات، مرورًا بثورة يناير، وصولًا إلى مرحلة ما بعد 2013. وتخلص إلى أن إنهاء التعذيب لا يتحقق بالإصلاحات الشكلية، بل ببناء دولة القانون، واستقلال القضاء، وخضوع الأجهزة الأمنية للمساءلة، وحفظ ذاكرة الضحايا، بما يجعل الكرامة الإنسانية أساسًا للعلاقة بين الدولة والمواطن، ويحول دون تكرار هذه الجريمة في المستقبل.

🔵 مقدمة – لماذا الاهتمام بظاهرة التعذيب؟

في 26 يونيو حيث اليوم العالمي لمساندة ضحايا التعذيب، يتجدد التذكير بأن التعذيب ليس مجرد انتهاك لحقوق الإنسان، بل هو اعتداء على كرامة الإنسان وأحد أخطر مؤشرات الاستبداد السياسي وانهيار سيادة القانون. وفي مصر، ارتبطت هذه الظاهرة بتاريخ طويل من الصراع بين السلطة والمجتمع، وتجاوزت كونها ممارسات فردية لتصبح – في مراحل عديدة – جزءًا من آليات الضبط السياسي وإدارة المجال العام بالخوف.

ويأتي هذا الإصدار ليسجل قراءة حقوقية وسياسية واجتماعية واستراتيجية لظاهرة التعذيب، متتبعًا جذورها التاريخية، وآثارها الإنسانية، وأدوار مؤسسات الدولة والمجتمع في مواجهتها، انطلاقًا من قناعة بأن حماية الكرامة الإنسانية ليست مطلبًا حقوقيًا فحسب، بل هي أساس بناء الدولة العادلة، وضمان الاستقرار، وصون مستقبل الوطن.

فلم تعد ظاهرة التعذيب في مصر مجرد تجاوزات فردية أو ممارسات معزولة يمكن ردها إلى أخطاء بعض الأفراد، بل أصبحت إحدى القضايا الأكثر ارتباطًا بطبيعة النظام السياسي وآليات إدارة السلطة وعلاقة الدولة بالمجتمع. فالتعذيب، حين يتكرر ويتسع نطاقه ويستمر عبر عقود، يتحول من فعل إجرامي إلى مؤشر يكشف طبيعة البيئة السياسية والقانونية التي تسمح باستمراره أو تتغاضى عنه.

ولا تقتصر آثار التعذيب على الضحية وحدها، بل تمتد إلى أسرته ومحيطه الاجتماعي، وتترك آثارًا نفسية وثقافية عميقة تُنتج الخوف، وتُضعف الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وتُقوض سيادة القانون، بما ينعكس سلبًا على استقرار المجتمع ومستقبله.

وقد ارتبط التعذيب في التجربة المصرية، في كثير من مراحله، بإدارة المجال السياسي، ومواجهة المعارضة، وإحكام السيطرة على المجال العام، حتى أصبح في نظر كثيرين أحد تجليات الدولة الأمنية التي تقدم منطق القوة على منطق العدالة.

ومن هنا تكتسب دراسة هذه الظاهرة أهميتها؛ فهي ليست استدعاءً لمآسي الماضي، ولا توثيقًا لانتهاكات فحسب، وإنما محاولة لفهم جذور الاستبداد، وتشخيص آلياته، واستخلاص الدروس التي تمهد لبناء دولة تصون الكرامة الإنسانية، وتخضع فيها السلطة للقانون، ويكون الإنسان فيها غاية الحكم لا وسيلته.

🔵 (1) التعذيب بوصفه جريمة إنسانية كبرى

يمثل التعذيب أحد أبشع الجرائم التي يمكن أن تُرتكب بحق الإنسان، لأنه يستهدف القيمة التي تقوم عليها جميع الحقوق، وهي الكرامة الإنسانية. فهو لا يهدف إلى إيقاع الألم الجسدي فحسب، وإنما إلى تحطيم الإنسان نفسيًا، وتجريده من إرادته، وإشعاره بالعجز الكامل أمام السلطة. ولهذا اتفقت الشرائع السماوية، والقوانين الوطنية، والمواثيق الدولية على تجريمه بصورة قاطعة، باعتباره اعتداءً على الإنسان في جوهر وجوده.

ولا تتوقف آثار التعذيب عند الجسد، بل تمتد إلى النفس والذاكرة، إذ تترك خبرة التعذيب ندوبًا نفسية عميقة قد تلازم الضحية طوال حياته، وتنتقل آثارها إلى محيطه الأسري والاجتماعي، فتتحول من معاناة فردية إلى ذاكرة جماعية يعيشها المجتمع بأسره. ولذلك لا يصيب التعذيب فردًا واحدًا بقدر ما يصيب مجتمعًا كاملاً، حين يغرس الخوف، ويقوض الشعور بالأمان، ويزرع اليأس والكراهية والرغبة في الانتقام.

كما يؤدي انتشار التعذيب إلى إضعاف الثقة بين المواطن والدولة، إذ تتحول المؤسسات التي يفترض أن تحمي الحقوق إلى مصدر للخوف والتهديد، فتتآكل الثقة في القانون والعدالة، وتتعرض شرعية الدولة لاهتزاز عميق. ومن هنا لا يمكن النظر إلى التعذيب باعتباره مجرد انتهاك حقوقي أو تجاوز أمني، بل هو أزمة سياسية وأخلاقية ومجتمعية تمس أسس الاستقرار ذاته.

🔵 (2) التعذيب كأداة من أدوات الحكم

يرتبط انتشار التعذيب تاريخيًا في مصر باتساع نفوذ النظم السلطوية، حيث يتحول من وسيلة استثنائية إلى أداة لإدارة المجال العام وإخضاع المجتمع. ففي مثل هذه البيئات لا يكون الهدف الرئيس هو الحصول على المعلومات أو كشف الجرائم، وإنما كسر الإرادة الإنسانية، وإقناع المعارضين بأن مقاومة السلطة لا تقود إلا إلى الألم والعقاب.

ويؤدي ذلك إلى تحويل السياسة من مجال للمشاركة الحرة إلى مجال للخوف، فيتراجع الإقبال على العمل العام، وتنكمش مؤسسات المجتمع المدني، وتصبح العقوبة المتوقعة جزءًا من حسابات كل من يفكر في التعبير عن رأيه أو ممارسة حقه في المشاركة السياسية.

ولا تستهدف هذه الممارسات المعتقل وحده، بل تُوجَّه رسائلها إلى المجتمع بأسره. فكل واقعة تعذيب تتحول إلى وسيلة ردع لآلاف غير الضحية، بما يجعل أثرها النفسي والسياسي أوسع كثيرًا من حدود غرفة التحقيق أو مكان الاحتجاز.

ومع ذلك، تحرص الأنظمة التي تعتمد هذه الوسائل على الجمع بين نشر الخوف وإنكار المسؤولية؛ فهي تستفيد من الأثر الرادع الذي يتركه التعذيب في المجتمع، وفي الوقت نفسه ترفض الاعتراف الرسمي به، حتى تتجنب المساءلة القانونية والسياسية، وهو ما يكشف الطبيعة المركبة لهذه الممارسة.

🔵 (3) التعذيب بين السرية والإنكار

تُمارس جرائم التعذيب في الغالب بعيدًا عن أعين المجتمع، داخل أماكن مغلقة تخضع لإجراءات مشددة من السرية، مع الحد من الزيارات، ومنع وسائل التوثيق، لأن استمرار هذه الممارسات يرتبط بقدرتها على الإفلات من الرقابة والمساءلة.

وعندما تتسرب المعلومات أو تُكشف الوقائع، تلجأ السلطات في كثير من الأحيان – إذا لم تنكرها- إلى تفسيرها باعتبارها تجاوزات فردية أو أخطاء شخصية، حتى في الحالات التي تشير فيها الوقائع إلى وجود أنماط متكررة أو ممارسات واسعة النطاق، وهو ما يؤدي إلى تحويل المسؤولية من المستوى المؤسسي إلى المستوى الفردي.

كما كثيرًا ما يُشكك في روايات الضحايا، ويُتهمون بالمبالغة أو بتلفيق الادعاءات، بل وصلت بعض الخطابات الدفاعية في عدد من القضايا إلى الادعاء بأن الإصابات نتجت عن إيذاء الضحايا لأنفسهم أو عن أسباب أخرى لا علاقة لها بالتعذيب، الأمر الذي أثار جدلًا واسعًا لدى الأوساط الحقوقية والقانونية.

ولا يمثل هذا الإنكار مجرد وسيلة للدفاع، بل يعد جزءًا من المنظومة التي تسمح باستمرار الظاهرة؛ فغياب الاعتراف الرسمي، وضعف المساءلة، وإلقاء الشك على شهادات الضحايا، كلها عوامل تؤدي إلى إعادة إنتاج التعذيب، وترسيخ ثقافة الإفلات من العقاب، بما يجعل مكافحة الظاهرة أكثر تعقيدًا واستمرارًا.

🔵 (4) الجذور التاريخية لظاهرة التعذيب في مصر

لا يمكن فهم ظاهرة التعذيب في مصر بعيدًا عن تطور الدولة الحديثة وعلاقتها بالسلطة والمجتمع. فقد عرف التاريخ المصري صورًا متعددة من العنف السياسي، إلا أن التعذيب اكتسب مع مرور الزمن طابعًا أكثر انتظامًا وارتباطًا بالمؤسسات الأمنية، خصوصًا في الفترات التي اتسمت بتراجع الحياة السياسية واتساع صلاحيات أجهزة الأمن.

وقد ارتبط التعذيب، بدرجات متفاوتة، بمواجهة الخصوم السياسيين على اختلاف اتجاهاتهم الفكرية؛ فتعرض له إسلاميون، ويساريون، وقوميون، وليبراليون، ونقابيون، وطلاب، وصحفيون، وغيرهم من المعارضين، الأمر الذي جعل الظاهرة تتجاوز حدود الانتماء السياسي لتصبح قضية تمس طبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع.

وشهدت بعض السجون والمعتقلات في مراحل مختلفة من التاريخ المصري الحديث حضورًا بارزًا في شهادات الضحايا وكتاباتهم، حتى تحولت في الوعي العام إلى رموز لسنوات الصراع السياسي والقمع الأمني، وأصبحت قصصها جزءًا من الذاكرة الوطنية المعاصرة.

ولم يكن أثر تلك التجارب مقصورًا على من عاشها، بل امتد إلى المجال العام، حيث أسهمت في تشكيل تصورات أجيال متعاقبة عن طبيعة السلطة وحدودها، وعن العلاقة بين الأمن والحرية، وبين الدولة وحقوق الإنسان، وهو ما جعل دراسة تاريخ التعذيب مدخلًا مهمًا لفهم تطور الدولة المصرية الحديثة.

🔵 (5) التعذيب وذاكرة الأجيال

لا يعيش التعذيب داخل جدران السجون وحدها، بل يغادرها إلى ذاكرة المجتمع، حيث تنتقل قصصه بين الأسر والأحياء والجامعات وأوساط العمل، فتتحول الشهادات الفردية إلى خبرة جماعية تتوارثها الأجيال، حتى من لم يعايشوا تلك الوقائع بصورة مباشرة.

وقد لعبت شهادات المعتقلين، والمذكرات الشخصية، وكتب السجون، والروايات، والأعمال السينمائية والأدبية، دورًا مهمًا في كشف جانب من هذا العالم المغلق، ونقل تفاصيله إلى الرأي العام، بما ساهم في ترسيخ الوعي بخطورة التعذيب وآثاره الإنسانية والسياسية.

كما أسهمت هذه الذاكرة في تشكيل الوعي السياسي لدى أجيال كثيرة، إذ لم تعد قصص التعذيب مجرد روايات عن معاناة أفراد، وإنما تحولت إلى أسئلة كبرى حول طبيعة السلطة، وحدود استخدام القوة، ومعنى العدالة وسيادة القانون، وكيف يمكن حماية المجتمع من تكرار مثل هذه الممارسات.

ومن ثم، فإن الذاكرة المرتبطة بالتعذيب ليست مجرد سجل للألم، وإنما تمثل مصدرًا للتعلم السياسي والتاريخي، وحافزًا للمطالبة بضمانات تحول دون تكرار الانتهاكات، وتحفظ كرامة الإنسان في مختلف الظروف.

🔵 (6) لماذا تلجأ الأنظمة إلى التعذيب؟

تشير الخبرات التاريخية المقارنة إلى أن التعذيب لا يُستخدم في الغالب بوصفه وسيلة للتحقيق فحسب، وإنما باعتباره أداة من أدوات السيطرة السياسية وإدارة الصراع مع الخصوم. فحين تتراجع الثقة بين السلطة والمجتمع، ويتسع الاعتماد على الحلول الأمنية، يزداد خطر اللجوء إلى وسائل قسرية تتجاوز حدود القانون.

وفي كثير من الحالات، لا يكون الهدف الحقيقي هو الوصول إلى الحقيقة أو جمع المعلومات، بقدر ما يكون كسر الإرادة النفسية للضحية، وإرسال رسالة ردع إلى المحيط الاجتماعي والسياسي الذي تنتمي إليه، بحيث يصبح الخوف ذاته وسيلة لضبط المجال العام.

كما يرتبط استمرار هذه الممارسات بثقافة مؤسسية ترى في القوة معيارًا للفاعلية، وتمنح بعض الأجهزة شعورًا بأن الشدة هي الطريق الأقصر لتحقيق الأمن، رغم أن التجارب الدولية تشير إلى أن التعذيب ينتج غالبًا اعترافات غير موثوقة، ويقوض الثقة بالمؤسسات، ويؤدي إلى نتائج عكسية على المدى البعيد.

ولذلك فإن استمرار التعذيب لا يرتبط فقط بوجود أفراد يمارسونه، وإنما أيضًا بغياب المساءلة الفعالة، وضعف الرقابة، وترسخ ثقافة الإفلات من العقاب، وهي عوامل تجعل الجريمة قابلة للتكرار، وتمنحها طابعًا مؤسسيًا يتجاوز مسؤولية الأشخاص إلى مسؤولية البنية التي تسمح باستمرارها.

🔵 (7) من هو الضحية؟

حين يُذكر التعذيب، يتجه الذهن مباشرة إلى المعتقل الذي تعرض للإيذاء الجسدي أو النفسي، غير أن دائرة الضحايا أوسع بكثير من حدود الزنزانة. فالضحية الأولى هي الإنسان الذي سُلبت كرامته، بغض النظر عن انتمائه السياسي أو الفكري أو الاجتماعي. وقد تعاقبت في السجون المصرية أجيال من المعارضين السياسيين، والإسلاميين، واليساريين، والناشطين، والطلاب، والصحفيين، والمدافعين عن حقوق الإنسان، كما لم يسلم كثير من المحتجزين في القضايا الجنائية، ولا سيما الفقراء والمهمشون الذين لا يجدون من يدافع عنهم أو يوثق معاناتهم.

ولا تقف آثار التعذيب عند الشخص المعتقل، بل تمتد إلى أسرته التي تعيش سنوات طويلة من القلق والانتظار والخوف، وتتحمل أعباء اقتصادية ونفسية واجتماعية قاسية، وتجد نفسها في مواجهة وصمة أو عزلة فرضتها الظروف السياسية. ومع مرور الزمن، تتحول المعاناة الفردية إلى معاناة جماعية تتسرب إلى المجتمع بأسره، فيتراجع الشعور بالأمان، وتتآكل الثقة بالمؤسسات، ويصبح الخوف جزءًا من الحياة اليومية، ويعتاد الناس الصمت تجنبًا للمصير ذاته. ومن ثم فإن الضحية الحقيقية ليست فردًا بعينه، وإنما المجتمع كله حين يصبح التعايش مع الإهانة والخوف أمرًا مألوفًا.

🔵 (😎 من هو الجلاد؟

لا يمكن اختزال ظاهرة التعذيب في أفراد يمارسون العنف بمعزل عن غيرهم، فغالبًا ما يكون الجلاد جزءًا من منظومة مؤسسية تمنحه السلطة والصلاحيات والحماية، وتوفر له بيئة تسمح باستمرار هذه الممارسات دون مساءلة فعالة. وفي مثل هذه البيئات لا يصبح التعذيب مجرد انحراف شخصي، بل يتحول إلى سلوك يتعلمه بعض الأفراد، ويعاد إنتاجه داخل المؤسسة باعتباره وسيلة مشروعة لتحقيق الأهداف الأمنية أو السياسية.

ومع تكرار ممارسة العنف، يفقد الجلاد تدريجيًا حساسيته تجاه آلام الآخرين، فتتآكل الحدود الأخلاقية التي تحكم السلوك الإنساني، ويصبح التعذيب فعلًا اعتياديًا لا يثير لديه شعورًا بالذنب. وفي الوقت نفسه، تشير بعض الدراسات النفسية إلى أن ممارسي التعذيب أنفسهم يتعرضون لتشوهات نفسية وأخلاقية عميقة، تجعلهم أسرى لثقافة العنف التي أنتجتهم. ومن هنا، فإن الجلاد ليس مجرد شخص، بل هو نتاج ثقافة مؤسسية وسياسية تسمح بانتهاك الإنسان وتكافئ القسوة وتحمي مرتكبيها، وهو ما يجعل إصلاح البنية المؤسسية شرطًا أساسيًا لمنع تكرار الظاهرة.

🔵 (9) مؤسسات التعذيب

ترتبط ظاهرة التعذيب في مصر عادةً بوجود أماكن احتجاز وتحقيق تخضع لسلطات أمنية واسعة، وتعمل في ظل مستويات متفاوتة من السرية وضعف الرقابة. وقد ارتبطت في الذاكرة المصرية أسماء بعض المقار الأمنية، وأجهزة التحقيق، والسجون والمعتقلات، بوقائع وشهادات عديدة حول التعذيب وسوء المعاملة، كما أثيرت عبر العقود تساؤلات متكررة بشأن أماكن احتجاز غير معلنة أو غير خاضعة للرقابة الكافية.

ولا تقتصر الإشكالية على أماكن الاحتجاز وحدها، بل تمتد إلى المنظومة المحيطة بها بأكملها. فحين تتحول بعض الوحدات الطبية داخل السجون إلى مجرد أداة لتغطية الانتهاكات بدلًا من علاج آثارها، أو حين لا تُحقق شكاوى الضحايا بالجدية والسرعة اللازمتين، أو حين يغيب الإشراف القضائي والرقابي الفعال، تصبح المؤسسة بأكملها جزءًا من المشكلة، ولو بدرجات متفاوتة.

ولهذا فإن دراسة مؤسسات التعذيب لا تعني دراسة المباني أو الأجهزة الأمنية فحسب، وإنما دراسة منظومة متكاملة تشمل آليات الاحتجاز والتحقيق، ومستوى الرقابة والمساءلة، ودور الجهات الطبية والقضائية والإدارية، وكيفية تفاعلها مع شهادات التعذيب، لأن استمرار أي ظاهرة بهذا الحجم لا يكون نتيجة تصرفات فردية، بل يرتبط بقدرة المؤسسات على منع الانتهاكات أو السماح باستمرارها.

🔵 (10) التعذيب والقضاء

يشكل القضاء، من حيث المبدأ، الحصن الأخير لحماية الحقوق والحريات، غير أن فعاليته في مواجهة التعذيب ترتبط بدرجة استقلاله وقدرته على مساءلة أجهزة السلطة دون تمييز أو ضغوط. وفي بعض اللحظات السياسية الاستثنائية، أتيحت للضحايا فرص محدودة لإيصال أصواتهم إلى ساحات القضاء، لكن هذه الفرص كانت غالبًا انعكاسًا لتوازنات سياسية أو ضغوط داخلية وخارجية أكثر من كونها تعبيرًا عن سياسة مستقرة لمكافحة التعذيب.

وتبرز أهمية بعض المحاكمات التاريخية التي وصل فيها متهمون بارتكاب التعذيب إلى قفص الاتهام، لأنها كسرت حاجز الحصانة السياسية والأمنية ولو جزئيًا. ومن أبرز الأمثلة على ذلك قضايا التعذيب المرتبطة بملف تنظيم الجهاد عام 1986، حيث مثّل وصول عدد من المتهمين إلى المحكمة حدثًا مهمًا في ذاته، غير أن انتهاء القضية ببراءة الجلادين ترك أثرًا بالغًا في الوعي العام. فلم تكن المشكلة في عدم معاقبة بعض المتهمين فحسب، بل في الرسالة التي أوحت بأن المنظومة قادرة على حماية نفسها حتى عندما تصل الانتهاكات إلى ساحات القضاء.

وتكررت هذه الدلالة في محاكمات أخرى شهدتها مصر، مثل بعض قضايا الوفاة داخل أقسام الشرطة أو أماكن الاحتجاز، حيث تحولت المحاكمة في أحيان كثيرة إلى اختبار حقيقي لقدرة العدالة على مواجهة أجهزة الأمن. ففي قضايا مثل مقتل خالد سعيد، أو قضايا تعذيب محامين ومواطنين داخل أقسام الشرطة، لم تكن القضية مجرد واقعة جنائية محدودة، بل كانت مرآة للعلاقة المختلة بين السلطة والمواطن، وللسؤال الأكبر: هل يستطيع القانون أن يحاسب من يحتكر القوة؟

كما تكشف هذه القضايا أن إحالة بعض المتهمين إلى المحاكمة لا تكفي وحدها ما لم تصاحبها إرادة سياسية وقضائية لكشف الحقيقة كاملة، وحماية الشهود، ومحاسبة كل المستويات المتورطة، لا الاكتفاء بحلقات التنفيذ المباشر. فالعدالة الجزئية أو المتأخرة أو الانتقائية قد تخفف الغضب مؤقتًا، لكنها لا تنهي بنية الإفلات من العقاب.

وعندما يفقد الضحايا الثقة في قدرة القضاء على إنصافهم، تتراجع هيبة القانون، ويترسخ الاعتقاد بأن الإفلات من العقاب هو القاعدة لا الاستثناء. ومن هنا فإن القضاء المستقل لا يمثل مجرد مؤسسة للفصل في الخصومات، وإنما يعد أحد أهم الضمانات لمنع التعذيب، وردع مرتكبيه، وترسيخ مبدأ المساواة أمام القانون، إذ لا يمكن الحديث عن عدالة حقيقية أو محاسبة فعالة في ظل غياب استقلال القضاء وسيادة القانون.

🔵 (11) التعذيب والإعلام

لم تكن معركة التعذيب يومًا معركة قانونية أو أمنية فحسب، بل كانت أيضًا معركة على الحقيقة والذاكرة والرواية. فالإعلام الحر يؤدي دورًا محوريًا في كشف الانتهاكات، ونقل شهادات الضحايا، وكسر جدار الصمت الذي تحرص الأنظمة السلطوية على بنائه حول أماكن الاحتجاز. ولذلك ارتبطت كثير من قضايا التعذيب في مصر بنشر شهادات المعتقلين، وتسريب الرسائل والصور والوثائق، وبتحقيقات صحفية معارضة أسهمت في إخراج هذه الجرائم من العزلة إلى المجال العام.

في المقابل، يؤدي الإعلام الخاضع للسلطة دورًا مختلفًا، إذ يكتفي بتجاهل الوقائع، أو إعادة إنتاج الرواية الرسمية، أو التقليل من شأن الانتهاكات، أو تصويرها باعتبارها تجاوزات فردية لا تعبر عن سياسات عامة. وبهذا يتحول الصمت الإعلامي إلى أحد عوامل استمرار الظاهرة، لأنه يحرم المجتمع من المعرفة، ويضعف الرقابة الشعبية على مؤسسات الدولة.

ومن هنا، فإن توثيق الشهادات، وحفظ الذاكرة، ونشر الدراسات والكتب والأفلام والمواد الإعلامية التي ترصد هذه التجارب، لا يمثل مجرد عمل توثيقي، بل يعد جزءًا من مقاومة التعذيب ومنع تكراره، لأن الجريمة التي تُنسى يسهل أن تتكرر، أما الجريمة التي تبقى حاضرة في الوعي العام فتظل مصدر ضغط أخلاقي وسياسي وقانوني على كل من يسعى إلى تبريرها أو إخفائها.

🔵 (12) التعذيب والنقابات

أثبتت الخبرات المصرية أن المؤسسات المهنية المستقلة يمكن أن تؤدي دورًا مهمًا في مقاومة التعذيب والدفاع عن كرامة الإنسان، حين تتمتع بالاستقلال والقدرة على التعبير عن أعضائها. فقد لعبت بعض النقابات المهنية، في محطات مختلفة، أدوارًا بارزة في إثارة قضايا الانتهاكات، والمطالبة بالتحقيق فيها، وتقديم الدعم القانوني والمهني للضحايا وأسرهم.

وتبرز في هذا السياق تجربة نقابة المحامين التي شهدت أكثر من محطة احتجاجية ضد التعذيب، من أبرزها تحركاتها الواسعة عقب وفاة المحامي عبد الحارث مدني داخل محبسه، وما تبع ذلك من اعتصامات وبيانات ومطالبات بالمحاسبة، كما برز دورها في الدفاع عن المحامين الذين تعرضوا للاعتداء داخل أقسام الشرطة أو أثناء أداء عملهم، واعتبار ذلك اعتداءً على سيادة القانون وليس على أفراد بعينهم.

كما برز دور نقابة الأطباء في إثارة المسؤولية المهنية والأخلاقية للأطباء العاملين في السجون وأماكن الاحتجاز، والدعوة إلى عدم التستر على آثار التعذيب أو تزوير التقارير الطبية، بما يحفظ استقلال الطبيب ويصون رسالته الإنسانية. وفي هذا السياق، أسهمت جهود عدد من الأطباء والناشطين داخل النقابة في إثارة النقاش حول أخلاقيات المهنة، ورفض تحويل الطبيب إلى جزء من منظومة الانتهاك بدلاً من أن يكون شاهدًا عليها أو مدافعًا عن ضحاياها.

وشهدت نقابات مهنية أخرى، مثل نقابة الصحفيين، مواقف بارزة في الدفاع عن حرية الصحافة وحق وسائل الإعلام في كشف الانتهاكات، كما لعبت شخصيات نقابية وحقوقية مستقلة أدوارًا مؤثرة في توثيق حالات التعذيب، وتوفير الدعم القانوني والإعلامي للضحايا، وإبقاء القضية حاضرة في المجال العام رغم الضغوط الأمنية والسياسية.

ولا تقتصر أهمية النقابات على الدفاع عن أعضائها، بل تمتد إلى الدفاع عن قيم سيادة القانون والكرامة الإنسانية باعتبارها جزءًا من رسالتها العامة. وفي المقابل، فإن صمت المؤسسات المهنية أو تراجعها عن أداء هذا الدور يضعف الرقابة المجتمعية، ويمنح مرتكبي الانتهاكات شعورًا ضمنيًا بالإفلات من المساءلة. ولهذا تظل النقابات المهنية، إلى جانب المؤسسات الحقوقية والأكاديمية والإعلامية، أحد أهم روافع المجتمع في مواجهة التعذيب، وترسيخ ثقافة الحقوق، والدفاع عن استقلال المهن ورسالتها الأخلاقية.

🔵 (13) صور من مقاومة التعذيب داخل السجون

لم تكن مقاومة التعذيب داخل السجون المصرية مجرد رد فعل غاضب على لحظات الألم، بل تحولت مع مرور الزمن إلى ثقافة نضالية متكاملة، اعتمدت على وسائل متعددة هدفت إلى كسر إرادة الجلاد، وحماية السجناء، وفضح الانتهاكات، ومنع تحول التعذيب إلى واقع مقبول أو مألوف. فقد أدرك المعتقلون منذ وقت مبكر أن صمت الضحية يمنح الجريمة عمرًا أطول، وأن المقاومة تبدأ من رفض الاستسلام، مهما بلغت كلفة ذلك.

تنوعت وسائل المقاومة بين الهتاف الجماعي الذي كان يكسر العزلة المفروضة على الزنازين، والإضراب عن الطعام بوصفه احتجاجًا أخلاقيًا وسياسيًا، وبين كشف أسماء المتورطين في جلسات المحاكم وإحراجهم أمام الرأي العام، وتهريب الرسائل والشهادات والوثائق إلى خارج السجون لتوثيق ما يجري بعيدًا عن الرقابة الرسمية. كما تحولت الزنازين إلى فضاءات للحوار والتنظيم والتخطيط والتثقيف، بعدما أريد لها أن تكون أماكن للعزل والإذلال.

ومن أكثر صور المقاومة دلالة اتساع دائرة التضامن لتشمل السجناء الجنائيين الذين كانوا يتعرضون لانتهاكات قاسية بعيدًا عن اهتمام الإعلام والرأي العام. فقد نظر كثير من المعتقلين السياسيين إلى الدفاع عنهم باعتباره دفاعًا عن الإنسان وكرامته، لا عن انتمائه أو نوع قضيته. وهكذا تحولت مقاومة التعذيب من معركة تخص أفرادًا بعينهم إلى موقف أخلاقي وإنساني شامل، يؤكد أن كرامة الإنسان لا تتجزأ.

🔵 (14) التوثيق كسلاح طويل المدى

أثبتت التجارب أن التوثيق كان أحد أكثر الأسلحة فاعلية في مواجهة التعذيب، لأنه ينقل الجريمة من فضاء السرية إلى سجل التاريخ، ويحرم مرتكبيها من القدرة على الإنكار الكامل. فبينما كانت أجهزة القمع تراهن على الصمت والخوف وضياع الأدلة، كان الضحايا يعملون على بناء ذاكرة مضادة تحفظ الوقائع وتمنع طمسها.

ولهذا جرى تسجيل شهادات المعتقلين فور خروجهم أو حتى من داخل السجون بوسائل مختلفة، وجُمعت أسماء الضحايا والشهداء والمفقودين، ووُثقت أماكن الاحتجاز وأساليب التعذيب، وصُورت الآثار الجسدية كلما أتيحت الفرصة، كما حُفظت أسماء المسؤولين الذين ارتبطت بهم هذه الانتهاكات، وربطت الوقائع بتواريخها وأماكنها وسياقاتها السياسية والقضائية.

ولم يكن الهدف من هذا الجهد مجرد تسجيل الذكريات، وإنما تحويل الألم الفردي إلى ملف حقوقي وتاريخي متكامل، يمكن أن تستند إليه الأبحاث، والمنظمات الحقوقية، والهيئات القضائية، ولجان الحقيقة والعدالة الانتقالية مستقبلًا. فالتوثيق لا يغير الماضي، لكنه يمنع تزويره، ويصنع ذاكرة جماعية تضعف فرص تكرار الانتهاكات، وتحفظ حقوق الضحايا حتى وإن تأخرت العدالة سنوات طويلة.

🔵 (15) التعذيب والسجناء الجنائيون

تركز الاهتمام العام غالبًا على ما تعرض له المعتقلون السياسيون من انتهاكات، غير أن السجناء الجنائيين كانوا، في كثير من الفترات، الحلقة الأكثر هشاشة داخل منظومة السجون، إذ كانوا أقل قدرة على إيصال أصواتهم إلى المجتمع، وأضعف من حيث الحماية القانونية والإعلامية، الأمر الذي جعل كثيرًا منهم عرضة لأشكال قاسية ومتكررة من سوء المعاملة والتعذيب.

وقد كشفت شهادات متعددة أن الانتهاكات اليومية التي تعرض لها عدد من السجناء الجنائيين تجاوزت في بعض الأحيان ما كان يتعرض له السجناء السياسيون، بسبب غياب الرقابة، وضعف الاهتمام بقضاياهم، والنظرة الاجتماعية السلبية إليهم. ولهذا رأى كثير من المعتقلين السياسيين أن مقاومة التعذيب لا تكتمل إذا اقتصرت على الدفاع عن فئة دون أخرى، فوقفوا مرات إلى جانب السجناء الجنائيين، واحتجوا على ما يتعرضون له، وسعوا إلى وقف بعض ممارسات الجلد والعقوبات البدنية والإهانات الجماعية داخل السجون.

وقد أثبتت هذه التجربة أن الدفاع عن ضحايا التعذيب لا ينبغي أن يرتبط بالانتماء السياسي أو الاجتماعي، وإنما يستند إلى مبدأ أصيل هو كرامة الإنسان. كما أن بعض الإصلاحات التي شهدها نظام السجون لاحقًا، ومنها إلغاء بعض العقوبات البدنية، تعكس أن المقاومة المتواصلة، مهما بدت محدودة في بدايتها، يمكن أن تترك أثرًا تراكميًا يمتد إلى ما بعد سنوات طويلة من النضال.

🔵 (16) التعذيب في التسعينيات

شهدت مصر خلال عقد التسعينيات واحدة من أكثر مراحلها الأمنية قسوة، في ظل اتساع دائرة الاعتقالات وتصاعد المواجهة بين الدولة والجماعات الإسلامية، الأمر الذي أدى إلى منح الأجهزة الأمنية سلطات واسعة تحت مبررات الحفاظ على الأمن والاستقرار. وفي هذا المناخ تصاعدت ممارسات التعذيب بصورة لافتة، ولم تعد تقتصر على انتزاع المعلومات، بل أصبحت جزءًا من سياسة ردع شاملة تستهدف كسر التنظيمات المعارضة وإحكام السيطرة على المجال العام.

وترافقت هذه المرحلة مع تزايد حالات الوفاة داخل أماكن الاحتجاز، سواء نتيجة التعذيب المباشر أو بسبب الإهمال الطبي وسوء أوضاع السجون، بينما كانت كثير من تقارير الوفاة الرسمية تُصاغ بعبارات نمطية تُرجع الأسباب إلى هبوط حاد في الدورة الدموية أو أسباب صحية عامة، بما حال دون مساءلة المسؤولين عن الانتهاكات. وفي الوقت نفسه تعرضت الصحافة المستقلة، والنقابات المهنية، والمحامون، والحقوقيون لضغوط متزايدة كلما سعوا إلى كشف هذه الممارسات أو الدفاع عن ضحاياها.

ومع اتساع نطاق الانتهاكات، لم يعد التعذيب يبدو استثناءً أو تجاوزًا فرديًا، بل أخذ في نظر كثير من الباحثين والحقوقيين سمات السياسة المؤسسية التي ارتبطت بطبيعة إدارة الصراع السياسي خلال تلك المرحلة.

🔵 (17) التعذيب والحرب على الإرهاب

أحدثت التحولات الدولية، ولا سيما بعد تصاعد الخطاب العالمي في بداية الألفية حول مكافحة الإرهاب، بيئة سياسية جديدة أتاحت لعدد من الأنظمة توسيع صلاحياتها الأمنية تحت مظلة مواجهة التهديدات العابرة للحدود. وفي هذا السياق قدمت السلطات المصرية نفسها شريكًا رئيسيًا في الحرب الدولية على الإرهاب، وهو ما وفر لها قدرًا من الدعم الخارجي أو التغاضي عن كثير من الانتقادات الحقوقية المرتبطة بسجلها الداخلي.

وأدى هذا المناخ إلى تعميق التعاون الأمني والاستخباري مع عدد من الدول، وارتبط اسم مصر ببرامج نقل بعض المشتبه بهم واستجوابهم في إطار ما عرف لاحقًا بعمليات “الترحيل السري”، وهي الممارسات التي أثارت جدلًا واسعًا في تقارير المنظمات الحقوقية الدولية. كما أظهرت تجارب متعددة أن التعهدات الرسمية بعدم التعرض للموقوفين بالتعذيب لم تكن كافية لطمأنة الهيئات الدولية، في ظل استمرار الاتهامات بوقوع انتهاكات داخل أماكن الاحتجاز.

وتشير هذه المرحلة إلى أن خطاب مكافحة الإرهاب لم يؤد فقط إلى توسيع أدوات الدولة الأمنية، بل وفر أيضًا غطاءً سياسيًا ودبلوماسيًا مكّن بعض الأنظمة من الاستمرار في سياسات استثنائية تحت عنوان حماية الأمن القومي.

🔵 (18) ثورة يناير… لحظة كسر الخوف

جاءت ثورة الخامس والعشرين من يناير في سياق تراكم طويل من الاحتقان السياسي والاجتماعي، وكان اختيار يوم عيد الشرطة موعدًا لانطلاقها يحمل دلالة رمزية عميقة تعكس حجم الغضب المتراكم تجاه الممارسات الأمنية، وفي مقدمتها التعذيب وسوء المعاملة وانتهاك الكرامة الإنسانية.

ولم يكن التعذيب السبب الوحيد للثورة، لكنه كان أحد أكثر الرموز تعبيرًا عن أزمة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وأحد العوامل التي أسهمت في تحطيم حاجز الخوف لدى قطاعات واسعة من المواطنين. ومع سقوط النظام السابق شهدت البلاد تراجعًا ملحوظًا في ممارسات التعذيب خلال المرحلة الأولى، نتيجة تراجع القبضة الأمنية وتغير ميزان القوة بين المجتمع والأجهزة الأمنية.

غير أن هذا التراجع ظل مؤقتًا، إذ لم يصاحبه إصلاح مؤسسي شامل أو إعادة بناء للعقيدة الأمنية أو مراجعة جادة لملفات الانتهاكات السابقة، الأمر الذي أبقى كثيرًا من البنى والهياكل القديمة على حالها. وقد كشفت هذه التجربة أن التعذيب يتراجع عندما تصبح الأجهزة خاضعة للمساءلة ويشعر القائمون عليها بوجود رقابة مجتمعية وقانونية حقيقية، وأن الخوف المتبادل بين السلطة والمجتمع يمثل عاملًا مؤثرًا في حجم الانتهاكات.

🔵 (19) لماذا عاد التعذيب بعد الثورة؟

سرعان ما عادت اتهامات التعذيب إلى الواجهة بعد سنوات قليلة من الثورة، وهو ما أثار تساؤلات واسعة حول أسباب عودة الظاهرة رغم التغيير السياسي الذي شهدته البلاد. ويشير عدد من الباحثين إلى أن أحد أهم الأسباب يتمثل في بقاء البنية المؤسسية للأجهزة الأمنية دون إصلاح جذري، بما في ذلك استمرار العقيدة الأمنية وأساليب العمل وآليات اتخاذ القرار التي تشكلت عبر عقود طويلة.

كما أسهم غياب مسار واضح للعدالة الانتقالية في تجميد ملفات الانتهاكات السابقة، فلم تُفتح بصورة شاملة، ولم تتحول إلى عملية مؤسسية لكشف الحقيقة أو محاسبة المسؤولين أو جبر ضرر الضحايا، الأمر الذي أضعف فرص إحداث قطيعة مع الماضي. ومع تصاعد الاستقطاب السياسي وعودة الاعتبارات الأمنية إلى صدارة المشهد، استعادت الدولة كثيرًا من أدواتها التقليدية في إدارة المجال العام.

وتبرز هذه التجربة أن تغيير أسماء المؤسسات أو إعادة هيكلتها شكليًا لا يؤدي بالضرورة إلى تغيير فلسفة عملها أو ثقافتها الداخلية، ما لم يصاحبه إصلاح قانوني ومؤسسي عميق يرسخ مبادئ المساءلة والشفافية واحترام الحقوق الأساسية، ويضمن عدم تكرار الانتهاكات مستقبلاً.

🔵 (20) ما بعد 2013: عودة التعذيب بوصفه سياسة شاملة

مثّلت مرحلة ما بعد عام 2013، في نظر العديد من الباحثين والمنظمات الحقوقية، تحولًا جديدًا في طبيعة العلاقة بين الدولة والمجال العام، حيث اتسعت الإجراءات الأمنية بصورة غير مسبوقة، وارتبط ذلك بموجات واسعة من الاعتقالات على خلفيات سياسية، وتزايدت الاتهامات بوقوع حالات إخفاء قسري واحتجاز خارج الأطر القانونية، إلى جانب تصاعد الشكاوى المتعلقة بالتعذيب وسوء المعاملة داخل مقار الاحتجاز والسجون.

وفي هذا السياق، لم يعد التعذيب يُنظر إليه بوصفه وسيلة للحصول على معلومات أو اعترافات فحسب، وإنما كأداة لإدارة المجال السياسي وإحكام السيطرة عليه، من خلال بث رسائل ردع واسعة تتجاوز الضحية المباشرة إلى المجتمع بأسره. كما أدى الانتشار الواسع لروايات الانتهاكات، رغم استمرار الإنكار الرسمي، إلى انتقال التعذيب من ممارسة يجري إخفاؤها قدر الإمكان إلى وسيلة ترهيب ذات أثر نفسي وسياسي عام، تستهدف إعادة إنتاج الخوف بوصفه أحد أهم أدوات الضبط والسيطرة.

وتشير هذه المرحلة إلى أن اتساع المجال الأمني، مقرونًا بتراجع آليات الرقابة والمساءلة، أسهم في ترسيخ بيئة تسمح باستمرار الانتهاكات، وجعل قضية التعذيب تعود إلى واجهة النقاش الحقوقي والسياسي داخل مصر وخارجها.

🔵 (21) لماذا لم تنجح مقاومة التعذيب؟

تكشف الخبرة التاريخية أن مقاومة التعذيب، رغم ما بذله الضحايا وأسرهم والمحامون والصحفيون والمنظمات الحقوقية من جهود كبيرة، لم تستطع القضاء على الظاهرة بصورة نهائية. ويعود ذلك إلى أن منظومة الحكم نفسها كانت توفر غطاءً سياسيًا ومؤسسيًا يحول دون محاسبة المسؤولين، ويجعل الجلاد يشعر بأنه يعمل داخل منظومة تحميه أكثر مما تحاسبه.

كما أسهم محدودية استقلال المؤسسات القضائية والرقابية في إضعاف فرص الملاحقة القانونية، بينما حالت القيود المفروضة على المجال العام دون تكوين ضغط مجتمعي متواصل قادر على فرض إصلاحات عميقة. وإلى جانب ذلك، لعب الخوف المتراكم عبر عقود دورًا مهمًا في الحد من قدرة المجتمع على المواجهة المنظمة، إذ كان التعذيب نفسه أداة لإنتاج هذا الخوف وإدامته.

وتشير التجربة كذلك إلى أن المشكلة لم تكن في أفراد بعينهم، بل في بنية سياسية وأمنية متكاملة جعلت التعذيب جزءًا من آليات إدارة الصراع. وحتى اللحظات التي شهدت انفتاحًا سياسيًا، لم تُستكمل فيها عملية إصلاح مؤسسات الدولة بصورة تضمن إزالة الأسباب التي سمحت باستمرار هذه الممارسات، الأمر الذي سهّل عودتها مع تغير موازين القوى السياسية.

🔵 (22) كيف يمكن إنهاء التعذيب؟

تشير الخبرات الدولية والتجارب المقارنة إلى أن القضاء على التعذيب لا يتحقق بمجرد إصدار تشريعات جديدة أو معاقبة عدد محدود من المسؤولين، وإنما يتطلب إصلاحًا سياسيًا ومؤسسيًا شاملًا يعالج البيئة التي تسمح بوقوع هذه الجريمة واستمرارها. ويبدأ ذلك بترسيخ نظام سياسي يقوم على سيادة القانون، ويخضع فيه الجميع، بما في ذلك الأجهزة الأمنية، لرقابة قضائية وتشريعية ومجتمعية فعالة.

ويقتضي هذا المسار ضمان الاستقلال الكامل للقضاء والنيابة، وفتح ملفات الانتهاكات السابقة وفق إجراءات قانونية عادلة تكشف الحقيقة، وتنصف الضحايا، وتحقق المساءلة دون توظيف سياسي. كما تبرز أهمية إنشاء آليات للعدالة الانتقالية تجمع بين كشف الحقيقة، وجبر الضرر، والإصلاح المؤسسي، والمصالحة الوطنية، بما يمنع تكرار الانتهاكات في المستقبل.

ولا يكتمل هذا المسار دون إصلاح أوضاع السجون وأماكن الاحتجاز، وتطوير العقيدة المهنية لأجهزة إنفاذ القانون، وتمكين الإعلام الحر، والنقابات المهنية، والمؤسسات الحقوقية من أداء دورها الرقابي، إلى جانب بناء ثقافة مجتمعية تعتبر التعذيب اعتداءً على الدولة وسيادة القانون قبل أن يكون اعتداءً على الضحية، وترى أن حماية كرامة الإنسان هي أحد أهم أسس الأمن والاستقرار والدولة الحديثة.

🔵 الخاتمة – لا استبداد بلا تعذيب… ولا دولة قانون بلا كرامة إنسانية

تكشف التجربة المصرية الحديثة أن التعذيب لم يكن مجرد انحرافات فردية أو تجاوزات أمنية معزولة، وإنما ارتبط – في محطات كثيرة من تاريخ الصراع السياسي – ببنية سلطوية توسعت فيها الاعتبارات الأمنية على حساب سيادة القانون والحقوق الأساسية. ولذلك لم يكن التعذيب مجرد وسيلة للحصول على المعلومات، بل تحول في كثير من الأحيان إلى أداة لإخضاع المجتمع، وإدارة المجال العام بالخوف، وإرسال رسائل ردع تتجاوز الضحية إلى محيطها الاجتماعي والسياسي.

كما أثبتت التجارب أن أخطر ما يخلّفه التعذيب لا يتمثل في الألم الجسدي وحده، وإنما في ما يتركه من آثار عميقة على الضمير الوطني، والثقة بين الدولة والمجتمع، وثقافة القانون، وتماسك المؤسسات. فحين يصبح الإفلات من العقاب هو القاعدة، تتآكل هيبة العدالة، وتفقد الدولة جزءًا من مشروعيتها الأخلاقية، ويتحول الخوف إلى أحد أهم أدوات الحكم.

لقد أظهرت الخبرة التاريخية أن مكافحة التعذيب لا تتحقق بالمواقف الخطابية، ولا بالمحاكمات الشكلية، ولا بمجرد تغيير أسماء الأجهزة أو إعادة تنظيمها، وإنما تتطلب إرادة سياسية حقيقية لإخضاع جميع مؤسسات الدولة لسيادة القانون، واستقلال القضاء، وفعالية المساءلة، وشفافية الرقابة، واحترام الكرامة الإنسانية بوصفها أساسًا للعلاقة بين الدولة والمواطن.

إن المعركة ضد التعذيب ليست معركة حقوقية فحسب، بل هي معركة من أجل بناء دولة حديثة تستمد قوتها من شرعيتها لا من الخوف، ومن احترام كرامة الإنسان لا من إذلاله، ومن ثقة المجتمع بها لا من رهبة أجهزتها. فلا أمن مستدام مع الإهانة، ولا استقرار طويل الأمد مع القهر، ولا نهضة حقيقية في ظل ثقافة تجعل التعذيب وسيلة للحكم بدلاً من أن تعتبره جريمة بحق الإنسان والدولة معًا.

ولهذا فإن مستقبل مصر، كغيرها من الدول الساعية إلى الاستقرار والتنمية، يبقى مرهونًا بقدرتها على بناء منظومة سياسية وقانونية تجعل حماية الكرامة الإنسانية جزءًا من الأمن الوطني، وتؤكد أن دولة القانون لا تُقاس بقدرتها على العقاب، بل بقدرتها على صون الحقوق، ومنع الظلم، وضمان ألا يدخل أي إنسان إلى زنزانة يفقد فيها كرامته أو حقوقه أو إنسانيته.

🔵 توصيات مركز حريات

1. اعتبار مكافحة التعذيب قضية وطنية واستراتيجية تمس مستقبل الدولة واستقرارها، وليست مجرد قضية حقوقية أو قانونية تخص فئة بعينها.

2. التأكيد على أن القضاء على التعذيب لا يمكن أن يتحقق بصورة مستدامة في ظل استمرار أنماط الحكم الاستبدادي التي تجعل القمع أحد أدوات إدارة المجال العام.

3. إطلاق مشروع وطني شامل لتوثيق جميع جرائم التعذيب والانتهاكات المرتبطة بها، وحفظ الأدلة والشهادات والوثائق باعتبارها جزءًا من الذاكرة الوطنية.

4. إنشاء قواعد بيانات مستقلة توثق الضحايا والمفقودين وشهادات الناجين وأماكن الاحتجاز، بما يضمن عدم ضياع الحقيقة بالتقادم أو التعتيم.

5. دعم المنظمات الحقوقية الوطنية والدولية وتمكينها من رصد أوضاع السجون وأماكن الاحتجاز وإصدار تقارير دورية مستقلة.

6. تفعيل الدور الرقابي للنقابات المهنية، وفي مقدمتها نقابات الأطباء والمحامين والصحفيين، في كشف الانتهاكات والدفاع عن الضحايا ومحاسبة المتورطين في التستر عليها.

7. تشجيع وسائل الإعلام الحرة والإنتاج الثقافي والفني على توثيق ظاهرة التعذيب وآثارها الإنسانية والاجتماعية، بما يسهم في بناء وعي مجتمعي رافض لها.

8. دعم البحوث والدراسات الأكاديمية التي تتناول ظاهرة التعذيب من أبعادها السياسية والقانونية والاجتماعية والنفسية، وتحويلها إلى مجال دائم للدراسة والتقييم.

9. إدراج مبادئ حقوق الإنسان وحرمة التعذيب وأخلاقيات إنفاذ القانون في المناهج التعليمية وبرامج إعداد العاملين في مؤسسات الدولة.

10. ترسيخ ثقافة مجتمعية تعتبر التعذيب جريمة أخلاقية ووطنية، لا يمكن تبريرها تحت أي ذريعة أمنية أو سياسية أو أيديولوجية.

11. رفض الإفلات من العقاب، والعمل على ضمان مساءلة كل من يثبت تورطه في التعذيب أو الأمر به أو التحريض عليه أو التستر عليه، وفقًا لمبادئ العدالة وسيادة القانون.

12. الاستفادة من تجارب العدالة الانتقالية ولجان الحقيقة والمصالحة في الدول التي نجحت في معالجة إرث الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.

13. العمل على إصلاح المنظومة الأمنية بما يرسخ عقيدة أمنية جديدة تقوم على حماية المواطن وصون كرامته واحترام القانون، بدلاً من إخضاعه بالخوف.

14. العمل على إخضاع جميع أماكن الاحتجاز والسجون لرقابة قضائية مستقلة ودورية، وتمكين الهيئات المختصة من الزيارات المفاجئة دون قيود.

15. تكريس استقلال القضاء والنيابة العامة، وتوفير الضمانات الكفيلة بالتحقيق الفعال والنزيه في جميع ادعاءات التعذيب وسوء المعاملة.

16. توفير برامج متخصصة لإعادة التأهيل النفسي والاجتماعي والصحي لضحايا التعذيب وأسرهم، وتعويضهم ماديًا ومعنويًا ورد الاعتبار إليهم.

17. تنشيط التعاون مع الآليات الدولية والإقليمية المعنية بمناهضة التعذيب، والوفاء الكامل بالالتزامات الناشئة عن الاتفاقيات الدولية ذات الصلة.

18. إطلاق حملات توعية مجتمعية مستمرة تؤكد أن مكافحة التعذيب ليست دفاعًا عن فئة سياسية أو فكرية، وإنما دفاع عن كرامة كل مواطن وسيادة القانون.

19. اعتبار احترام الكرامة الإنسانية وسيادة القانون أحد معايير تقييم أداء مؤسسات إنفاذ القانون، وربط الترقيات والمساءلة المهنية بالالتزام بهذه المبادئ.

20. التأكيد أن بناء دولة القانون والمؤسسات، القائمة على الفصل بين السلطات واستقلال القضاء وخضوع الأجهزة الأمنية للمساءلة الديمقراطية، هو الضمانة الحقيقية لإنهاء التعذيب ومنع تكراره، وترسيخ الأمن القائم على الشرعية والثقة المتبادلة بين الدولة والمجتمع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى