أوراق بحثيةدراساتمن أرشيف الثورة

تصنيع الغضب وإدارة الاحتجاج – كيف أُعيد تشكيل الإرادة الشعبية في 30 يونيو؟

🟦🟦 “تصنيع الغضب وإدارة الاحتجاج – كيف أُعيد تشكيل الإرادة الشعبية في 30 يونيو؟”

🟦 دراسة سياسية – تاريخية – اجتماعية – استراتيجية

🟦 بمناسبة ذكرى 30 يونيو

🟦 مركز حريات للدراسات السياسية والاستراتيجية – 2026

🟦 الحلقة الأولى

🔵 الملخص

تقدم هذه الدراسة قراءة سياسية وتاريخية واجتماعية واستراتيجية لأحداث الثلاثين من يونيو والثالث من يوليو 2013، بوصفها إحدى أكثر المحطات تأثيرًا في التاريخ المصري المعاصر. وتنطلق من فرضية أن ما جرى لم يكن مجرد احتجاجات شعبية أو انتقال مفاجئ للسلطة، بل حصيلة تفاعل معقد بين حالة غضب مجتمعي حقيقي ومُصنع، وأزمات سياسية واقتصادية، وأخطاء ارتكبتها مختلف القوى السياسية، وتحركات منظمة للدولة العميقة، ودعم إقليمي، وتقبل دولي، انتهت جميعها إلى إنهاء أول تجربة انتقال سياسي بعد ثورة يناير، وإعادة تشكيل النظام السياسي المصري.

وتتتبع الدراسة المراحل التي مرت بها الأزمة، بدءًا من طبيعة الدولة بعد سقوط نظام مبارك، والبيئة التي مهدت للصدام، وآليات تصنيع الغضب وإدارة الاحتجاج، ودور الإعلام، والمقاومة المستترة داخل مؤسسات الدولة، وصعود حركة «تمرد»، واستدراج القوى الثورية والمدنية، وإدارة الدولة العميقة للحظات الحسم، مرورًا بالأدوار الإقليمية والدولية، وأخطاء السلطة المنتخبة والقوى الإسلامية الداعمة لها، وصولًا إلى تفسير أسباب نجاح خطة إنهاء التجربة، وإعادة إنتاج النظام، وآثار ذلك على مصر والمنطقة، مع مناقشة فرص تجنب ما حدث، واستخلاص الدروس الاستراتيجية والتوصيات اللازمة لحماية أي تجربة انتقال سياسي مستقبلية من التعثر أو الاختطاف، وقد تضمنت الدراسة:

1. التمهيد – لماذا إعادة طرح هذا السؤال؟

2. مصر بعد ثورة يناير – الدولة التي سقط رأسها ولم تسقط مؤسساتها.

3. البيئة التي مهدت للصدام.

4. تصنيع الغضب وإعادة تشكيل المزاج العام.

5. المقاومة المستترة داخل مؤسسات الدولة.

6. تمرد – من مبادرة احتجاجية إلى منصة لإسقاط النظام.

7. كيف استُدرجت القوى الثورية والمدنية؟

8. إدارة الدولة العميقة للحظة الحسم.

9. الأدوار الإقليمية والدولية.

10. أخطاء السلطة المنتخبة.

11. أخطاء القوى الإسلامية الداعمة للرئيس.

12. لماذا نجحت الخطة؟

13. من الاحتجاج إلى إعادة إنتاج النظام.

14. الآثار بعيدة المدى.

15. هل كان يمكن تجنب ما حدث؟

16. القراءة الاستراتيجية.

17. الخلاصات العامة.

18. توصيات مركز حريات.

🔵 (1) التمهيد ـ لماذا إعادة طرح هذا السؤال؟

بعد أكثر من عقد على أحداث الثلاثين من يونيو والثالث من يوليو، لم يعد السؤال الأكثر أهمية هو من انتصر ومن خسر، بل: هل كان يمكن أن تسلك الأحداث مسارًا مختلفًا؟ وهل كانت نهاية أول تجربة انتقال سياسي في مصر حتمية فرضتها موازين القوى، أم أن هناك فرصًا حقيقية ضاعت بسبب أخطاء في التقدير والإدارة وبناء التحالفات؟

وتنبع أهمية هذا السؤال من أن دراسة التجارب التاريخية لا تستهدف إعادة إنتاج الخلافات أو تبرير مواقف الأطراف المختلفة، وإنما تهدف إلى فهم آليات صناعة الأحداث، واكتشاف نقاط الضعف التي قادت إلى الإخفاق، واستخلاص الخبرات التي يمكن أن تساعد على تجنب تكرارها في المستقبل. فالتاريخ لا يُقرأ لتسجيل ما وقع فحسب، بل لاكتشاف ما كان يمكن أن يحدث لو اتُّخذت قرارات مختلفة في اللحظات الحاسمة.

وتعتمد هذه الدراسة منهج تحليل السيناريوهات البديلة، من خلال التمييز بين ما كان ممكنًا تغييره عبر الإدارة السياسية الأفضل، وبين ما فرضته موازين القوى الداخلية والبيئة الإقليمية والدولية، بهدف الوصول إلى تقدير أكثر توازنًا لحدود المسؤولية، وحدود القدرة على الفعل، والدروس التي ينبغي أن تستفيد منها القوى الساعية إلى إدارة أي مرحلة انتقالية مستقبلًا.

وبذلك لا تنشغل الدراسة بإعادة كتابة التاريخ، وإنما بتوظيفه بوصفه مصدرًا للتعلم الاستراتيجي، وبناء وعي سياسي أكثر قدرة على فهم طبيعة المراحل الانتقالية، وإدراك التحديات التي تواجهها، وتطوير الأدوات اللازمة لحماية التحولات السياسية من التعثر أو الاختطاف.

🔵 (2) مصر بعد ثورة يناير – الدولة التي سقط رأسها ولم تسقط مؤسساتها

أحدثت ثورة الخامس والعشرين من يناير تحولًا تاريخيًا بإسقاط رأس النظام للمرة الأولى في تاريخ الجمهورية المصرية، لكنها لم تؤدِّ إلى تفكيك البنية العميقة التي قام عليها ذلك النظام طوال عقود. فقد غادر الرئيس السابق السلطة، بينما بقيت مؤسسات الدولة الرئيسة – العسكرية والأمنية والقضائية والإدارية والإعلامية – محتفظة بهياكلها، وثقافتها المؤسسية، وشبكات نفوذها، وأدوات تأثيرها في المجال العام.

وقد أوجد هذا الواقع حالة غير مسبوقة، إذ انتقلت السلطة التنفيذية إلى قيادة منتخبة، بينما بقيت مراكز القوة الفعلية موزعة بين مؤسسات لم تكن قد أعادت تعريف دورها في ظل النظام الجديد، ولم تنخرط في عملية تحول سياسي شامل. وهكذا وجد أول رئيس مدني منتخب نفسه مسؤولًا عن إدارة دولة لا يملك السيطرة على مفاصلها، في ظل جهاز بيروقراطي ضخم، وأجهزة أمنية وعسكرية وقضائية تشكلت في سياق سياسي مختلف، ولم تتغير بنيتها أو فلسفتها بمجرد تغيير رأس السلطة.

كما بقي الإعلام التقليدي، ومعه شبكات واسعة من رجال الأعمال والنخب الإدارية، يتحرك داخل البيئة السياسية التي تشكلت قبل الثورة، وهو ما جعل العلاقة بين السلطة المنتخبة ومؤسسات الدولة علاقة يغلب عليها الشك وعدم الثقة، أكثر من كونها علاقة تعاون لبناء مرحلة انتقالية جديدة.

ومن هنا ظهر تناقض جوهري بين الشرعية الانتخابية التي منحها صندوق الاقتراع للرئيس المنتخب، وبين السلطة المؤسسية التي بقيت موزعة داخل أجهزة الدولة. وقد تحول هذا التناقض تدريجيًا إلى صراع على من يمتلك القرار الحقيقي، وعلى طبيعة الدولة التي ستخرج من رحم ثورة يناير، هل ستكون دولة قانون تعيد توزيع السلطة بين المؤسسات المنتخبة، أم دولة تستعيد نموذجها السابق مع بعض التعديلات الشكلية؟

لقد كانت هذه الثنائية أحد أهم مفاتيح فهم ما جرى لاحقًا، لأن الصراع لم يكن بين حكومة ومعارضة فقط، بل بين مشروع يسعى إلى إدارة الدولة عبر الشرعية الانتخابية، ومنظومة مؤسسية احتفظت بمعظم أدوات القوة، وكانت أكثر خبرة وتنظيمًا وقدرة على إدارة الصراع طويل النفس.

🔵 (3) البيئة التي مهدت للصدام

لم تنشأ أزمة الثلاثين من يونيو فجأة، بل جاءت نتيجة تراكم عوامل سياسية واجتماعية ونفسية بدأت منذ الأيام الأولى بعد الثورة، وازدادت حدة مع اتساع الاستقطاب بين القوى السياسية. فقد دخلت مصر المرحلة الانتقالية من دون توافق وطني حقيقي حول قواعد إدارة الدولة، أو حدود المنافسة السياسية، أو طبيعة النظام الجديد، الأمر الذي جعل كل استحقاق انتخابي أو دستوري يتحول إلى معركة وجودية بين أطراف المشهد.

وتحملت جميع القوى السياسية جانبًا من مسؤولية هذا المناخ. فقد أخطأت السلطة المنتخبة في مكاشفة الشعب بحقيقة موقف الدولة العميقة وتعويقها لمسار الإصلاح، كما فشلت في بناء التحالفات وتوسيع قاعدة الشراكة، كما أخطأت قوى المعارضة حين تعاملت مع كثير من الخلافات بمنطق الإقصاء وإسقاط الخصم أكثر من البحث عن تسويات سياسية تحفظ المسار السياسي. وفي المقابل، لم تتمكن القوى الثورية من المحافظة على وحدتها أو تطوير مشروع وطني جامع يتجاوز الانقسامات الأيديولوجية.

وفي الوقت نفسه، بقيت شبكات المصالح المرتبطة بالنظام السابق حاضرة داخل الاقتصاد والإدارة والإعلام، ولم تكن ترى في نجاح التجربة الجديدة ضمانًا لمصالحها أو استمرارًا لنفوذها، الأمر الذي جعلها أقرب إلى مقاومة التغيير، أو انتظار اللحظة المناسبة لاستعادة موقعها.

كما لعبت المخاوف المتبادلة دورًا بالغ الأثر في تعميق الأزمة؛ إذ خشي قطاع من النخب المدنية من هيمنة الإسلاميين على الدولة، بينما رأت قطاعات من الإسلاميين أن خصومهم لا يقبلون بنتائج الانتخابات إذا جاءت بغير ما يريدون. ومع اتساع فجوة الثقة، غاب المشروع الوطني المشترك الذي يستطيع استيعاب الاختلافات داخل إطار سياسي جامع.

وهكذا تشكلت بيئة مثالية للتصعيد، حيث اجتمع الاستقطاب السياسي، وغياب الثقة، وضعف المؤسسات المنتخبة، واستمرار نفوذ الدولة العميقة، مع أزمات اقتصادية وضغوط اجتماعية متزايدة، لتصبح البلاد مهيأة لدخول واحدة من أكثر مراحلها اضطرابًا منذ قيام الجمهورية.

🔵 (4) صناعة الغضب وإعادة تشكيل المزاج العام

لم يكن الغضب الشعبي الذي سبق الثلاثين من يونيو نتاجًا لعامل واحد، بل جاء نتيجة تفاعل بين أزمات حقيقية وأخرى مُصنعة، وبين عملية واسعة موجهة لإعادة تشكيل إدراك الرأي العام لطبيعة تلك الأزمات وأسبابها. فقد شهدت البلاد خلال تلك المرحلة صعوبات اقتصادية ملموسة، وتراجعًا في الخدمات، وارتفاعًا في حدة الاستقطاب السياسي، لكن هذه الوقائع ترافقت مع حملة إعلامية متواصلة نجحت في تقديمها باعتبارها دليلًا على فشل شامل للتجربة المدنية، وربطت مستقبل الدولة بأداء السلطة الجديدة وحدها، مع تجاهل العوامل الأخرى.

وأصبح الإعلام، في كثير من منابره، الفاعل الأكثر تأثيرًا في صناعة المزاج العام، حيث تحولت البرامج الحوارية والصحف والفضائيات إلى منصات تعبئة يومية، تركز على الأزمات وتضخمها، وتربط كل خلل إداري أو اقتصادي بالرئاسة مباشرة. كما انتشرت الشائعات بصورة غير مسبوقة، وتكررت الرسائل التي تتحدث عن انهيار الدولة، وإفلاس الاقتصاد، وضياع الأمن، حتى تشكل لدى قطاعات واسعة من المواطنين شعور بأن البلاد تقف على حافة الانهيار الكامل.

وفي الوقت ذاته، لعبت أزمات الوقود والكهرباء والخبز دورًا كبيرًا في تكريس هذا الشعور، سواء كانت ناجمة عن اختلالات إدارية أو عن عوامل أخرى، إذ ظهرت آثارها اليومية بصورة مباشرة في حياة المواطنين، وهو ما جعلها أكثر قابلية للتوظيف السياسي والإعلامي. وتحول الضيق المعيشي إلى غضب سياسي، ثم إلى قناعة لدى كثيرين بأن تغيير القيادة أصبح شرطًا لإنقاذ الدولة.

وبذلك لم يكن الإعلام مجرد ناقل للأحداث، بل أصبح أحد أهم أدوات إعادة تشكيل الوعي العام، وصناعة بيئة نفسية تجعل قطاعات واسعة من المجتمع مستعدة لتقبل حلول استثنائية، باعتبارها الطريق الوحيد للخروج من الأزمة.

🔵 (5) المقاومة المستترة داخل مؤسسات الدولة

إلى جانب المعركة السياسية والإعلامية، واجهت السلطة المنتخبة تحديًا آخر تمثل في طبيعة العلاقة مع مؤسسات الدولة التي لم تشهد إعادة هيكلة بعد الثورة. فقد ظل الجهاز الإداري يعمل بالآليات ذاتها التي تشكلت عبر عقود، بينما بدت قدرة السلطة التنفيذية على فرض سياساتها محدودة أو منعدمة في كثير من القطاعات الحيوية، الأمر الذي انعكس على مستوى الأداء العام للدولة.

وأدى بطء الإجراءات، وتعطل تنفيذ بعض القرارات، وضعف التنسيق بين المؤسسات، إلى زيادة شعور المواطنين بعدم قدرة الحكومة على إدارة الأوضاع. كما شهدت بعض القطاعات موجات من الإضرابات والاحتجاجات الفئوية، في وقت كانت فيه البلاد تعاني أصلًا ضغوطًا اقتصادية وسياسية كبيرة، ما زاد من صعوبة إدارة المرحلة.

وفي المجال السياسي والقضائي، تصاعدت الخلافات بين مؤسسات الدولة والسلطة التنفيذية المنتخبة حول عدد من الملفات، وتحولت بعض النزاعات إلى معارك علنية زادت من حدة الاستقطاب وأضعفت صورة الدولة أمام الرأي العام. وأصبحت السلطة المنتخبة مطالبة بتحمل المسؤولية الكاملة عن نتائج سياسات لم تكن تملك أدوات تنفيذها أو السيطرة على جميع مفاصلها.

وقد أدى هذا الوضع إلى اتساع الفجوة بين الشرعية القانونية والقدرة العملية على الحكم. فامتلاك التفويض الشعبي لم يكن كافيًا لإدارة دولة بقيت مراكز القوة فيها موزعة بين مؤسسات متعددة، لكل منها تاريخها وثقافتها ومصالحها. ومع استمرار هذا التباين، أخذت صورة العجز تتسع في الوعي العام، الأمر الذي وفر بيئة مناسبة لتصاعد الدعوات المطالبة بتغيير المشهد السياسي بصورة جذرية.

ومن هنا يمكن فهم المقاومة المؤسسية بوصفها أحد أهم العوامل التي أسهمت في تعويق وإرباك التجربة الانتقالية، سواء كان ذلك نتيجة صراع سياسي، أو اختلاف في الرؤى، أو قصور في إدارة العلاقة بين السلطة الجديدة ومؤسسات الدولة، لتصبح جزءًا من السياق الذي مهد لما جرى في الثلاثين من يونيو.

🔵 (6) تمرد – من مبادرة احتجاجية إلى منصة لإسقاط النظام

ظهرت حركة «تمرد» في ربيع عام 2013 في لحظة كانت فيها حالة الاحتقان السياسي والاجتماعي قد بلغت مستويات مرتفعة. وقدمت نفسها باعتبارها مبادرة شبابية مستقلة تهدف إلى جمع توقيعات لسحب الثقة من الرئيس المنتخب والدعوة إلى انتخابات رئاسية مبكرة. غير أن ما كُشف لاحقًا من شهادات وتصريحات ووثائق كشف عن مدى صحة اعتبارها جزءًا من تحرك سياسي أوسع، بتنسيق مع أجهزة في الدولة، وعلى رأسها جهاز المخابرات العامة، وبدعم وتمويل من دولة الإمارات. ومن حيث الشكل، بدت الحركة امتدادًا طبيعيًا لثقافة الاحتجاج التي أفرزتها ثورة يناير، إلا أن سرعة انتشارها، وحجم الدعم الإعلامي والسياسي واللوجستي الذي حظيت به، والإمكانات التنظيمية التي وُضعت تحت تصرفها، جعلتها تتحول خلال فترة وجيزة إلى الفاعل السياسي الأكثر حضورًا وتأثيرًا في المشهد، ومهدت لتجميع مختلف القوى المعارضة للرئاسة تحت مظلة واحدة انتهت إلى أحداث 30 يونيو وما أعقبها.

فقد لعب الإعلام دورًا حاسمًا في هذه العملية؛ إذ أصبحت «تمرد» محور التغطية اليومية لمعظم القنوات والصحف، بينما جرى تقديم حملة التوقيعات باعتبارها استفتاءً شعبيًا جديدًا على شرعية الرئيس. ولم يكن الهدف الرئيس هو التحقق من الأرقام بقدر ما كان ترسيخ انطباع نفسي بأن الأغلبية الساحقة من المصريين أصبحت تطالب بإنهاء التجربة القائمة، وأن الشرعية الانتخابية قد استنفدت مبررات استمرارها.

وفي الوقت نفسه، استفادت الحركة من حالة السخط العام، ومن تلاقي مصالح قوى سياسية متعددة، لتتحول إلى مظلة جامعة لكل الرافضين للرئاسة، رغم اختلاف دوافعهم وخلفياتهم الفكرية. كما أثارت طبيعة الدعم اللوجستي والتنظيمي الذي حصلت عليه، وعلاقاتها ببعض وسائل الإعلام والشخصيات العامة، نقاشًا واسعًا حول من يقف وراءها، وما إذا كانت قد أصبحت جزءًا من مشروع أكبر يتجاوز أهدافها المعلنة.

وهكذا انتقلت «تمرد» تدريجيًا من كونها حركة احتجاج إلى أداة لإنتاج شرعية سياسية بديلة للانتخاب، تقوم على فكرة أن التفويض الشعبي المباشر يمكن أن يحل محل الشرعية الدستورية، وأن الإرادة التي تُقاس في الشارع أو عبر حملات التوقيع أصبحت أعلى من الإرادة التي أفرزتها صناديق الاقتراع! وقد شكل هذا التحول – في ظل تساوق رموز سياسية كبيرة- أحد أهم المقدمات الفكرية والسياسية التي كشفت ومهدت لتدخل المؤسسة العسكرية وإنهاء التجربة.

🔵 (7) كيف استُدرجت القوى الثورية والمدنية؟

من أكثر الجوانب تعقيدًا في مشهد الثلاثين من يونيو أن كثيرًا من القوى التي شاركت فيه لم تكن تدعو في الأصل إلى إنهاء المسار السياسي أو عودة الحكم العسكري، وإنما كانت تطالب بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، أو تشكيل حكومة إنقاذ وطني، أو تصحيح ما اعتبرته انحرافًا في إدارة المرحلة الانتقالية. غير أن هذه المطالب تحولت تدريجيًا إلى جزء من مسار آخر انتهى بنتائج تجاوزت بكثير ما كانت تتصوره تلك القوى.

وقد نجحت حالة الاستقطاب الحاد في دفع أطراف متباينة، من شباب الثورة، وبعض التيارات الليبرالية واليسارية، وشخصيات قومية، وحتى بعض الرموز السلفية، إلى الالتقاء حول هدف واحد هو إسقاط الرئيس المنتخب، رغم اختلاف رؤاهم لما ينبغي أن يأتي بعد ذلك. وساعد على ذلك تصاعد المخاوف من هيمنة الإسلاميين أو الإخوان على مؤسسات الدولة، وهي مخاوف جرى تضخيمها إعلاميًا وسياسيًا حتى أصبحت لدى قطاعات واسعة أولوية تتقدم على حماية المسار السياسي نفسه.

كما أدى فقدان الثقة بين القوى السياسية إلى غياب أي إمكانية لبناء تسوية وطنية، فأصبح كل طرف يرى في خصمه الخطر الأكبر، بينما تراجع إدراك الخطر الذي يمثله سقوط الثورة أو انهيار قواعد التداول السلمي للسلطة. وفي ظل هذا المناخ، تحركت قوى عديدة داخل مسار كانت ترسم اتجاهه مؤسسات أكثر تنظيمًا واستعدادًا، دون أن تدرك أن الهدف النهائي لم يكن مجرد تغيير رئيس أو تعديل سياسات، وإنما إعادة صياغة النظام السياسي بالكامل.

وقد كشفت نتائج الأحداث أن كثيرًا من القوى التي ساندت الاحتجاجات وجدت نفسها بعد أشهر قليلة خارج المجال السياسي الذي ساهمت في تغييره، بعدما عادت الدولة الأمنية إلى الواجهة، وتقلصت ثم انعدمت مساحة الحريات، وأُغلقت الساحة أمام معظم الفاعلين السياسيين، بمن فيهم بعض الذين شاركوا في إسقاط السلطة المنتخبة.

وتقدم هذه التجربة درسًا بالغ الأهمية، وهو أن غياب التوافق بين قوى التغيير، وتغليب الصراع الأيديولوجي على حماية قواعد العملية السياسية، يسمح بالضرورة لقوى أكثر تنظيمًا باختطاف لحظات الاحتجاج الشعبي وتوجيهها نحو أهداف تختلف جذريًا عن مطالب المشاركين فيها.

🔵 (😎 إدارة الدولة العميقة للحظة الحسم

لم يكن تدخل المؤسسة العسكرية في الثالث من يوليو قرارًا منفصلًا عن السياق السابق، بل جاء في توقيت بدا وكأنه ثمرة إدارة دقيقة للحظة السياسية. فقد حرصت مؤسسات الدولة العميقة على عدم الظهور في موقع الطرف المبادر، حيث عملت في الظل و انتظرت حتى تراكمت عوامل الغضب واتسعت دائرة الاحتجاج، وتزايدت الدعوات المطالبة بتدخل الجيش لإنهاء الأزمة، بحيث يبدو تدخله استجابة لإرادة شعبية لا مبادرة سياسية مستقلة.

وفي هذا السياق، جرى بناء صورة المؤسسة العسكرية باعتبارها الضامن الأخير لوحدة الدولة، والقوة الوحيدة القادرة على منع الانزلاق إلى الفوضى أو الحرب الأهلية. وساعد الإعلام الموجه في ترسيخ هذه الصورة، من خلال إبراز الجيش بوصفه المؤسسة الوطنية الأكثر تماسكًا، مقابل تصوير القوى السياسية باعتبارها عاجزة عن إدارة خلافاتها أو الحفاظ على استقرار البلاد.

وجاءت المهلة التي أعلنتها القوات المسلحة، ثم بيان الثالث من يوليو، لتكتمل بها عملية نقل الشرعية من المؤسسات المنتخبة إلى ما عُدّ آنذاك “تفويضًا شعبيًا” يستند إلى حجم الاحتجاجات في الشارع. وهكذا انتقلت المؤسسة العسكرية، خلال أيام قليلة، من موقع الوسيط الذي يدعو إلى التوافق، إلى موقع الفاعل الرئيس الذي يعيد رسم النظام السياسي، مستندة إلى بيئة نفسية وسياسية كانت قد أُعدت بعناية خلال الأشهر السابقة.

وقد مثل هذا الانتقال أحد أبرز ملامح إدارة الدولة العميقة للأزمة؛ إذ لم تعتمد على القوة وحدها، بل جمعت بين الإعلام، وإدارة الرأي العام، وتوقيت التحرك، وإعادة إنتاج مفهوم الشرعية، بما جعل التدخل يبدو، في نظر قطاع واسع من المجتمع وكأنه استجابة ضرورية لإنقاذ الدولة لا انقلابًا على المسار السياسي.

🔵 (9) الأدوار الإقليمية والدولية

لم تكن الأزمة المصرية معزولة عن محيطها الإقليمي والدولي، بل تداخلت معها حسابات قوى خارجية رأت في مستقبل مصر عنصرًا مؤثرًا في توازنات المنطقة بأسرها. فقد أثار صعود أول سلطة مدنية منتخبة بعد ثورة يناير قلق عدد من العواصم الإقليمية التي خشيت أن يتحول نجاح التجربة إلى نموذج قابل للانتقال إلى دول أخرى، بما يحمله ذلك من آثار على أنظمتها السياسية واستقرارها الداخلي.

وفي هذا الإطار، قدمت بعض الدول دعمًا سياسيًا وإعلاميًا وماليًا واضحًا للقوى المناهضة للرئاسة، ثم سارعت إلى دعم السلطة الجديدة بعد الثالث من يوليو، وهو ما وفر لها غطاءً اقتصاديًا وسياسيًا مهمًا في مرحلة تثبيت النظام الجديد.

أما الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، فقد اتسمت مواقفهما بدرجة من التركيب، إذ حاولتا الموازنة بين الالتزام المعلن بدعم التغيير السياسي وبين الحفاظ على علاقاتهما الاستراتيجية مع المؤسسة العسكرية المصرية، باعتبارها شريكًا رئيسًا في ملفات الأمن الإقليمي، ومعاهدة السلام، ومكافحة الإرهاب. وقد أدى هذا التركيب إلى مواقف اتسمت بالغموض، فلم تُمارس ضغوطًا حاسمة لمنع تغيير المسار الانقلابي، كما لم تمنح شرعية كاملة لما جرى في بدايته.

كما لعب الإعلام الإقليمي دورًا بارزًا في توجيه الرأي العام، عبر حملات مكثفة ساهمت في تعميق الاستقطاب، وإعادة تعريف الصراع بوصفه مواجهة بين الدولة والاستقرار من جهة، وبين الفوضى أو الإسلام السياسي من جهة أخرى.

وبذلك أصبحت الأزمة المصرية جزءًا من صراع إقليمي أوسع حول مستقبل المنطقة، وطبيعة نظمها السياسية، ومكانة الحركات الإسلامية فيها، وهو ما منح الأحداث بعدًا يتجاوز حدود الخلافات الداخلية، وهو ما انعكس على العديد من ملفات المنطقة.

🔵 (10) أخطاء السلطة المنتخبة

على الرغم من أن مسار السطو على التجربة ارتبط بعوامل تتجاوز كثيرًا أداء السلطة المنتخبة، فإن ذلك لا ينفي وجود أخطاء سياسية وإدارية أسهمت في زيادة عزلتها، وسهلت مهمة خصومها في تعبئة الرأي العام ضدها. ولم تكن هذه المسؤولية مقصورة على مؤسسة الرئاسة، بل شملت أيضًا الحكومة والمؤسسات التشريعية المنتخبة، التي كانت مطالبة، بحكم شرعيتها الشعبية، بأداء دور يتجاوز الوظائف التقليدية إلى حماية المرحلة الانتقالية وإسناد مشروع التحول السياسي. فقد واجهت هذه المؤسسات تحديات استثنائية، لكنها لم تنجح دائمًا في إدارتها بالقدر الكافي من المرونة والفاعلية.

ومن أبرز هذه الأخطاء ضعف إدارة العلاقة مع مؤسسات الدولة، والاعتقاد بأن الشرعية الانتخابية تكفي وحدها لضمان تنفيذ السياسات، في حين كانت مراكز القوة الفعلية ما تزال خارج نطاق السيطرة المباشرة. كما لم تتمكن السلطة من بناء تحالف سياسي واسع يضم القوى التي شاركت في ثورة يناير، الأمر الذي جعلها تواجه خصومًا متعددين في وقت واحد.

ولم تنجح المؤسسات البرلمانية المنتخبة، وعلى رأسها مجلسا الشعب والشورى، في أداء الدور السياسي الذي كانت تفرضه طبيعة المرحلة الانتقالية. فقد انشغلت إلى حد كبير بالملفات التشريعية والخلافات السياسية اليومية، أكثر من انشغالها ببناء توافق وطني واسع، أو بممارسة دور رقابي وسياسي فاعل في كشف حجم التعطيل الذي كانت تواجهه مؤسسات الدولة، أو في مصارحة الرأي العام بطبيعة الصراع القائم. كما لم تتحول إلى منصة للحوار الوطني واحتواء الخلافات، ولم تستثمر شرعيتها الانتخابية في توسيع قاعدة المشاركة السياسية وبناء جسور الثقة مع القوى المدنية والثورية، الأمر الذي حرم السلطة التنفيذية من غطاء سياسي ومجتمعي كان يمكن أن يخفف من عزلتها.

وفي المجال الإعلامي، بدا الخطاب السياسي عاجزًا عن مجاراة الحملة المنظمة التي استهدفت الرئاسة، سواء من حيث سرعة الاستجابة، أو القدرة على مخاطبة قطاعات المجتمع المختلفة، أو تقديم رواية مقنعة للأزمات التي كانت تمر بها البلاد. كما أسهم ضعف التواصل مع القوى المدنية، والتردد في احتواء المخاوف المتبادلة، في تعميق حالة الاستقطاب.

وربما كان الخطأ الأكثر تأثيرًا هو إغفال أو التقليل من حجم الدولة العميقة، والاعتقاد بإمكان احتواء نفوذها خلال فترة قصيرة بالاستناد إلى الشرعية الانتخابية وحدها، دون امتلاك أدوات سياسية ومؤسسية وشعبية قادرة على موازنة نفوذها. كما كشفت التجربة عن قصور في إدراك الوظيفة الاستراتيجية للمؤسسات المنتخبة؛ إذ لم يُنظر إلى البرلمان باعتباره أحد أدوات حماية التحول السياسي وبناء التوافقات الوطنية، بل اقتصر أداؤه في الغالب على ممارسة أدواره التشريعية والرقابية التقليدية، في وقت كانت المرحلة تتطلب حضورًا سياسيًا واستراتيجيًا أكثر اتساعًا.

وفي المقابل، لم تُحسن السلطة أيضًا توظيف الزخم الثوري الذي جاءت به إلى الحكم، إذ تعاملت مع منطق الدولة باعتباره بديلًا كاملًا عن منطق الثورة، فتخلت عمليًا عن أدوات الضغط الشعبي والميادين، في الوقت الذي كانت فيه الدولة العميقة تستخدم كل ما تملكه من مؤسسات وإعلام وشبكات نفوذ لإفشال التجربة. فقد أثبتت الخبرة التاريخية أن القوى الثورية التي تصل إلى الحكم قبل اكتمال تفكيك مراكز القوة القديمة لا تستطيع الاعتماد على الشرعية الدستورية وحدها، كما لا تستطيع في المقابل الاستغناء عن الحاضنة الشعبية المنظمة القادرة على حماية التحول السياسي ومواجهة محاولات الثورة المضادة. وكان الركون إلى أن مؤسسات الدولة ستستجيب تلقائيًا لمنطق الشرعية الدستورية أحد أبرز أخطاء تقدير الموقف خلال تلك المرحلة.

وقد أظهرت التجربة أن إدارة المراحل الانتقالية تتطلب بناء توافقات وطنية أوسع، وقراءة أكثر دقة لتوازنات القوة داخل الدولة، مع المحافظة في الوقت نفسه على الحاضنة الشعبية القادرة على حماية المسار التغييري، حتى لا تتحول الشرعية الانتخابية إلى شرعية معزولة سياسيًا ومؤسسيًا، أو تصبح الثورة بلا أدوات تدافع بها عن مكتسباتها.

ومع ذلك، فإن هذه الأخطاء، على أهميتها، لا تكفي وحدها لتفسير ما انتهت إليه الأحداث، بل ينبغي فهمها ضمن سياق أوسع تداخلت فيه عوامل داخلية وإقليمية ومؤسسية أسهمت مجتمعة في إنهاء أول تجربة انتقال سياسي حقيقي في تاريخ مصر الحديث.

🔵 (11) أخطاء القوى الإسلامية الداعمة للرئيس

لم تكن مسؤولية تعثر التجربة مقتصرة على مؤسسة الرئاسة، بل امتدت أيضًا إلى جزء مهم من القوى الإسلامية التي شكلت حاضنتها السياسية والشعبية. فقد دخلت هذه القوى المرحلة الجديدة بعقلية المعارضة أكثر من عقلية الدولة، ولم تنجح في استيعاب طبيعة الصراع مع دولة عميقة تمتلك خبرة طويلة في إدارة الأزمات وإعادة إنتاج نفوذها.

ومن أبرز هذه الأخطاء الميل إلى الاعتقاد بأن الشرعية الانتخابية كافية لحسم الصراع السياسي، مع التقليل من أهمية بناء تحالف وطني واسع يتجاوز الإطار الحزبي والتنظيمي، ويضم القوى التي شاركت في ثورة يناير، بما يشكل منطقة وطنية وسطى تفصل بين مؤسسة الرئاسة وجماعة الإخوان المسلمين من جهة، وبين القوى المعارضة (جبهة الإنقاذ) من جهة أخرى. وكان من الممكن لهذا الإطار الوطني أن يوفر غطاءً سياسيًا أوسع للرئاسة، وأن يحرج حالة الاستقطاب الحاد، ويمنع احتكار المشهد في ثنائية الإخوان وخصومهم.

كما أسهم ضعف التواصل مع التيارات المدنية والثورية، إلى جانب تصاعد الخطاب الأيديولوجي، في تعميق المخاوف المتبادلة، وتوسيع دائرة العزلة السياسية، الأمر الذي سهّل على خصوم التجربة تصويرها باعتبارها مشروعًا فئويًا، لا مشروعًا وطنيًا جامعًا يدافع عن التحول السياسي.

وفي المقابل، لم تنجح القوى الإسلامية في بناء جبهة وطنية عريضة للدفاع عن المسار السياسي باعتباره مكسبًا لجميع المصريين، بل بدا في كثير من الأحيان وكأنه معركة تخص تيارًا بعينه، وهو ما سهّل على خصوم التجربة تصوير الصراع باعتباره مواجهة مع مشروع فئوي لا مع أول تجربة انتقال سياسي في تاريخ البلاد.

كما افتقرت القوى الإسلامية إلى إدارة إعلامية وسياسية فعالة تستطيع مجاراة الحملة المنظمة التي استهدفتها، ولم تتمكن من تطوير خطاب يخاطب الرأي العام خارج قواعدها التنظيمية، أو من استيعاب التحولات السريعة في المزاج الشعبي والتي سريعا ما حاصرتها. كذلك أدى تضارب المواقف بين مكونات التيار الإسلامي، واختلاف تقديراتها لطبيعة المرحلة، إلى إضعاف قدرتها على اتخاذ قرارات موحدة في اللحظات الحاسمة.

ومن الأخطاء المهمة أيضًا ضعف الاستعداد لاحتمالية الانقلاب على المسار السياسي، رغم وجود مؤشرات متزايدة على تحركات الدولة العميقة. فقد غلب على كثير من القوى الإسلامية الاعتقاد بأن الشرعية الدستورية والإرادة الشعبية ستكونان كافيتين لحماية التجربة، دون بناء أدوات سياسية ومجتمعية استباقية قادرة على ردع محاولات الالتفاف عليها.

ومع ذلك، فإن هذه الأخطاء لا ينبغي أن تحجب حقيقة أن إسقاط التجربة لم يكن نتيجة أخطاء الإسلاميين وحدها، بل جاء في سياق مشروع أوسع اشتركت فيه مؤسسات الدولة العميقة، وقوى سياسية داخلية، ودعم إقليمي، ورضى دولي، وهي عوامل كانت ستجعل نجاح التجربة بالغ الصعوبة حتى لو كانت إدارة القوى الإسلامية أكثر كفاءة. إلا أن التجربة أثبتت أن الحركات التي تصل إلى الحكم في مراحل انتقالية تحتاج إلى الانتقال من عقل التنظيم إلى عقل الدولة، ومن منطق الأغلبية إلى منطق الشراكة الوطنية، ومن إدارة المنافسة السياسية إلى بناء التوافقات التاريخية التي تحمي التحول السياسي من الانتكاس.

🔵 12‪)‬) لماذا نجحت الخطة؟

لم يكن نجاح مسار الثلاثين من يونيو وليد عامل واحد، وإنما جاء نتيجة تفاعل مجموعة من العوامل السياسية والمؤسسية والإعلامية والإقليمية التي التقت في لحظة تاريخية واحدة. فقد احتفظت الدولة العميقة، رغم سقوط رأس النظام في يناير 2011، بمعظم أدوات القوة الحقيقية داخل الدولة؛ من المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية، إلى الجهاز الإداري، والقضاء، والإعلام، وشبكات المصالح الاقتصادية، وهو ما منحها قدرة كبيرة على إدارة الصراع طويل النفس، وانتظار اللحظة المناسبة لاستعادة المبادرة.

وفي المقابل، امتلك خصوم السلطة المنتخبة تفوقًا إعلاميًا واضحًا، مكّنهم من إعادة تشكيل الرأي العام، وتحويل الأزمات اليومية إلى دليل على فشل التجربة بأكملها. كما لعبت الحرب النفسية دورًا بالغ التأثير في ترسيخ الشعور بأن الدولة تتجه نحو الانهيار، وأن تدخل المؤسسة العسكرية أصبح ضرورة وطنية لا خيارًا سياسيًا.

وساعد الانقسام الحاد بين القوى الثورية والسياسية على إنجاح هذا المسار؛ إذ لم تنجح هذه القوى في بناء قيادة موحدة أو مشروع وطني جامع يحمي الانتقال السياسي، بل انخرطت في صراعات متبادلة أضعفت قدرتها على إدراك طبيعة المعركة الحقيقية. كما أدى تآكل الثقة بين الإسلاميين والقوى المدنية إلى جعل كل طرف يرى في الآخر الخطر الأكبر، بينما بقيت مؤسسات الدولة العميقة الأكثر تنظيمًا وكأنها في موقف الوسيط، بينما كانت تتحرك بهدوء نحو استعادة زمام المبادرة.

وجاء الدعم الإقليمي، إلى جانب القبول أو التمرير الدولي للأحداث، ليمنح النظام الجديد غطاءً سياسيًا واقتصاديًا ساعده على تثبيت أركانه سريعًا. وبهذا لم يكن نجاح الخطة نتاج تفوق طرف واحد فحسب، بل ثمرة اجتماع قوة الدولة العميقة، وضعف خصومها وتفرقهم، وتلاقي المصالح الإقليمية والدولية في لحظة واحدة.

🔵‪(13)‬ من الاحتجاج إلى إعادة إنتاج النظام

لم تتوقف نتائج الثلاثين من يونيو عند حدود إنهاء ولاية أول رئيس مدني منتخب، بل امتدت إلى إعادة تشكيل النظام السياسي برمته. فما بدأ باعتباره احتجاجًا على أداء السلطة تحول، خلال أشهر قليلة، إلى عملية واسعة لإعادة بناء الدولة وفق قواعد النموذج الذي سبق ثورة يناير، مع تركيز أكبر للسلطة، وحضور أوسع للمؤسسة الأمنية في إدارة المجال العام.

وسرعان ما عادت الأجهزة الأمنية إلى موقعها التقليدي في قيادة المشهد، بينما حُوصرت مساحة التعددية السياسية، وأُغلقت معظم القنوات التي كانت قد فُتحت بعد الثورة. وأعيد تنظيم المجال العام من خلال تشريعات وإجراءات حدّت من حرية التنظيم والتظاهر والعمل الحزبي والإعلامي، لتدخل مصر مرحلة جديدة اتسمت بالقبضة الامنية والتراجع الشديد في المشاركة السياسية.

وفي الوقت نفسه، جرت إعادة صياغة الرواية الرسمية لثورة يناير نفسها، فبعد أن كانت تُقدَّم باعتبارها من أندر وأعظم الثورات الشعبية في تاريخ الإنسانية، أصبحت تُصوَّر بوصفها مدخلًا للفوضى أو مؤامرة استهدفت الدولة. وبذلك لم يقتصر الأمر على تغيير السلطة، بل شمل إعادة تعريف الذاكرة الوطنية، وإعادة ترتيب الأولويات السياسية والاجتماعية.

وهكذا انتقلت مصر من مرحلة انتقال سياسي مضطربة لكنها مفتوحة على احتمالات متعددة، إلى نظام سلطوي أعاد تركيز القرار في يد مؤسسة واحدة، وأغلق معظم المسارات التي أطلقتها ثورة يناير، ليصبح ما جرى إعادة إنتاج للنظام بصورة أكثر صرامة.

🔵 14‪)‬) الآثار بعيدة المدى

لم تقتصر آثار أحداث الثلاثين من يونيو على السنوات التي تلتها مباشرة، بل تركت بصماتها على البنية السياسية والاجتماعية والفكرية في مصر والمنطقة. فقد تغيرت العلاقة بين الدولة والمجتمع بصورة جوهرية، إذ تراجعت مساحات المشاركة العامة، وحلت اعتبارات الأمن والاستقرار محل أولويات التحول السياسي والإصلاح السياسي.

كما أصيب قطاع واسع من المواطنين بحالة من فقدان الثقة في جدوى العملية السياسية، بعد أن انتهت أول تجربة انتخابية كاملة إلى تدخل عسكري وإنهاء المسار السياسي. وأسهم ذلك في تراجع الحماس للمشاركة العامة، واتساع الشعور بأن صناديق الاقتراع لا تكفي لضمان انتقال السلطة أو استقرار النظام المنتخب.

وشهدت النخب السياسية والإعلامية إعادة تشكيل واسعة، حيث برزت تحالفات جديدة، بينما تراجعت أو اختفت قوى لعبت أدوارًا رئيسة خلال ثورة يناير. كما انعكست التطورات السياسية على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، سواء من خلال تغير أولويات الإنفاق العام، أو اتساع دور المؤسسة العسكرية في الاقتصاد، أو استمرار الضغوط المعيشية التي واجهها المجتمع.

أما الحركات الإسلامية، فقد تعرضت لأكبر ضربة في تاريخها الحديث، بينما وجدت القوى المدنية نفسها هي الأخرى أمام مجال سياسي أشد صرامة مما كانت تتوقع. وعلى المستوى الإقليمي، أصبحت التجربة المصرية مرجعًا مهمًا في التعامل مع موجة الربيع العربي، وشجعت أنظمة أخرى على إعادة إنتاج نماذج الحكم السلطوي، بما جعل آثار الثلاثين من يونيو تتجاوز الحدود المصرية إلى المجال العربي الأوسع.

🔵 (15) هل كان يمكن تجنب ما حدث؟

يظل هذا السؤال من أكثر الأسئلة إثارة للجدل في قراءة التجربة المصرية. فمن الناحية النظرية، كانت هناك بدائل عديدة كان يمكن أن تحد من احتمالات الانفجار، مثل التوافق على انتخابات رئاسية مبكرة وفق آليات دستورية، أو تشكيل حكومة وحدة وطنية، أو إطلاق حوار سياسي شامل يعيد بناء الثقة بين القوى المختلفة، أو إدخال إصلاحات دستورية تستجيب لبعض مطالب المعارضة دون هدم المسار السياسي.

غير أن هذه السيناريوهات لم تجد طريقها إلى التنفيذ، بسبب تداخل عوامل عدة؛ منها عمق الاستقطاب، وغياب الثقة، وتمسك كل طرف بقناعته بأنه يمتلك الشرعية الكاملة أو الحقيقة الكاملة، فضلًا عن أن القوى التي كانت تمسك بخيوط المشهد لم تكن ترى في التسوية السياسية مصلحة لها، وكانت تراهن على إنهاء التجربة من أساسها عبر استمرار التأزيم.

كما أن ضعف الخبرة السياسية لدى مختلف الأطراف، وغياب المؤسسات القادرة على إدارة الخلافات، جعلا فرص التسوية تتضاءل مع مرور الوقت، حتى أصبح الاحتكام إلى الشارع هو البديل عن الاحتكام إلى المؤسسات.

وتكشف هذه التجربة أن نجاح التحولات السياسية لا يعتمد على نتائج الانتخابات وحدها، بل يحتاج إلى ثقافة سياسية تؤمن بالشراكة، ومؤسسات قوية، وضمانات متبادلة، وإرادة حقيقية لتقديم المصلحة الوطنية على المكاسب الحزبية. وربما كان الدرس الأهم أن الانقسام الداخلي، حين يبلغ حد نزع الشرعية المتبادل، يفتح الباب أمام تدخل قوى الاستبداد كي تعيد صياغة المشهد بأكمله.

🔵 (16) القراءة الاستراتيجية

تقدم تجربة الثلاثين من يونيو نموذجًا واضحًا لكيفية إدارة ما يمكن وصفه بـ”الانقلابات الناعمة”، التي لا تبدأ بالدبابات، بل بتهيئة البيئة السياسية والاجتماعية والنفسية التي تجعل قطاعات واسعة من المجتمع تتقبل تغيير النظام باعتباره ضرورة وطنية. وفي هذا النموذج يصبح الإعلام أداة استراتيجية لإعادة تشكيل الوعي، وتتحول الأزمات الاقتصادية والخدمية إلى وسائل لإنتاج الغضب، ثم يُعاد توجيه هذا الغضب نحو هدف سياسي محدد.

كما تكشف التجربة أن أخطر ما تواجهه الثورات ليس دائمًا القوة المباشرة، بل قدرة الدولة العميقة على التكيف، وإعادة تنظيم صفوفها، واستثمار أخطاء خصومها، وتوظيف الانقسامات داخل معسكر الثورة نفسه. فحين تغيب القيادة الموحدة، وتتراجع الثقة بين القوى السياسية، يصبح اختطاف مسار التغيير أكثر سهولة.

وتؤكد الأحداث كذلك أن الشرعية الدستورية وحدها لا تكفي إذا لم تُدعَم بقدرة فائقة على بناء التوافقات، وإدارة احترافية لمؤسسات الدولة، وكسب الرأي العام. كما تبرز أهمية الحرب النفسية والإعلامية بوصفهما عنصرين حاسمين في الصراعات السياسية الحديثة، لا يقلان تأثيرًا عن أدوات القوة التقليدية.

ولهذا تقدم التجربة المصرية جملة من الدروس المهمة لحركات الإصلاح والتحول السياسي؛ أبرزها أن حماية المسار السياسي تتطلب بناء تحالفات واسعة، وإدارة الخلافات داخل المؤسسات، وعدم السماح بتحويل الغضب الشعبي المشروع إلى أداة لإجهاض التجربة بأكملها. كما تؤكد أن نجاح أي انتقال سياسي لا يتوقف على إسقاط النظام القديم، بل على القدرة على إعادة بناء الدولة، وإدارة التنوع، وتحصين المجتمع ضد محاولات إعادة إنتاج الاستبداد بأشكال جديدة.

🔵 (17) الخلاصات العامة

تكشف القراءة المتأنية لأحداث الثلاثين من يونيو أن اختزالها في توصيف واحد، باعتبارها ثورة خالصة أو انقلابًا عسكريًا مجردًا، لا يعكس التعقيد الحقيقي الذي اتسمت به تلك المرحلة. فقد انطلقت الأحداث من حالة غضب شعبي مُصنع، اضافة إلى غضب حقيقي نتج عن أزمات سياسية واقتصادية واستقطاب متزايد وأخطاء في إدارة المرحلة الانتقالية، لكنه انتهى إلى تدخل عسكري أنهى أول تجربة سياسية ناشئة، وأعاد صياغة النظام بصورة مختلفة تمامًا عما كان يتطلع إليه كثير من المشاركين في الاحتجاجات.

وتبرز التجربة أهمية التمييز بين الأسباب التي دفعت قطاعات من المجتمع إلى النزول إلى الشارع، وبين النتائج التي انتهى إليها ذلك الحراك. فوجود مطالب شعبية مشروعة لا يعني بالضرورة أن المخرجات السياسية ستعبر عنها، إذ قد تتمكن قوى أكثر تنظيمًا وخبرة من إعادة توجيه مسار الأحداث بما يخدم أهدافًا مغايرة.

كما تؤكد الدراسة أن نجاح الدولة العميقة في استعادة السلطة لم يكن نتيجة تفوقها المؤسسي وحده، بل جاء أيضًا نتيجة أخطاء فرقاء الثورة والانقسام الحاد بين القوى السياسية، وغياب مشروع وطني جامع، وتآكل الثقة المتبادلة، وعدم قدرة القوى الثورية على بناء قيادة موحدة تحمي المسار الثوري من الاختطاف.

وتكشف التجربة كذلك أن الانتقال السياسي لا يُحمى بصناديق الاقتراع وحدها، وإنما يحتاج إلى توافق وطني واسع، ومؤسسات دولة محايدة، وإعلام مهني، وقضاء مستقل، وثقافة سياسية تؤمن بالتداول السلمي للسلطة وقبول الاختلاف. وعندما تغيب هذه الشروط، تصبح المراحل الانتقالية أكثر عرضة للانتكاس مهما بلغت قوة الشرعية الانتخابية.

وقد أعادت أحداث الثلاثين من يونيو تشكيل النظام السياسي المصري لعقد كامل، وغيرت طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع إلى حد كبير، وأثرت في مسارات التحول السياسي داخل المنطقة العربية بأسرها، لتصبح إحدى أهم التجارب التي تستحق الدراسة بوصفها نموذجًا معقدًا لتداخل الاحتجاج الشعبي مع صراع المؤسسات، والعوامل الداخلية مع الحسابات الإقليمية والدولية.

ويبقى الدرس الأهم أن الحفاظ على مكتسبات الثورات لا يتحقق بإسقاط الحكومات أو تغيير الحكام فحسب، بل ببناء قواعد سياسية ومؤسسية تحمي الإرادة الشعبية، وتمنع تحويل الأزمات إلى مدخل لإعادة إنتاج الاستبداد، مهما اختلفت شعاراته أو مبرراته.

🔵 (18) توصيات مركز حريات

انطلاقًا من الدروس العميقة التي كشفتها التجربة المصرية، وما انتهت إليه أحداث 30 يونيو و3 يوليو من إجهاض أول تجربة انتقال سياسي حقيقي في مصر الحديثة، يرى مركز حريات أن نجاح أي تحول سياسي مستقبلي لا يبدأ من لحظة الوصول إلى السلطة، ولا يُقاس بمجرد الفوز في الانتخابات، وإنما يبدأ قبل ذلك بسنوات من الإعداد الفكري والسياسي والمؤسسي، وبناء المشروع الوطني الجامع، وتجهيز القيادات القادرة على إدارة الدولة والصراع والمرحلة الانتقالية معًا. وفي هذا السياق يوصي المركز بما يلي:

1. اعتبار إدارة المراحل الانتقالية علمًا مستقلًا له قواعده وأدواته ومناهجه، لا مجرد اجتهاد سياسي لحظي، وذلك عبر إنشاء برامج تدريبية ومراكز بحثية متخصصة في دراسة التحولات السياسية، وإدارة الأزمات، والعلاقات المدنية العسكرية، وبناء التوافقات الوطنية.

2. التمييز بين الاستعداد للانتخابات والاستعداد للحكم؛ فالفوز الانتخابي يمنح الشرعية، لكنه لا يمنح وحده القدرة على إدارة الدولة. ولذلك ينبغي للقوى السياسية إعداد خطط تفصيلية للحكم قبل الوصول إليه، تشمل الإدارة، والاقتصاد، والأمن، والإعلام، والخارجية، والعلاقة مع مؤسسات الدولة.

3. بلورة مشروع وطني جامع قبل أي استحقاق انتخابي، يتجاوز الحسابات الحزبية والأيديولوجية، ويحدد رؤية واضحة لمستقبل الدولة، وأولويات المرحلة، وضمانات الشراكة، بحيث يشعر المواطنون والقوى السياسية أن التحول ليس مشروع فصيل، بل مشروع وطن.

4. بناء توافقات وطنية واسعة قبل الوصول إلى السلطة، لأن التوافق بعد انفجار الأزمة غالبًا ما يأتي متأخرًا. ويقتضي ذلك تأسيس كتلة وطنية وسطى تضم القوى المؤمنة بالتغيير السلمي، وتحمي المسار السياسي من الاستقطاب بين السلطة وخصومها.

5. تطوير رؤية واقعية للتعامل مع الدولة العميقة، تقوم على فهم بنيتها وشبكاتها ومصالحها وأدواتها، والتمييز بين مؤسسات الدولة التي يجب الحفاظ على استمراريتها، ومراكز النفوذ التي تحتاج إلى إصلاح تدريجي، ورقابة قانونية، وإعادة ضبط وظيفي.

6. عدم الاكتفاء بالشرعية الانتخابية بوصفها مصدرًا وحيدًا للقوة، والعمل بالتوازي على بناء شرعية وطنية ومجتمعية ومؤسسية، لأن السلطة التي تملك الصندوق دون توافق مجتمعي أو قدرة مؤسسية تصبح مكشوفة أمام محاولات العزل والإفشال.

7. الحفاظ على الحاضنة الشعبية المنظمة بعد الوصول إلى الحكم، وعدم ترك الشارع لقوى الثورة المضادة. فالمجال العام ليس خطرًا على السلطة المنتخبة إذا أُدير بعقل سياسي رشيد، بل هو أحد أدوات حماية التحول من الالتفاف عليه.

8. بناء منظومة فعالة لإدارة الرأي العام والإعلام، تقوم على الشفافية، وسرعة الاستجابة، وتقديم المعلومات، ومواجهة الشائعات، وصياغة خطاب وطني جامع، لأن الفراغ الإعلامي في المراحل الانتقالية تتحول إليه قوى التعطيل لتصنيع الخوف والغضب.

9. إدارة العلاقة مع المعارضة بوصفها شريكًا في حماية الدولة، لا مجرد خصم سياسي. فوجود معارضة قوية داخل المؤسسات أفضل من دفعها إلى الشارع أو تركها فريسة للاستدراج من قوى تسعى لإسقاط المسار كله.

10. إنشاء آليات دائمة للحوار الوطني وإدارة الخلافات، بحيث توجد قنوات مؤسسية لمعالجة الأزمات قبل انفجارها، وتقديم حلول دستورية وسياسية للخلافات الكبرى، بدل تركها للتصعيد الإعلامي أو الحشد الميداني غير المنضبط.

11. إعداد قيادات سياسية وإدارية مؤهلة لإدارة الدولة، قادرة على الانتقال من خطاب المعارضة إلى مسؤوليات الحكم، ومن عقل التنظيم إلى عقل الدولة، ومن الحسابات الفئوية إلى المصلحة الوطنية العليا.

12. العمل على تحييد مؤسسات الدولة عن الصراع الحزبي، وضمان بقاء الأجهزة الإدارية والأمنية والعسكرية والقضائية في إطار الدستور والقانون، لا في موقع الفاعل السياسي الذي يحدد مصير السلطة أو يتدخل في المنافسة الحزبية.

13. تكريس استقلال القضاء والنيابة العامة، ومنع توظيف العدالة في الصراع السياسي، لأن القضاء المستقل أحد أهم الضمانات لمنع الانفجار، وحماية الحقوق، وضبط العلاقة بين السلطة والمعارضة والمجتمع.

14. حماية الإعلام المستقل والمجتمع المدني بوصفهما جزءًا من منظومة الرقابة المجتمعية، مع وضع قواعد تمنع الاحتكار والتمويل غير الشفاف والتحريض المنظم، حتى لا يتحول الإعلام إلى أداة لتفكيك الثقة أو تصنيع الشرعية البديلة.

15. إعداد استراتيجية وطنية لإدارة الاستقطاب، تقوم على تقليل المخاوف المتبادلة، وتوسيع المشتركات، وتجنب الخطاب الأيديولوجي الحاد، ومنع تحويل المنافسة السياسية إلى صراع وجودي بين مكونات المجتمع.

16. إدراك خطورة التدخلات الإقليمية والدولية في المراحل الانتقالية، وبناء سياسة خارجية متوازنة تقلل قدرة الأطراف الخارجية على توظيف الانقسامات الداخلية، وتحافظ على استقلال القرار الوطني.

17. ترسيخ ثقافة المراجعة والنقد الذاتي داخل جميع التيارات السياسية، وعدم تحويل التجارب الفاشلة إلى مادة للمظلومية أو الاتهام المتبادل فقط، بل إلى خبرة مؤسسية تساعد على تصحيح المناهج والأدوات والقرارات.

18. توسيع الدراسات المقارنة حول الثورات والثورات المضادة، والاستفادة من تجارب الانتقال السياسي في جنوب إفريقيا وأمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية وغيرها، مع مراعاة خصوصية الواقع العربي والإسلامي.

19. توثيق التجارب الوطنية توثيقًا علميًا متعدد المصادر، يحفظ الذاكرة من التزييف والاختزال، ويمكّن الأجيال القادمة من فهم ما جرى بعيدًا عن الدعاية الرسمية أو السرديات الحزبية المغلقة.

20. الانتقال من عقلية إسقاط النظام إلى عقلية بناء الدولة؛ فالثورات لا تكتمل بلحظة الانتصار في الشارع أو الصندوق، وإنما تكتمل حين تنجح في بناء مؤسسات عادلة، وتوافقات مستقرة، وقواعد سلمية لتداول السلطة.

21. ربط حماية الإرادة الشعبية بحماية الدولة نفسها، حتى لا يُترك خطاب الدولة والاستقرار لقوى الاستبداد وحدها. فالنظام المنتخب الحقيقي ليست نقيضًا للدولة، بل هي الطريق الأضمن لبناء دولة شرعية ومستقرة وقادرة على البقاء.

22. التأكيد أن نجاح أي تحول سياسي مستدام لا يتحقق بإسقاط الأنظمة أو الفوز في الانتخابات وحدهما، وإنما ببناء مشروع وطني جامع، وخطة انتقال واضحة، وقيادة مؤهلة، ومؤسسات محايدة، ومجتمع منظم وواعٍ قادر على حماية إرادته من الاختطاف أو الالتفاف، أيًا كانت القوى أو الذرائع التي تقف وراء ذلك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى