لماذا لم تنجح قوى الثورة والمعارضة في محاصرة الانقلاب وإفشاله؟

![]()
“لماذا لم تنجح قوى الثورة والمعارضة في محاصرة الانقلاب وإفشاله؟”
قراءة نقدية في الاستراتيجيات والخطط والخطاب السياسي لرافضي انقلاب 3 يوليو
دراسة سياسية – استراتيجية – نقدية – استشرافية
مركز حريات للدراسات السياسية والاستراتيجية – 2026
———
الملخص
بعد أكثر من عقد على انقلاب الثالث من يوليو 2013، لم يعد السؤال الأهم هو لماذا وقع الانقلاب، بل لماذا أخفقت القوى الرافضة له في محاصرته أو إجهاضه أو حتى فرض معادلة سياسية جديدة تحد من آثاره؟ فالمعارك السياسية لا تُحسم بلحظة الانقلاب وحدها، وإنما تمتد إلى مرحلة ما بعده، حيث تتحدد قدرة كل طرف على استعادة المبادرة أو تثبيت الأمر الواقع.
تنطلق هذه الدراسة من فرضية أن عدالة القضية، واتساع قاعدة الرفض الشعبي في لحظات معينة، لم يكونا كافيين لتحقيق أهداف المعارضة، في ظل اختلال واضح في موازين القوى، وغياب رؤية استراتيجية موحدة، وتعدد مراكز القرار، وضعف القدرة على بناء تحالفات وطنية عريضة، إلى جانب نجاح السلطة الجديدة في احتكار أدوات القوة، والسيطرة على المجال العام، وإدارة الصراع وفق استراتيجية طويلة النفس.
وتقدم الدراسة مراجعة نقدية للخطط والاستراتيجيات التي أعلنتها قوى رفض الانقلاب، وتقوّم رهاناتها على الحراك الجماهيري، والشرعية الدستورية، والضغط الحقوقي والإعلامي، والدعم الدولي، كما تناقش أزمات القيادة، والخطاب السياسي، والتحالفات الوطنية، وأسباب عدم اتساع الحاضنة الشعبية المؤثرة، وحدود تأثير العوامل الإقليمية والدولية في مسار الصراع.
ولا تستهدف هذه الدراسة توزيع المسؤوليات أو إعادة إنتاج الانقسامات، وإنما تهدف إلى استخلاص الدروس الاستراتيجية التي تساعد القوى الساعية إلى الإصلاح والتغيير على تطوير أدواتها، والانتقال من منطق رد الفعل إلى بناء مشروع وطني طويل المدى، يمتلك رؤية واقعية لإدارة الصراع، ويحسن تقدير موازين القوى، ويجمع بين الشرعية السياسية والقدرة المؤسسية والحاضنة المجتمعية.
(1) التمهيد – لماذا إعادة تقييم تجربة مقاومة الانقلاب؟
تمثل مراجعة تجربة مقاومة انقلاب الثالث من يوليو ضرورة فكرية وسياسية لا غنى عنها لكل من يسعى إلى فهم أسباب تعثر التحولات السياسية في العالم العربي. فمرور أكثر من عقد على تلك الأحداث يتيح قدرًا من المسافة الزمنية التي تساعد على إعادة قراءة الوقائع بعيدًا عن ضغوط اللحظة والانفعالات التي صاحبتها، وبما يسمح بالتمييز بين ما كان نتاجًا لظروف استثنائية، وما كان نتيجة أخطاء في التقدير أو الإدارة أو بناء الاستراتيجيات.
ولا تستهدف هذه الدراسة محاكمة الأشخاص أو القوى السياسية، كما لا تهدف إلى إعادة إنتاج الانقسامات القديمة أو تبرئة طرف وإدانة آخر، وإنما تنطلق من مبدأ أن التجارب التاريخية الكبرى لا تكتمل فائدتها إلا إذا تحولت إلى مادة للمراجعة والتعلم. فالإخفاقات التي لا تُقرأ قراءة نقدية تتحول إلى أنماط متكررة، بينما تساعد المراجعات العميقة على تطوير أدوات العمل السياسي وتجنب تكرار الأخطاء.
وتتمثل الإشكالية الرئيسة للدراسة في السؤال التالي: لماذا أخفقت المعارضة، رغم اتساع قاعدة الرافضين للانقلاب، وطول أمد الحراك، وتعدد أدواته، في محاصرة النظام الجديد أو فرض تسوية سياسية أو استعادة المسار الديمقراطي؟ وهل كانت المشكلة في اختلال موازين القوى وحده، أم في طبيعة الاستراتيجيات التي اعتمدتها المعارضة، أم في تفاعل العاملين معًا؟
وللإجابة عن هذا السؤال، تعتمد الدراسة منهجًا نقديًا يقوم على تحليل الخطط المعلنة، والرهانات السياسية، والخطاب الإعلامي، وأداء المؤسسات المعارضة، في ضوء تطور الأحداث ونتائجها، مع المقارنة بين الأهداف المعلنة والنتائج الفعلية، واستخلاص الدروس التي يمكن أن تفيد أي تجربة إصلاحية أو انتقالية مستقبلًا.
ومن هذا المنطلق، فإن المراجعة المقصودة هنا ليست جلدًا للذات، كما أنها ليست تبرئة للخصوم أو إنكارًا لطبيعة البيئة التي جرى فيها الصراع، وإنما محاولة لإعادة التوازن إلى القراءة السياسية، عبر الاعتراف بأن مواجهة منظومات راسخة تمتلك أدوات الدولة تتطلب أكثر من عدالة القضية أو سلامة النوايا، بل تحتاج إلى رؤية استراتيجية، ومؤسسات قوية، وقيادة موحدة، وقدرة مستمرة على التكيف مع المتغيرات.
(2) الانقلاب – طبيعة المعركة كما بدأت
لفهم أسباب إخفاق المعارضة في مواجهة انقلاب الثالث من يوليو، لا بد أولًا من فهم طبيعة المعركة نفسها. فالتعامل مع ما جرى باعتباره مجرد إطاحة برئيس منتخب أدى لدى بعض القوى إلى تبسيط الصراع وإساءة تقدير حجمه الحقيقي، بينما كانت الوقائع تشير إلى أن الأمر يتجاوز تغيير السلطة التنفيذية ليصل إلى إعادة بناء النظام السياسي بأكمله، وإعادة توزيع مراكز القوة داخل الدولة، وإغلاق المجال العام، وإنهاء المسار الذي بدأ مع ثورة يناير.
ومنذ اللحظات الأولى، اتضح أن السلطة الجديدة لم تتعامل مع الأحداث بوصفها مرحلة انتقالية مؤقتة، وإنما بوصفها مشروعًا متكاملًا لاستعادة السيطرة على مؤسسات الدولة، وإعادة تعريف المجال السياسي والإعلامي والقانوني. وقد انعكس ذلك في سرعة الإجراءات التي استهدفت إعادة تشكيل البيئة السياسية، وإقصاء القوى الرافضة، وإعادة بناء التحالفات الداخلية والخارجية الداعمة للنظام الجديد.
وفي المقابل، بدا أن قطاعًا من المعارضة قد افترض أن الانقلاب لن يستطيع الصمود طويلًا، وأن الضغوط الشعبية أو الدولية ستؤدي إلى تراجعه خلال فترة قصيرة، وهو ما انعكس على طبيعة الخطط المعلنة التي بُني كثير منها على توقعات بانهيار سريع للنظام، أكثر من بنائها على تصور لصراع طويل ومعقد.
كما أن ميزان القوى الحقيقي لم يكن متكافئًا منذ البداية؛ إذ امتلكت السلطة الجديدة السيطرة على مؤسسات الدولة، والأجهزة الأمنية، ووسائل الإعلام الرئيسة، والموارد الاقتصادية، فضلا عن انتشار واسع للقوات المسلحة في الميادين والشوارع، بينما كانت المعارضة تعتمد أساسًا على الحشد الشعبي، والشرعية الدستورية، والعمل الحقوقي والإعلامي الخارجي. وقد أدى هذا التفاوت إلى جعل كل طرف يخوض المعركة بأدوات مختلفة تمامًا.
ومن هنا، فإن أحد أهم أسباب الإخفاق اللاحق تمثل في عدم الاتفاق منذ البداية على تعريف طبيعة الصراع وحدوده وأهدافه. فبينما كانت السلطة تتحرك وفق استراتيجية لإعادة تأسيس النظام السياسي على أسس جديدة، ظلت قطاعات من المعارضة تتعامل مع الأزمة باعتبارها أزمة عابرة يمكن حلها عبر استمرار الاحتجاج أو زيادة الضغوط، دون إدراك كافٍ لطبيعة التحول الذي كان يجري داخل الدولة، ولأن خصمها كان يخوض معركة وجودية طويلة الأمد، لا مواجهة سياسية مؤقتة.
(3) الخطط والاستراتيجيات التي أعلنتها قوى رفض الانقلاب
مع الساعات الأولى لانقلاب الثالث من يوليو، سارعت القوى الرافضة له إلى إعلان مجموعة من الخطط والاستراتيجيات التي هدفت إلى استعادة المسار الدستوري وإسقاط النظام الجديد. وقد تنوعت هذه الخطط بين العمل الجماهيري، والضغط السياسي، والتحرك الحقوقي والإعلامي، وبناء التحالفات، انطلاقًا من الاعتقاد بأن الانقلاب يفتقر إلى الشرعية ولن يستطيع الصمود طويلًا أمام استمرار الرفض الشعبي.
وجاءت في مقدمة هذه الاستراتيجيات فكرة الحراك الجماهيري المستمر، حيث اعتُبر الشارع هو الأداة الأساسية لإرباك السلطة الجديدة واستنزافها، مع الرهان على أن استمرار التظاهر والاعتصامات سيؤدي إلى انشقاقات داخل مؤسسات الدولة أو إلى ضغوط خارجية تدفع نحو التراجع عن الانقلاب.
كما احتلت استراتيجية الدفاع عن الشرعية مكانة مركزية في خطاب المعارضة، باعتبار أن الرئيس المنتخب والدستور القائم يمثلان المرجعية القانونية الوحيدة، وأن أي حل يجب أن ينطلق من استعادة هذا المسار. وقد وفر هذا الخطاب أساسًا قانونيًا وأخلاقيًا للحراك، لكنه واجه تحديات سياسية مع مرور الوقت، حين تغيرت الوقائع على الأرض، وتراجعت قدرة هذا الشعار وحده على استقطاب قطاعات جديدة من المجتمع، فضلا عن القوى الدولية.
وفي الوقت نفسه، توسعت المعارضة في العمل الحقوقي والإعلامي الخارجي، وسعت إلى تدويل القضية من خلال المؤسسات الدولية، والمنظمات الحقوقية، ووسائل الإعلام العالمية، أملاً في خلق ضغوط سياسية على السلطة الجديدة. كما حاولت بناء تحالفات سياسية داخلية وخارجية، والرهان على حدوث انقسامات داخل مؤسسات الدولة أو داخل التحالف الداعم للسلطة.
غير أن معظم هذه الاستراتيجيات انطلقت من فرضية ضمنية مفادها أن النظام الجديد يواجه أزمة شرعية لا يستطيع تجاوزها، وأن عامل الزمن سيعمل لمصلحة المعارضة. لكن ما حدث لاحقًا كشف أن السلطة كانت تعمل، في المقابل، على تثبيت مؤسساتها، وإعادة بناء قواعدها، وإعادة صياغة البيئة السياسية والإعلامية، وهو ما جعل الرهان على الانهيار السريع يتراجع تدريجيًا أمام واقع أكثر تعقيدًا واستقرارًا.
(4) أين أخطأت القراءة الاستراتيجية؟
لم يكن إخفاق المعارضة في تحقيق أهدافها راجعًا إلى اختلال ميزان القوى وحده، وإنما ارتبط أيضًا بجملة من الأخطاء في قراءة طبيعة الصراع وتقدير اتجاهاته. فنجاح أي استراتيجية لا يتوقف على عدالة أهدافها، وإنما على مدى انسجامها مع الواقع السياسي، وقدرتها على استيعاب طبيعة الخصم وإمكاناته وخططه.
ومن أبرز هذه الأخطاء المبالغة في تقدير أثر الضغط الجماهيري، والاعتقاد بأن استمرار الحشود في الشوارع سيؤدي تلقائيًا إلى انهيار السلطة الجديدة أو انقسام مؤسساتها. وقد استند هذا التصور إلى خبرة ثورة يناير، دون مراعاة الفروق الجوهرية بين إسقاط نظام فقد غطاءه السياسي، وبين مواجهة سلطة جديدة أحكمت سيطرتها سريعًا على مؤسسات الدولة، واستفادت من دروس الثورة نفسها.
كما بالغت المعارضة في تقدير حجم التأثير المتوقع للمواقف الدولية، وظنت أن وضوح المخالفة الدستورية والانتهاكات الحقوقية سيدفع القوى الدولية إلى اتخاذ مواقف ضاغطة تغير موازين الصراع، بينما أثبتت التجربة أن حسابات المصالح والاستقرار والأمن الإقليمي كانت أكثر حضورًا من الاعتبارات القانونية أو الأخلاقية.
وفي المقابل، جرى التقليل من قدرة النظام على إعادة إنتاج نفسه، وعلى إعادة ترتيب مؤسسات الدولة، وتعبئة قطاعات من الرأي العام، وفرض وقائع جديدة بمرور الوقت. كما لم تحظ سيناريوهات الصراع الممتد بالعناية الكافية، إذ غلبت على الخطاب توقعات النجاح السريع، دون إعداد استراتيجيات تتناسب مع معركة طويلة النفس.
وربما كان الخطأ الأعمق هو الخلط بين التعبئة والاستراتيجية؛ فنجاح الحشد في إنتاج الزخم لا يعني بالضرورة امتلاك خطة لتحويل هذا الزخم إلى مكاسب سياسية. كما أن عدالة القضية، مهما بلغت، لا تعوض غياب أدوات القوة والتنظيم والتحالفات وإدارة الموارد. وقد أثبتت التجربة أن السياسة لا تُدار بالمشروعية وحدها، وإنما أيضًا بحسن تقدير موازين القوى، والقدرة على تعديل الخطط وفق تغير الظروف.
(5) أزمة القيادة وإدارة الصراع
أظهرت السنوات التي أعقبت الانقلاب أن المعارضة عانت من أزمة قيادة حقيقية، لم تتمثل في غياب الرموز أو الشخصيات المؤثرة، وإنما في غياب مركز موحد لاتخاذ القرار، ومؤسسة قادرة على إدارة الصراع بصورة متماسكة ومستقرة.
فقد تعددت مراكز القرار، وتباينت الرؤى بين القوى المختلفة حول طبيعة المرحلة، وأولويات العمل، وحدود التصعيد، وأشكال التحالف، والعلاقة مع الداخل والخارج. وأدى ذلك إلى تعدد المبادرات، وتضارب الرسائل، وصعوبة بناء استراتيجية واحدة تلتزم بها جميع الأطراف.
كما افتقرت المعارضة إلى مؤسسة سياسية جامعة تمتلك صلاحية التخطيط والتنسيق والتقييم المستمر، الأمر الذي جعل إدارة الصراع تميل إلى معالجة التطورات اليومية أكثر من صياغة رؤية بعيدة المدى. وأصبحت ردود الأفعال تتقدم على المبادرات، بينما تحول كثير من الجهد إلى إدارة الأزمات المتلاحقة بدل توجيه مسارها.
وانعكس هذا الوضع على العلاقة بين القيادة والقاعدة؛ إذ اتسعت الفجوة بين سقف التوقعات الشعبية والقدرة الفعلية على الإنجاز، ومع مرور الوقت بدأت الثقة تتراجع نتيجة غياب الإنجازات الملموسة، وتكرار الخطابات التي لا يصاحبها تغيير في الأدوات أو النتائج.
كما أثرت الخلافات التنظيمية والسياسية بين مكونات المعارضة في قدرتها على استثمار الفرص، وأضعفت قدرتها على التكيف مع التحولات المتسارعة. وفي الصراعات الممتدة، تصبح وحدة القيادة والمرونة المؤسسية من أهم عناصر القوة، وهو ما افتقدته المعارضة بدرجات متفاوتة طوال سنوات المواجهة.
(6) أزمة الخطاب السياسي والإعلامي
شكّل الخطاب السياسي والإعلامي أحد أهم ميادين الصراع بعد الثالث من يوليو، غير أن المعارضة لم تنجح في تطوير خطاب يخاطب المجتمع بأسره، بقدر ما ركزت، في كثير من الأحيان، على مخاطبة قواعدها المؤيدة، وهو ما حدّ من قدرتها على توسيع قاعدة التأييد واستعادة الفئات المترددة أو المحايدة.
فقد غلب على الخطاب طابع التعبئة والحشد، وهو خطاب يؤدي دورًا مهمًا في الحفاظ على تماسك الأنصار، لكنه لا يكفي لإقناع شرائح جديدة تختلف في أولوياتها أو مخاوفها. ومع مرور الوقت، أصبحت الرسائل الإعلامية تدور في دائرة مغلقة، بينما نجح الإعلام الرسمي والخاص في الوصول إلى قطاعات أوسع داخل المجتمع.
كما لم يتمكن الخطاب المعارض من الربط بصورة كافية بين رفض الانقلاب وبين المصالح اليومية للمواطنين، مثل الاقتصاد، ومستوى المعيشة، والخدمات، وسيادة القانون، ومستقبل الدولة. ولذلك ظل قطاع من الرأي العام ينظر إلى الصراع باعتباره خلافًا سياسيًا بين نخب أو تيارات، لا قضية تمس مستقبله المباشر.
ومن ناحية أخرى، اعتمدت المعارضة بدرجة كبيرة على الإعلام الخارجي والمنصات الرقمية، وهو ما ساعد في الحفاظ على حضورها الإعلامي، لكنه لم يكن بديلًا عن التأثير داخل المجال العام المصري، الذي أصبح خاضعًا لرقابة وسيطرة واسعة.
كما واجهت المعارضة صعوبة في إدارة الرواية العامة للأحداث، إذ انتقلت المبادرة الإعلامية تدريجيًا إلى السلطة، التي نجحت في تقديم خطاب يربط بين بقائها والاستقرار، وبين خصومها والفوضى، وهو إطار ذهني أثّر في قطاعات من المجتمع، خاصة مع طول أمد الصراع.
وتكشف هذه التجربة أن المعارك السياسية الحديثة لا تُحسم بالمواقف وحدها، بل بقدرة كل طرف على بناء رواية وطنية جامعة، تستوعب المخاوف المختلفة، وتقدم حلولًا عملية، وتخاطب المجتمع بأكمله، لا جمهوره التقليدي فقط.
(7) أزمة التحالفات الوطنية
لعل أحد أبرز أسباب تعثر المعارضة تمثل في عجزها عن بناء تحالف وطني واسع يتجاوز حدود القوى التي رفضت الانقلاب منذ لحظته الأولى. فقد بقيت العلاقة مع قطاعات واسعة من القوى المدنية والثورية محكومة بإرث من عدم الثقة، والاستقطاب الذي سبق الثالث من يوليو، وهو ما أعاق بناء جبهة وطنية قادرة على توحيد الجهود حول هدف مشترك.
كما لم ينجح خطاب المعارضة في طمأنة قطاعات كانت تختلف معها سياسيًا أو فكريًا، لكنها كانت متضررة من تراجع المجال العام. ومع مرور الوقت، أصبح من الصعب استعادة هذه القوى، خاصة بعد أن رسخت السلطة الجديدة واقعًا سياسيًا مختلفًا، وأعادت تشكيل البيئة القانونية والإعلامية.
ومن هنا يمكن فهم سبب محدودية اتساع جبهة رفض الانقلاب، وعدم تحولها إلى حركة وطنية شاملة تضم مختلف الاتجاهات. كما يفسر ذلك أيضًا لماذا لم تتوسع المظاهرات والاحتجاجات بالقدر الذي كانت تراهن عليه المعارضة، إذ لم يكن القمع وحده هو العامل الحاسم، بل أسهمت أيضًا حالة الاستقطاب السابقة، والخوف المجتمعي، وضعف الثقة المتبادلة، وغياب مشروع وطني جامع قادر على استيعاب الجميع.
وقد أدى استمرار الانقسام إلى جعل قطاع من المجتمع يفضل الحياد أو الانسحاب من المجال العام، بدل الانخراط في صراع لا يرى نفسه ممثلًا فيه بصورة كاملة. وفي المقابل، نجحت السلطة في استثمار هذه الانقسامات، وعزل المعارضة تدريجيًا عن قطاعات اجتماعية كان يمكن أن تمثل امتدادًا طبيعيًا لها لو نجحت في بناء خطاب وتحالفات أكثر شمولًا.
وتبرز هذه التجربة أن التحولات السياسية الكبرى لا تُحمى بتحالفات ظرفية أو تحالفات الضرورة، وإنما بتحالفات وطنية مستقرة، تقوم على رؤية مشتركة للدولة ومستقبلها، وتتجاوز الحسابات الحزبية الضيقة، بحيث يصبح الدفاع عن الحرية وسيادة القانون قضية وطنية جامعة، لا قضية تخص تيارًا بعينه.
(
لماذا لم تتوسع الحاضنة الشعبية؟
على الرغم من أن المعارضة نجحت، خلال الأشهر الأولى بعد الانقلاب، في تنظيم واحدة من أكبر موجات الاحتجاج في التاريخ المصري الحديث، فإنها لم تتمكن من تحويل هذا الزخم إلى حاضنة شعبية متنامية تستوعب قطاعات جديدة من المجتمع. ومع مرور الوقت، أخذت مساحة المشاركة في التراجع تدريجيًا، حتى انحصر الحراك في دوائر محددة، وفقد قدرته على استقطاب فئات واسعة كانت تقف في البداية على مسافة من الصراع.
ولا يمكن تفسير ذلك بالقمع الأمني وحده، على الرغم من شدته واتساعه، بل إن هناك عوامل أخرى أسهمت في هذا التراجع؛ فقد أحدثت أحداث فض اعتصامي رابعة والنهضة صدمة نفسية عميقة داخل المجتمع، ورسخت لدى قطاعات واسعة قناعة بأن كلفة المشاركة أصبحت مرتفعة للغاية، سواء على المستوى الشخصي أو الأسري أو المهني، الأمر الذي دفع كثيرين إلى الانسحاب من المجال العام حفاظًا على أمنهم واستقرارهم.
كما لعب العامل الاقتصادي دورًا مؤثرًا؛ إذ انشغل قطاع كبير من المواطنين بتداعيات الأوضاع المعيشية، وأصبحت الأولوية بالنسبة لهم البحث عن الاستقرار الاقتصادي أكثر من الانخراط في صراع سياسي مفتوح لا تبدو له نهاية واضحة. واستطاع النظام توظيف هذا الشعور، عبر تقديم نفسه باعتباره الضامن الوحيد للاستقرار، في مقابل تصوير استمرار الاحتجاجات باعتباره تهديدًا للأمن والاقتصاد.
ومن جهة أخرى، لم تنجح المعارضة في تطوير أدوات تنظيمية مرنة تتناسب مع البيئة الجديدة التي فرضها القمع وإغلاق المجال العام. فقد بقيت تعتمد، بدرجة كبيرة، على النموذج التقليدي للحشد الجماهيري، في حين كانت الظروف تفرض البحث عن أشكال جديدة للعمل المجتمعي والسياسي، قادرة على الحفاظ على التواصل مع المجتمع، وتقليل كلفة المشاركة، وتوسيع قاعدة المؤيدين.
كما أن استمرار الاستقطاب، وضعف الخطاب الجامع، جعلا قطاعات من المجتمع تنظر إلى الحراك باعتباره امتدادًا لصراع بين قوى سياسية متنافسة، لا معركة تتعلق بحقوق جميع المواطنين ومستقبل الدولة. وكان من شأن بناء خطاب وطني أكثر شمولًا أن يخفف من هذه الصورة، وأن يوسع الحاضنة الشعبية تدريجيًا.
وتكشف هذه التجربة أن نجاح أي حركة معارضة لا يقاس فقط بحجم الحشود في لحظة معينة، وإنما بقدرتها على الحفاظ على قاعدة اجتماعية واسعة ومتنوعة، تتجدد مع الزمن، وتستوعب المتغيرات، وتربط بين المطالب السياسية والاحتياجات اليومية للمجتمع.
(9) الرهان على الخارج وحدود الضغط الدولي
احتل العامل الخارجي مكانة بارزة في حسابات المعارضة منذ الأيام الأولى للانقلاب، إذ اعتقد كثيرون أن وضوح المخالفة الدستورية، وما رافقها من انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان، سيدفع المجتمع الدولي إلى ممارسة ضغوط سياسية حقيقية تؤدي إلى تعديل المسار أو فرض تسوية سياسية.
وانطلقت هذه الرهانات من مواقف وتصريحات أولية صدرت عن بعض الحكومات الغربية والإسلامية والمنظمات الدولية، ومن الزخم الذي أحدثته التقارير الحقوقية حول الانتهاكات. كما توسع النشاط الدبلوماسي والإعلامي للمعارضة في الخارج، وتم الاستثمار في المؤسسات الحقوقية، والبرلمانات، ووسائل الإعلام الدولية، أملاً في تحويل التعاطف الحقوقي إلى مواقف سياسية مؤثرة.
غير أن التجربة أثبتت أن العلاقات الدولية تُدار، في المقام الأول، وفق اعتبارات المصالح لا المبادئ. فقد كانت الولايات المتحدة والدول الأوروبية تنظر إلى مصر بوصفها دولة محورية في ملفات الأمن الإقليمي، ومكافحة الإرهاب، وأمن الملاحة، والعلاقة مع إسرائيل، وهو ما جعل هذه المصالح تتقدم على الاعتبارات المتعلقة بالتحول الديمقراطي٫ فضلا عن الحكم الاسلامي.
وفي الوقت نفسه، وفر الدعم السياسي والاقتصادي الذي قدمته بعض القوى الإقليمية للنظام الجديد عنصرًا إضافيًا ساعده على تجاوز الضغوط الدولية، ومنحه قدرة أكبر على تثبيت أركانه داخليًا.
ولذلك بقيت الإدانات الحقوقية في معظمها ضمن الإطار الأخلاقي أو القانوني، دون أن تتحول إلى سياسات عملية قادرة على تغيير موازين القوى. وأظهرت التجربة أن التعويل على الخارج، مهما بلغت أهميته، لا يمكن أن يكون بديلًا عن بناء قوة سياسية ومجتمعية داخلية قادرة على فرض معادلات جديدة.
ومن هنا يبرز أحد أهم الدروس الاستراتيجية، وهو أن العامل الخارجي قد يساهم في ترجيح كفة أحد الأطراف إذا كانت لديه عناصر قوة داخلية، لكنه نادرًا ما يصنع التغيير. ولذلك فإن أي استراتيجية سياسية طويلة المدى ينبغي أن تجعل الداخل هو مركز الثقل، وأن تتعامل مع الخارج باعتباره عاملًا مساعدًا لا ركيزة أساسية.
(10) من المبادرة إلى رد الفعل
من أبرز التحولات التي شهدتها المعارضة بعد الانقلاب انتقالها التدريجي من موقع المبادرة إلى موقع رد الفعل. ففي الأسابيع الأولى كانت تمتلك القدرة على تعبئة الشارع، وفرض إيقاع سياسي وإعلامي متسارع، إلا أن هذا الزخم أخذ يتراجع مع مرور الوقت، بينما أصبحت السلطة هي الطرف الذي يحدد توقيتات الصراع وأدواته ومساراته.
وقد ساهمت عدة عوامل في هذا التحول؛ من أهمها فقدان الاعتصامات الكبرى، وتراجع القدرة على الحشد واسع النطاق، وغياب مبادرات سياسية جديدة تحدث اختراقًا في المشهد. وأصبحت المعارضة منشغلة، إلى حد كبير، بالتعامل مع الإجراءات التي تتخذها السلطة، بدل أن تكون هي صاحبة المبادرة في طرح الخيارات أو فرض الوقائع.
كما أدى غياب استراتيجية طويلة النفس إلى استنزاف الطاقات في معارك متفرقة، دون وجود تصور متكامل لكيفية الانتقال من مرحلة الاحتجاج إلى مرحلة بناء مشروع سياسي قادر على استعادة المبادرة. وأصبحت الجهود تتوزع بين ملفات متعددة؛ حقوقية، وإعلامية، وسياسية، وتنظيمية، من دون إطار جامع يربط بينها ويمنحها اتجاهًا واحدًا.
وفي المقابل، استفاد النظام من عامل الزمن، وعمل بصورة متدرجة على إعادة بناء مؤسساته، وإعادة تشكيل البيئة القانونية والسياسية، وتوسيع سيطرته على المجال العام، حتى تحول من سلطة تواجه تحديًا كبيرًا إلى نظام أكثر استقرارًا وثقة بقدرته على إدارة الصراع.
وتؤكد هذه التجربة أن الصراعات السياسية الممتدة لا تُحسم بالزخم الأول، وإنما بقدرة كل طرف على الاحتفاظ بالمبادرة، وتجديد أدواته، وتطوير استراتيجياته وفق المتغيرات. وعندما تتحول المعارضة إلى الاكتفاء بردود الأفعال، فإنها تمنح خصمها فرصة رسم قواعد اللعبة، وتفقد تدريجيًا قدرتها على التأثير في اتجاهاتها.
(11) ما الذي كان يمكن فعله بصورة مختلفة؟
بعد أكثر من عقد على الانقلاب، لم يعد السؤال الأكثر أهمية هو: هل كانت المعارضة محقة في رفضها؟ فعدالة الموقف لا تكفي وحدها لتفسير النتائج، وإنما السؤال الأجدر بالبحث هو: هل كانت هناك بدائل استراتيجية كان يمكن أن تزيد من فرص محاصرة الانقلاب أو تقليص آثاره؟
يصعب الجزم بأن مسار الأحداث كان سيتغير جذريًا لو اتُّخذت قرارات مختلفة، نظرًا لاختلال ميزان القوى الداخلي، والدعم الإقليمي الواسع، والقبول الدولي النسبي، إلا أن ذلك لا ينفي وجود فرص كان يمكن أن تمنح المعارضة قدرة أكبر على الصمود والمناورة.
كان من الممكن، على سبيل المثال، الانتقال مبكرًا من شعار استعادة الشرعية إلى مشروع وطني أوسع يجعل الدفاع عن الحريات والدستور والدولة المدنية قضية تخص جميع المصريين، لا قضية تيار سياسي بعينه. وكان من الممكن كذلك إعطاء أولوية أكبر لبناء تحالفات مجتمعية ممتدة تشمل النقابات، والجامعات، والروابط المهنية، والشخصيات العامة، بما يقلل من آثار الاستقطاب.
كما كان من الضروري الانتقال من التفكير في الحسم السريع إلى إدارة صراع طويل المدى، يتضمن مراحل واضحة، وأهدافًا مرحلية قابلة للتحقق، ومراجعة دورية للوسائل المستخدمة، بدل استمرار العمل وفق الفرضيات الأولى رغم تغير البيئة السياسية بالكامل.
وكانت الحاجة ملحة أيضًا إلى تطوير مؤسسات جامعة تمتلك صلاحيات حقيقية في التخطيط واتخاذ القرار، بما يقلل من التشتت، ويوحد الرسائل السياسية والإعلامية، ويمنح المعارضة قدرة أكبر على التكيف مع التحولات.
كذلك كشفت التجربة أهمية الجمع بين العمل السياسي، والحقوقي، والإعلامي، والاجتماعي، في إطار رؤية استراتيجية واحدة، بحيث تخدم جميع هذه المسارات هدفًا سياسيًا واضحًا، بدل أن تتحول إلى جهود متوازية تفتقد التنسيق والتكامل.
ولا تعني هذه البدائل أنها كانت ستؤدي بالضرورة إلى إسقاط الانقلاب، لكنها ربما كانت ستُحسن موقع المعارضة، وتُبقي المجال العام أكثر حيوية، وتحد من قدرة السلطة على احتكار المجال السياسي بصورة كاملة.
(12) القراءة الاستراتيجية
تكشف تجربة مقاومة انقلاب الثالث من يوليو أن الصراعات الكبرى لا تُحسم فقط بعدالة القضايا أو حجم التضحيات، وإنما بمدى دقة القراءة الاستراتيجية، وواقعية الأهداف، وقدرة القيادة على التكيف مع تغير موازين القوى.
كما تؤكد أن امتلاك قاعدة جماهيرية واسعة لا يغني عن امتلاك مشروع سياسي جامع، وأن الحشد الشعبي، مهما بلغ حجمه، لا يتحول تلقائيًا إلى إنجاز سياسي ما لم يُترجم إلى أهداف قابلة للتحقيق، وتحالفات مستقرة، ومؤسسات قادرة على إدارة الصراع.
وتبرز التجربة أيضًا أن الدولة الحديثة تمتلك أدوات متنوعة للحفاظ على بقائها؛ فهي لا تعتمد على القوة الأمنية وحدها، بل تستخدم القانون، والإعلام، والإدارة، والاقتصاد، والعلاقات الخارجية، والحرب النفسية، وهو ما يجعل مواجهتها تتطلب استراتيجيات مركبة لا تقتصر على الاحتجاج وحده.
وتكشف الأحداث كذلك أن المعارضة التي تظل أسيرة خطاب التعبئة، دون أن تطور خطابًا سياسيًا يخاطب المجتمع بأكمله، تظل محدودة القدرة على التوسع. كما أن غياب المراجعات الدورية، والإصرار على تكرار الأدوات نفسها رغم تغير الظروف، يؤدي تدريجيًا إلى استنزاف الطاقات وفقدان المبادرة.
ولهذا فإن أهم ما تقدمه التجربة هو الانتقال من التفكير في إسقاط الخصم إلى التفكير في إدارة الصراع، ومن ردود الأفعال إلى بناء الاستراتيجيات، ومن الرهان على تغير الظروف إلى صناعة عناصر القوة الذاتية بصورة تراكمية.
(13) الخلاصات العامة
تكشف مراجعة تجربة مقاومة انقلاب الثالث من يوليو أن إخفاق المعارضة في محاصرة الانقلاب لم يكن نتيجة عامل واحد، بل حصيلة تفاعل بين اختلال كبير في ميزان القوى، وأخطاء في التقدير الاستراتيجي، وضعف البناء المؤسسي، والانقسام الداخلي، والرهانات غير الدقيقة على الحراك الشعبي والمواقف الدولية.
وتؤكد التجربة أن عدالة القضية لا تكفي وحدها لتحقيق النجاح، وأن المواقف الأخلاقية تحتاج دائمًا إلى أدوات سياسية وتنظيمية وإعلامية قادرة على تحويلها إلى قوة مؤثرة في الواقع.
كما يتضح أن أخطر ما واجه المعارضة لم يكن القمع وحده، بل استمرار إدارة الصراع بالعقلية نفسها رغم تغير البيئة السياسية بالكامل، وهو ما حدّ من قدرتها على التكيف، وأضعف فرص تطوير استراتيجيات أكثر فاعلية.
وتكشف التجربة كذلك أن بناء التحالفات الوطنية الواسعة، وإدارة التنوع داخل معسكر التغيير، والانتقال من منطق التنظيم إلى منطق المشروع الوطني، تمثل جميعها شروطًا أساسية لأي معارضة تسعى إلى إحداث تغيير مستدام.
ويبقى الدرس الأبرز أن الصراعات السياسية الطويلة لا تُحسم بالاندفاع الأول، وإنما بالنفس الطويل، والمرونة، والتراكم، والقدرة على مراجعة الذات، وتطوير الأدوات، وإعادة بناء عناصر القوة بصورة مستمرة.
(14) توصيات مركز حريات
انطلاقًا من المراجعة النقدية لتجربة مقاومة انقلاب الثالث من يوليو، وما كشفته من جوانب القوة والقصور في أداء قوى المعارضة خلال أكثر من عقد، يرى مركز حريات أن نجاح أي حركة معارضة في مواجهة التحولات الكبرى لا يبدأ بإعادة إنتاج الأدوات القديمة، وإنما بإعادة بناء العقل الاستراتيجي، وتطوير المؤسسات، وإعادة تعريف المشروع الوطني، بما يمكنها من إدارة صراع طويل النفس، وتحويل التأييد الشعبي إلى قوة سياسية قادرة على تحقيق التغيير. وفي هذا السياق يوصي المركز بما يلي:
1. اعتماد المراجعة الدورية للأداء السياسي باعتبارها جزءًا أصيلًا من إدارة الصراع، من خلال آليات مؤسسية للتقييم والتصحيح، بما يسمح بتطوير الاستراتيجيات بصورة مستمرة دون ربط المراجعة بالهزيمة أو التراجع عن المبادئ.
2. التمييز بوضوح بين عدالة القضية وامتلاك أدوات الانتصار، فسلامة الموقف الأخلاقي والسياسي لا تغني عن بناء عناصر القوة والتنظيم والتحالف والإدارة القادرة على تحويل الشرعية إلى نتائج عملية.
3. الانتقال من التفكير المرحلي إلى بناء استراتيجيات طويلة المدى، تقوم على التدرج، وتراكم الإنجازات، وإدارة الوقت، واستثمار التحولات الداخلية والخارجية، بدل الرهان على الحسم السريع أو الانهيار المفاجئ للخصم.
4. إنشاء مؤسسات قيادية جامعة تتمتع بشرعية واضحة، وصلاحيات محددة، وآليات فاعلة لاتخاذ القرار، بما يضمن وحدة القيادة، واستمرارية العمل، وتقليل آثار الخلافات الشخصية والتنظيمية.
5. بناء مشروع وطني جامع يتجاوز الاصطفافات الأيديولوجية والتنظيمية، ويجمع مختلف القوى المؤمنة بالإصلاح والدولة الدستورية حول رؤية مشتركة لمستقبل الدولة، بدل الاكتفاء بتحالفات ظرفية ترتبط بالأزمات فقط.
6. إعادة تعريف العلاقة مع المجتمع، بحيث تتحول المعارضة من ممثل لقطاع من المواطنين إلى مشروع وطني يخاطب مختلف الفئات، ويربط بين قضايا الحرية والديمقراطية وبين الأمن والاقتصاد والعدالة الاجتماعية وتحسين مستوى المعيشة.
7. تطوير خطاب سياسي وإعلامي يخاطب المجتمع كله، ويعالج مخاوفه واحتياجاته اليومية، ويتجنب الانغلاق داخل دائرة الأنصار، مع تقديم بدائل عملية تعزز الثقة في قدرة المعارضة على إدارة الدولة.
8. إعادة بناء العلاقات مع القوى الوطنية والمدنية على أساس المشتركات الكبرى، وتجاوز آثار الاستقطاب التاريخي، والتمييز بين الخلافات السياسية الطبيعية والخلافات التي تهدد مستقبل الدولة والتحول الديمقراطي.
9. بناء منظومة إعلامية احترافية تعتمد على التخطيط وإدارة الرواية، وإنتاج المعرفة، والتحقق من المعلومات، ومواجهة حملات التضليل، مع إعطاء الأولوية للتأثير في الرأي العام المحلي قبل الرهان على التأثير الخارجي.
10. تطوير رؤية واقعية للتعامل مع العامل الدولي، تقوم على فهم مصالح القوى الدولية والإقليمية، وعدم المبالغة في التعويل على الضغوط الخارجية، مع التركيز على بناء عناصر القوة الوطنية باعتبارها أساس أي تحول مستدام.
11. الاستثمار في إعداد كوادر متخصصة في التخطيط الاستراتيجي، وإدارة الأزمات، والتفاوض، وبناء التحالفات، والاتصال السياسي، والإدارة العامة، بما يضمن جاهزية المعارضة للانتقال من موقع الاحتجاج إلى موقع إدارة الدولة متى توافرت الظروف.
12. تطوير أدوات العمل السياسي بما يتناسب مع البيئات المقيدة، والبحث عن وسائل مرنة وآمنة للحفاظ على التواصل مع المجتمع، وتوسيع دوائر المشاركة، وتقليل الكلفة السياسية والأمنية للعمل العام.
13. الانتقال من إدارة ردود الأفعال إلى إدارة المبادرة، عبر امتلاك أجندة سياسية مستقلة، وعدم ترك الخصوم يحددون وحدهم توقيتات الصراع وأولوياته واتجاهاته.
14. ترسيخ ثقافة العمل المؤسسي، ومنع الشخصنة، وربط القرار السياسي بآليات واضحة للمراجعة والتقييم والمحاسبة، بما يضمن استدامة المؤسسات واستقلالها عن الأفراد.
15. تشجيع الدراسات المقارنة حول تجارب الثورات، والثورات المضادة، وحركات المعارضة، والاستفادة من خبرات الدول التي نجحت في إدارة صراعات طويلة حتى حققت انتقالًا سياسيًا مستقرًا، مع مراعاة خصوصية الواقع المصري والعربي.
16. توثيق تجربة مقاومة الانقلاب توثيقًا علميًا متعدد المصادر، يحفظ تفاصيلها وخبراتها وتطوراتها، ويحولها إلى رصيد معرفي تستفيد منه الأجيال المقبلة، بدل بقائها رهينة الذاكرة الفردية أو السرديات المتعارضة.
17. تطوير آليات دائمة للحوار وإدارة الخلافات داخل قوى المعارضة، بما يمنع تحول الاختلافات الطبيعية إلى انقسامات استراتيجية تستنزف الجهود وتضعف القدرة على العمل المشترك.
18. ترسيخ ثقافة الجمع بين النضال السياسي والعمل المجتمعي، وعدم حصر مشروع التغيير في الصراع على السلطة، بل ربطه ببناء المجتمع، ودعم المبادرات الأهلية، وتوسيع دوائر التأثير الفكري والثقافي والتنموي.
19. تدعيم القدرة على التكيف مع المتغيرات، وتحديث الخطط بصورة مستمرة وفق تطورات البيئة المحلية والإقليمية والدولية، وتجنب الجمود الاستراتيجي أو تكرار الأدوات نفسها رغم تغير الظروف.
20. التأكيد أن نجاح أي معارضة لا يقاس بقدرتها على رفض الواقع أو المحافظة على خطابها المبدئي فحسب، وإنما بقدرتها على بناء بديل وطني موثوق، وإدارة صراع طويل النفس، وصناعة التحالفات، وتطوير أدواتها باستمرار، وتحويل التأييد الأخلاقي والشعبي إلى قوة سياسية ومجتمعية ومؤسسية قادرة على تحقيق التغيير، وصيانة الإرادة الشعبية من الإجهاض أو الالتفاف مهما تغيرت الأدوات أو الفاعلون.



