الشيخ صلاح أبو إسماعيل – الداعية البرلماني وصوت الشريعة في الحياة العامة

![]()
الشيخ صلاح أبو إسماعيل – الداعية البرلماني وصوت الشريعة في الحياة العامة
بين الدعوة والسياسة والمعارضة الدستورية
سلسلة دعاة وعلماء غيروا وجه مصر ووجهتها في القرن العشرين
مركز حريات للدراسات السياسية والاستراتيجية – 2026
ـــــــــــ
الملخص
يتناول هذا الإصدار تجربة الشيخ صلاح أبو إسماعيل بوصفه أحد أبرز النماذج التي جمعت بين الدعوة الإسلامية والعمل البرلماني والمعارضة الدستورية في مصر خلال النصف الثاني من القرن العشرين. فقد مثّل شخصية فريدة استطاعت أن تنقل الخطاب الإسلامي من مجال الوعظ العام إلى مجال التشريع والرقابة السياسية، وأن تجعل من البرلمان منبرًا للدفاع عن الشريعة والهوية الإسلامية والحريات العامة.
وتنبع أهمية الشيخ صلاح أبو إسماعيل من تكوينه المركب؛ فقد جمع بين الثقافة الشرعية والتكوين السياسي، وعمل قريبًا من المؤسسة الأزهرية حين تولى إدارة مكتب شيخ الأزهر الشيخ محمد الفحام، ثم الشيخ عبد الحليم محمود، الأمر الذي أتاح له احتكاكًا مباشرًا بمؤسسة الأزهر ورجالها وقضاياها، وأسهم في تشكيل وعيه بأهمية استقلال المرجعية الدينية وحضورها في المجال العام.
كما يستعرض الإصدار انتقاله من العمل الدعوي إلى العمل السياسي، ودخوله مجلس الشعب، وبروزه كأحد أقوى الأصوات الإسلامية المعارضة داخل البرلمان المصري، حيث دافع عن تحكيم الشريعة، واستقلال القضاء، والحريات العامة، وحقوق المواطنين، مستخدمًا أدواته القانونية والدستورية في مساءلة السلطة ومواجهة السياسات التي رأى فيها تهديدًا لهوية المجتمع أو تجاوزًا لمقتضيات العدل.
ويحلل الإصدار مشروعه الدعوي والسياسي الذي قام على الربط بين إصلاح المجتمع والعمل المؤسسي، وبين المرجعية الإسلامية والدستور، وبين المنبر والبرلمان، بما جعله أحد أبرز رموز المدرسة الإسلامية الدستورية في مصر. كما يناقش تأثيره في التيار الإسلامي، ودوره في إعادة طرح الشريعة كقضية سياسية وتشريعية، لا مجرد قضية فقهية أو وعظية، فضلا عن تأسيسه للتحالف مع الأحزاب السياسية.
ويخلص الإصدار إلى أن الشيخ صلاح أبو إسماعيل لم يكن مجرد نائب برلماني معارض، بل كان داعية سياسيًا ذا تكوين شرعي وقانوني
، جسّد مرحلة مهمة من تطور العمل الإسلامي المصري، حين حاول التيار الإسلامي أن يخوض معركته من داخل مؤسسات الدولة، وأن يجعل من القانون والدستور أدوات للدفاع عن الهوية والحرية والعدالة.
(1) المدخل – لماذا الشيخ صلاح أبو إسماعيل؟
يعد الشيخ صلاح أبو إسماعيل واحدًا من أبرز الشخصيات الإسلامية التي تركت أثرًا واضحًا في الحياة العامة المصرية خلال سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، لأنه لم يكن داعية تقليديًا يكتفي بالخطابة والوعظ، ولا سياسيًا محترفًا منفصلًا عن المرجعية الإسلامية، بل جمع بين الدعوة والعمل البرلماني والوعي الدستوري، فجاءت تجربته في منطقة التفاعل بين الدين والقانون والسياسة.
وقد تميز حضوره بأنه أعاد طرح الشريعة الإسلامية داخل البرلمان بوصفها قضية تشريعية ودستورية، لا مجرد مطلب عاطفي أو شعار ديني. فكان خطابه يستند إلى الدستور والقانون كما يستند إلى الفقه والشريعة، الأمر الذي منحه قدرة خاصة على مخاطبة الدولة بلغتها المؤسسية، ومخاطبة التيار الإسلامي بلغته الشرعية.
كما مثّل نموذجًا للداعية الذي لم يعزل نفسه عن قضايا المجتمع والدولة، بل رأى أن الدعوة لا تكتمل إلا إذا تحولت إلى موقف من التشريع، والعدالة، والحريات، واستقلال القضاء، وحقوق الناس. ومن هنا، كان البرلمان عنده امتدادًا للمنبر، وكانت المعارضة الدستورية جزءًا من واجب البيان والنصيحة.
وتنبع أهميته كذلك من كونه أحد أبرز وجوه التيار الإسلامي في مرحلة كان هذا التيار يبحث فيها عن مساحة شرعية للتعبير عن نفسه داخل النظام السياسي، فكان صوتًا قويًا في الدفاع عن الهوية الإسلامية، وواحدًا من الرموز التي أعطت للعمل البرلماني الإسلامي حضورًا مؤثرًا في الوعي العام.
ولذلك، فإن دراسة الشيخ صلاح أبو إسماعيل ليست مجرد استعادة لسيرة شخصية، بل مدخل لفهم تطور العلاقة بين الدعوة والسياسة، وبين الشريعة والدستور، وبين التيار الإسلامي ومؤسسات الدولة في التجربة المصرية الحديثة.
(2) حياته وسيرته – من بهرمس إلى البرلمان
وُلد الشيخ صلاح أبو إسماعيل عام 1930 في قرية بهرمس بمحافظة الجيزة، ونشأ في بيئة ريفية محافظة اتسمت بالتدين الأصيل والارتباط الوثيق بالقيم الإسلامية واللغة العربية، وهو ما أسهم مبكرًا في تشكيل شخصيته، وترسيخ اعتزازه بهويته الإسلامية والوطنية. وقد تزامنت سنوات نشأته مع مرحلة من أكثر المراحل اضطرابًا في التاريخ المصري الحديث، حيث عاصر نهاية العهد الملكي، وقيام ثورة يوليو 1952، والتحولات السياسية والفكرية الكبرى التي أعادت تشكيل الدولة والمجتمع.
التحق بكلية اللغة العربية بجامعة الأزهر، فجمع بين التكوين الأزهري الأصيل والثقافة اللغوية والشرعية العميقة، ثم واصل بناء نفسه بالاطلاع على الفكر القانوني والدستوري، حتى أصبح من القلائل الذين استطاعوا الجمع بين البيان الشرعي، والثقافة القانونية، والوعي السياسي، وهو ما سيظهر لاحقًا بوضوح في خطابه البرلماني ومواقفه العامة.
وكانت إحدى المحطات الأكثر تأثيرًا في تكوينه عمله مديرًا لمكتب شيخ الأزهر الشيخ محمد الفحام، ثم مديرًا لمكتب الإمام الأكبر الشيخ عبد الحليم محمود. وقد أتاحت له هذه المسؤولية الاحتكاك اليومي بقيادة الأزهر، والتعرف عن قرب على طبيعة العلاقة بين المؤسسة الدينية والدولة، وبين العلماء وصناع القرار، كما فتحت أمامه أبواب المشاركة في معالجة كثير من القضايا الدينية والفكرية والوطنية التي كانت تشغل الساحة المصرية آنذاك.
وخلال هذه المرحلة، تأثر بصورة خاصة بشخصية الإمام عبد الحليم محمود، الذي أعاد للأزهر حضوره الدعوي والروحي وهيبته العلمية، ورسخ فكرة أن العالم المسلم ينبغي أن يكون حاضرًا في قضايا أمته، مدافعًا عن هويتها، ومشاركًا في توجيه حياتها العامة. وقد انعكس هذا التأثير بوضوح على شخصية صلاح أبو إسماعيل، الذي اقتنع بأن رسالة العالم لا تقتصر على التدريس والإفتاء، بل تمتد إلى الدفاع عن الشريعة، وصيانة الحريات، والإسهام في إصلاح المجتمع والدولة.
ومع اتساع نشاطه الدعوي والفكري، برز اسمه في الأوساط الإسلامية والوطنية، قبل أن ينتقل إلى العمل السياسي عبر مجلس الشعب، حيث أصبح أحد أشهر نواب المعارضة الإسلامية وأكثرهم حضورًا وتأثيرًا. وهناك استطاع أن يلفت الأنظار ببلاغته، وقوة منطقه، وثقافته الشرعية والقانونية، وبقدرته على تحويل المناقشات البرلمانية إلى منابر للدفاع عن الشريعة، والهوية الإسلامية، والحريات العامة، واستقلال القضاء.
وظل الشيخ صلاح أبو إسماعيل طوال مسيرته مثالًا للعالم الذي جمع بين الدعوة والعمل العام، وبين الفقه والدستور، وبين المنبر والبرلمان، حتى رحل عام 1996، بعد أن ترك مدرسة متميزة في العمل الإسلامي والسياسي، وأثرًا عميقًا في مسيرة الحركة الإسلامية والحياة البرلمانية المصرية.
(3) التكوين العلمي والفكري
تكوّن الشيخ صلاح أبو إسماعيل عند تقاطع ثلاثة روافد رئيسية: الثقافة الشرعية، والتكوين القانوني، والخبرة المؤسسية والسياسية. وقد منحته هذه الروافد شخصية فكرية مختلفة عن كثير من أبناء جيله من الدعاة أو السياسيين.
فمن جهة، امتلك ثقافة شرعية جعلت الشريعة حاضرة في خطابه بوصفها مرجعية كلية للحياة العامة، لا مجرد أحكام جزئية. ومن جهة ثانية، أتاح له تكوينه القانوني فهم بنية الدولة الحديثة، وطبيعة الدستور، وآليات التشريع، وحدود السلطة، وأهمية الرقابة البرلمانية. ومن جهة ثالثة، منحته تجربته القريبة من الأزهر فهمًا عميقًا لدور المؤسسة الدينية في حماية الهوية وتوجيه المجتمع.
وقد تأثر بالمدرسة الإسلامية الإصلاحية التي رأت أن الإسلام ليس طقوسًا فردية فقط، بل مشروع لإصلاح المجتمع والدولة، وأن الشريعة قادرة على توجيه التشريع والسياسة والاقتصاد والأخلاق. لكنه لم يطرح هذه الرؤية في صيغة خطابية مجردة، بل حاول ترجمتها إلى لغة قانونية ودستورية يمكن طرحها داخل البرلمان.
ولذلك كان خطابه يجمع بين الفقه والقانون، وبين الدعوة والمعارضة، وبين الحجة الشرعية والحجة الدستورية. وكان يرى أن الدفاع عن الشريعة لا ينفصل عن الدفاع عن الدستور والحريات، لأن الشريعة في جوهرها تقوم على العدل وصيانة الحقوق ومنع الاستبداد.
كما أثرت البيئة المصرية في تكوينه؛ فقد عايش تحولات الدولة المركزية بعد ثورة يوليو، وصعود الخطاب القومي ثم عودة الحضور الإسلامي في السبعينيات، فكان واعيًا بأن المعركة ليست فقهية فقط، بل معركة هوية وتشريع ومجال عام.
(4) المشروع الدعوي
قام المشروع الدعوي للشيخ صلاح أبو إسماعيل على فكرة أن الدعوة لا ينبغي أن تبقى محصورة في المسجد أو الدرس، بل يجب أن تمتد إلى المجتمع والدولة ومؤسسات التشريع. فقد كان يرى أن تحكيم الشريعة لا يتحقق بالشعار وحده، وإنما ببناء وعي إسلامي عام، وتربية المجتمع على الاعتزاز بدينه، ثم تحويل هذه المرجعية إلى مطالب تشريعية وسياسية واضحة.
ولذلك جمع بين المنبر والعمل العام، فكان خطابه الدعوي متصلًا بقضايا الناس، لا منعزلًا عن همومهم. تحدث عن الهوية، والأسرة، والتعليم، والحريات، والعدالة، والفساد، واستقلال القضاء، بوصفها قضايا دينية ووطنية في آن واحد.
وكان يؤكد أن إصلاح المجتمع يسبق إصلاح السلطة، وأن بناء الوعي الإسلامي شرط لأي تغيير حقيقي. لكنه في الوقت نفسه لم يفصل إصلاح المجتمع عن إصلاح النظام السياسي والتشريعي، لأن القوانين والسياسات تصوغ حياة الناس وتؤثر في أخلاقهم وثقافتهم ومسارهم.
ومن هنا جاءت دعوته إلى تحكيم الشريعة مرتبطة ببناء الإنسان والمجتمع، لا بمجرد تغيير نصوص قانونية. فالشريعة عنده ليست عقوبات وحدودًا فقط، بل منظومة عدل ورحمة وحرية ومسؤولية، ومصدرًا لإصلاح الدولة والمجتمع معًا.
وقد جعلت هذه الرؤية منه داعية ذا حضور سياسي، وسياسيًا ذا روح دعوية، وهو ما يفسر قدرته على التأثير في قطاعات واسعة من التيار الإسلامي والجمهور المحافظ.
(5) المشروع السياسي
لم يكن المشروع السياسي للشيخ صلاح أبو إسماعيل قائمًا على القطيعة مع الدولة أو الصدام خارج مؤسساتها، بل على استخدام الوسائل الدستورية والقانونية المتاحة للدفاع عن الشريعة والحريات والهوية. ومن هنا اعتبر البرلمان ساحة مركزية للإصلاح، لا مجرد مؤسسة شكلية.
فقد رأى أن المعارضة الدستورية يمكن أن تكون أداة فعالة لكشف الخلل ومساءلة الحكومة والدفاع عن حقوق الناس. ولذلك استخدم أدوات العمل البرلماني من استجوابات ومداخلات ومناقشات تشريعية، وحوّلها إلى وسائل للدعوة والمحاسبة السياسية في وقت واحد.
وكان دفاعه عن الحريات واستقلال القضاء جزءًا أصيلًا من مشروعه، لأنه كان يدرك أن تطبيق الشريعة لا يمكن أن يتحقق في بيئة استبدادية أو في ظل تغييب العدالة. ومن هنا، ربط بين المرجعية الإسلامية وسيادة القانون، وبين الشريعة والدستور، وبين الإصلاح الديني والإصلاح السياسي.
كما اتسم مشروعه السياسي بالعمل السلمي المؤسسي، فلم يكن من دعاة العنف أو الانقلاب، بل من دعاة الحضور داخل المؤسسات، ومخاطبة الدولة من داخل نصوصها القانونية والدستورية. وهذا ما جعله نموذجًا مبكرًا للمعارضة الإسلامية البرلمانية التي تبحث عن التغيير من داخل النظام السياسي، مع الاحتفاظ بموقف نقدي واضح تجاه السلطة.
وقد استخدم الأدوات القانونية في الصراع السياسي بمهارة، فكان يدرك أن المعركة حول هوية الدولة لا تخاض بالخطابة وحدها، بل تخاض أيضًا في نصوص الدستور والقانون واللوائح والموازنات والسياسات العامة.
وبذلك قدم تجربة مهمة في الجمع بين الدعوة والمعارضة، وبين الفقه الدستوري والعمل السياسي، وبين الثبات على المرجعية الإسلامية والقدرة على استخدام أدوات الدولة الحديثة في الدفاع عنها.
(6) المفاهيم المركزية في خطابه
قام الخطاب الفكري والسياسي للشيخ صلاح أبو إسماعيل على مجموعة من المفاهيم التي شكّلت الإطار المرجعي لمواقفه داخل البرلمان وخارجه، وجعلت منه أحد أبرز ممثلي المدرسة الإسلامية الدستورية في مصر.
جاءت الشريعة الإسلامية في مقدمة هذه المفاهيم، إذ كان يعتبرها المرجعية العليا للتشريع والحياة العامة، ويرى أن الدستور والقوانين ينبغي أن تنطلق من أحكامها ومقاصدها، وأن تطبيقها يمثل ضمانة للعدل والاستقرار وحفظ هوية المجتمع، لا مجرد مطلب ديني لفئة من الناس.
وفي الوقت نفسه، أولى الدستور أهمية كبيرة، فلم ينظر إليه باعتباره وثيقة قانونية جامدة، وإنما عقدًا ينظم العلاقة بين الدولة والمجتمع، ويحدد اختصاصات السلطات، ويحفظ الحقوق والحريات. ولذلك كان من أكثر النواب استنادًا إلى النصوص الدستورية في مساءلة الحكومة والدفاع عن مواقفه.
كما كان يفرق بين الشرعية بمعناها القانوني، وبين الشرعية المستندة إلى رضا الأمة واحترام الدستور والشريعة معًا، مؤكدًا أن استقرار الدول لا يتحقق بالقوة وحدها، وإنما بسيادة القانون والعدالة واحترام الإرادة الشعبية.
واحتلت الحرية موقعًا متقدمًا في خطابه، حيث دافع عن حرية الرأي والعمل السياسي واستقلال القضاء وحرية الدعوة، معتبراً أن الحرية ليست نقيضًا للشريعة، وإنما إحدى ضماناتها الأساسية إذا اقترنت بالمسؤولية والالتزام الأخلاقي.
كما شكّلت العدالة محورًا دائمًا في مواقفه، سواء في نقد السياسات الاقتصادية، أو الدفاع عن حقوق الفقراء، أو مواجهة الفساد الإداري، أو المطالبة بالمساواة أمام القانون، انطلاقًا من فهمه للإسلام باعتباره دين العدل قبل كل شيء.
أما مفهوم الأمة، فقد ظل حاضرًا في خطابه باعتباره الإطار الحضاري الجامع للمسلمين، ولذلك لم يحصر اهتمامه في الشأن المصري وحده، بل ظل متابعًا لقضايا العالم الإسلامي، ومدافعًا عن فلسطين، ورافضًا لكل ما يضعف التضامن الإسلامي.
كما أولى الهوية الإسلامية عناية خاصة، ورأى أن الحفاظ عليها لا يكون بالشعارات، وإنما بصيانة التعليم والثقافة والتشريع والأسرة والإعلام من مظاهر التغريب والذوبان الثقافي.
وأخيرًا، أكد باستمرار على مسؤولية العلماء، معتبراً أن العالم الشرعي لا يجوز أن ينعزل عن قضايا مجتمعه، وأن البيان والنصيحة والرقابة على السلطة جزء من واجبه الشرعي، وأن صمت العلماء في أوقات الانحراف يفتح الباب أمام ضياع الأمة.
(7) الشيخ صلاح أبو إسماعيل وتحالفاته السياسية
لم يكن الشيخ صلاح أبو إسماعيل أسير الانتماء الحزبي أو العزلة السياسية، بل انتهج سياسة الانفتاح على مختلف القوى الوطنية والإسلامية كلما رأى في ذلك خدمةً لقضايا الأمة والدفاع عن الهوية الإسلامية والحريات العامة. فبنى علاقات تعاون وتحالف سياسي وانتخابي مع شخصيات واتجاهات متعددة داخل البرلمان وخارجه، وشارك في تنسيق المواقف حول القضايا الوطنية الكبرى، مع احتفاظه باستقلاله الفكري ومواقفه المبدئية. وقد جعل من الحوار والتنسيق وسيلة لتوسيع دائرة التأثير، مؤمنًا بأن القضايا الكبرى تحتاج إلى أوسع توافق وطني، دون التفريط في الثوابت أو المساومة على المبادئ. ولذلك مثّلت تحالفاته السياسية نموذجًا للعمل المشترك القائم على البرامج والقضايا، لا على المصالح أو المكاسب الآنية.
(8) صلاح أبو إسماعيل داخل البرلمان
مثّل البرلمان بالنسبة للشيخ صلاح أبو إسماعيل ساحة رئيسية للدعوة والإصلاح، ولم يتعامل معه باعتباره مؤسسة تشريعية فحسب، بل منبرًا عامًا للدفاع عن الإسلام والدستور والحريات، ولذلك تحولت جلساته البرلمانية إلى جزء أصيل من حضوره الدعوي والسياسي في الوعي المصري.
خاض خلال عضويته عددًا كبيرًا من المعارك البرلمانية التي تناولت قضايا التشريع، والحريات العامة، واستقلال القضاء، ومحاسبة الحكومة، ومواجهة الفساد، والدفاع عن الهوية الإسلامية، وكان من أكثر النواب نشاطًا في استخدام أدوات الرقابة البرلمانية والاستجوابات والمناقشات العامة.
وبرز بصورة خاصة في الدفاع عن تطبيق الشريعة الإسلامية، حيث جعلها قضية تشريعية ودستورية حاضرة باستمرار داخل المجلس، وطالب بمواءمة القوانين مع المادة الثانية من الدستور، معتمدًا في ذلك على خطاب يجمع بين الحجج الشرعية والدستورية والقانونية، ومؤكدًا أن الشريعة تمثل المرجعية العليا للتشريع في الدولة المصرية.
كما اتخذ موقفًا واضحًا من اتفاقيات كامب ديفيد، وعدّها تحولًا استراتيجيًا يمس مكانة مصر ودورها العربي والإسلامي، ووجّه تحت قبة البرلمان انتقادات حادة لسياسات التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، معتبرًا أن السلام لا يكون على حساب الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني أو على حساب استقلال القرار الوطني. وقد أسهمت هذه المواقف، إلى جانب معارضته المستمرة لسياسات السلطة، في توتر علاقته بالنظام، وكان من بين أعضاء مجلس الشعب الذين قام الرئيس أنور السادات بحل المجلس عام 1979، في خطوة استهدفت إبعاد الأصوات البرلمانية المعارضة التي رفضت توجهاته السياسية، وفي مقدمتها اتفاقيات كامب ديفيد.
كما مارس دورًا رقابيًا واضحًا تجاه الحكومة، فلم يتردد في مساءلة الوزراء وانتقاد السياسات التي رأى أنها تمس حقوق المواطنين أو تتعارض مع أحكام الدستور، وهو ما جعله أحد أبرز رموز المعارضة البرلمانية الإسلامية في تلك المرحلة.
واتسم أسلوبه الخطابي بالقوة والوضوح وسرعة البديهة، فكان يجمع بين البيان الشرعي واللغة القانونية، ويوظف النصوص الدستورية والآيات القرآنية والسوابق القانونية في خطاب واحد، الأمر الذي أكسبه احترام كثير من النواب، ورسخ حضوره داخل المجلس وخارجه بوصفه أحد أكثر المتحدثين تأثيرًا.
أما علاقته برئيس المجلس والحكومة، فقد اتسمت بالندية والاحترام المؤسسي، مع استمرار الخلاف السياسي في كثير من القضايا، إذ لم يكن من دعاة القطيعة مع مؤسسات الدولة، لكنه رفض التنازل عن حقه في المعارضة والمساءلة والنقد، وعدّ البرلمان ساحة للدفاع عن مصالح الأمة لا مجرد مؤسسة لإقرار سياسات السلطة.
ومن هنا، نجح الشيخ صلاح أبو إسماعيل في تحويل البرلمان إلى منبر للدعوة والإصلاح، وجعل من العمل النيابي وسيلة للدفاع عن الشريعة، والعدل، والحرية، وصيانة الهوية الإسلامية، مقدمًا نموذجًا فريدًا للداعية الذي جمع بين العلم الشرعي، والكفاءة القانونية، والفاعلية البرلمانية.
(9) المشروع التشريعي الإسلامي.. من الدعوة إلى التقنين
لم يتعامل الشيخ صلاح أبو إسماعيل مع عضويته في مجلس الشعب باعتبارها موقعًا للرقابة السياسية فحسب، بل نظر إليها بوصفها فرصة لتحويل المرجعية الإسلامية إلى تشريعات ومؤسسات وسياسات عامة. ولذلك لم يكتفِ بالدفاع الخطابي عن الشريعة الإسلامية، بل سعى إلى تقديم مشروع تشريعي متكامل يهدف إلى مواءمة القوانين المصرية مع أحكامها، انطلاقًا من المادة الثانية من الدستور التي تنص على أن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع.
وخلال مسيرته البرلمانية الممتدة بين عامي 1976 و1990، تقدم بعدد كبير من مشروعات القوانين التي عكست تصورًا متكاملًا للدولة والمجتمع، ولم تقتصر على جانب العقوبات أو الأحوال الشخصية كما كان يروج بعض خصوم المشروع الإسلامي. فقد شملت هذه المبادرات تقنين الحدود الشرعية في إطار قانوني منضبط، وإصلاح قوانين الأحوال الشخصية وفق أحكام الشريعة، وإعداد مشروعات لمنع التعامل بالربا مع تقديم بدائل مصرفية واقتصادية متوافقة مع الشريعة الإسلامية، قبل أن تصبح المصارف الإسلامية ظاهرة واسعة في العالم العربي والإسلامي.
وامتدت رؤيته التشريعية إلى المجال الثقافي والإعلامي، حيث دعا إلى توجيه وسائل الإعلام لتكون أداة لترسيخ القيم الدينية والأخلاقية وحماية الهوية الثقافية للمجتمع، كما طرح مشروعات لتنظيم الحياة العامة بما يعزز الفضيلة ويحافظ على النظام العام، إلى جانب اهتمامه بالقضايا الاجتماعية والإنسانية، ومن بينها إعداد مشروعات خاصة برعاية ذوي الإعاقة، وضمان حقوقهم في التعليم والعمل والرعاية الاجتماعية.
وتكشف هذه المشروعات أن الشيخ صلاح أبو إسماعيل لم يكن ينظر إلى تطبيق الشريعة باعتباره مجرد شعار سياسي، بل باعتباره برنامجًا تشريعيًا وإصلاحيًا متكاملًا، يسعى إلى إعادة صياغة المنظومة القانونية والاقتصادية والاجتماعية للدولة في إطار المرجعية الإسلامية، مع الاستفادة من الأدوات الدستورية والبرلمانية لتحقيق ذلك. ولذلك تمثل تجربته واحدة من أوائل المحاولات الجادة لتقديم تصور تشريعي متكامل للمشروع الإسلامي داخل البرلمان المصري، وهو ما منح حضوره البرلماني بعدًا يتجاوز المعارضة السياسية إلى بناء بدائل قانونية ومؤسسية قابلة للنقاش والتشريع.
لقد شكّل الدفاع عن الشريعة الإسلامية المحور الرئيس في المشروع الفكري والسياسي للشيخ صلاح أبو إسماعيل، وقد سعى إلى تحويل هذا المبدأ من شعار عام إلى قضية دستورية وتشريعية حاضرة في النقاش العام.
وقد احتلت المادة الثانية من الدستور موقعًا محوريًا في خطابه، إذ رأى أن النص على مبادئ الشريعة الإسلامية مصدرًا رئيسيًا للتشريع يجب أن ينعكس بصورة عملية في القوانين والمؤسسات، لا أن يبقى نصًا معطلًا أو رمزيًا. وانطلاقًا من ذلك، دعا إلى مراجعة التشريعات القائمة بما يحقق التوافق مع الشريعة الإسلامية، مؤكدًا أن الإصلاح التشريعي ينبغي أن يتم عبر المؤسسات الدستورية وبالوسائل القانونية.
كما ركز على قضية المرجعية الإسلامية، معتبرًا أن الشريعة تمثل الإطار القيمي والحضاري الذي يحفظ هوية المجتمع، ويحقق التوازن بين الحقوق والواجبات، وبين الحرية والمسؤولية، وبين الفرد والمجتمع. وفي هذا السياق، رفض الفصل المصطنع بين القانون والشريعة، ورأى أن القانون الحديث يمكن أن يستوعب أحكام الشريعة ومقاصدها، وأن المشكلة ليست في تعارضهما، وإنما في الإرادة السياسية والفكرية التي تصوغ التشريعات.
ولذلك، كان من أبرز الأصوات التي واجهت التغريب القانوني، محذرًا من استيراد التشريعات والنظم القانونية دون مراعاة المرجعية الإسلامية والخصوصية الحضارية للمجتمع المصري، مع تأكيده أن التطوير القانوني ينبغي أن يتم في إطار الهوية الوطنية والإسلامية.
(10) علاقته بالحركات الإسلامية
احتفظ الشيخ صلاح أبو إسماعيل بعلاقات واسعة مع مختلف التيارات الإسلامية، لكنه ظل محافظًا على استقلاليته الفكرية والتنظيمية، فلم يرتبط تنظيميًا بأي حركة، رغم قربه من كثير من رموزها، وهو ما منحه مساحة للحركة والتواصل مع أطراف متعددة داخل الساحة الإسلامية.
كانت علاقته بجماعة الإخوان المسلمين علاقة تعاون واحترام متبادل، خاصة في القضايا المتعلقة بالشريعة والحريات والدفاع عن الهوية الإسلامية، دون أن يكون جزءًا من البناء التنظيمي للجماعة، وقد احتفظ دائمًا بمسافة تتيح له التعبير عن آرائه المستقلة.
كما ارتبط بعلاقات وثيقة مع عدد كبير من الدعاة والعلماء ورموز الصحوة الإسلامية، وأسهم في تقريب المسافات بين التيارات المختلفة، وكان يُنظر إليه باعتباره شخصية جامعة أكثر من كونه ممثلًا لاتجاه تنظيمي بعينه.
ومن أبرز المحطات التي عكست حضوره داخل الحركة الإسلامية شهادته أمام المحكمة في قضية تنظيم الجهاد، حيث أدلى بشهادة قانونية وشرعية أثارت اهتمامًا واسعًا، وعكست حرصه على التمييز بين الاختلاف الفكري والعدالة القانونية، والدفاع عن ضمانات المحاكمة العادلة، مع احتفاظه بموقفه المستقل عن أطروحات التنظيمات التي ترافع عنها.
وقد ساعدت هذه الاستقلالية على أن يحتفظ بمكانة خاصة داخل الحركة الإسلامية المصرية، فلم يكن محسوبًا بالكامل على مدرسة بعينها، وإنما عُدّ أحد أبرز الأصوات الإسلامية الوطنية التي جمعت بين الفقه والدستور والعمل السياسي والدعوي.
(11) علاقته بالأنظمة السياسية
اتسمت علاقة الشيخ صلاح أبو إسماعيل بالسلطات السياسية بالتوازن بين المعارضة المبدئية واحترام مؤسسات الدولة، فلم يكن من دعاة الصدام المفتوح، كما لم يكن من أنصار التبعية أو المسايرة.
في عهد جمال عبد الناصر، تأثر كسائر أبناء التيار الإسلامي بحالة التضييق التي تعرضت لها الحركة الإسلامية، كما تعرض للاعتقال، برغم أنه لم يكن في الصفوف الأولى آنذاك، وانشغل في تلك المرحلة ببناء نفسه علميًا ودعويًا.
أما في عهد الرئيس أنور السادات، فقد اتسعت مساحة العمل الإسلامي، فبرز اسمه دعوياً وسياسيًا وبرلمانيًا، وأصبح من أبرز الأصوات الإسلامية داخل الحياة العامة. وقد أيد بعض سياسات الانفتاح تجاه العمل الإسلامي، لكنه عارض بقوة السياسات التي رأى أنها تمس الشريعة أو السيادة الوطنية، وفي مقدمتها اتفاقية كامب ديفيد وما ترتب عليها من تحولات استراتيجية.
وفي عهد الرئيس حسني مبارك، واصل دوره المعارض داخل البرلمان وخارجه، مدافعًا عن الحريات، ورافضًا التوسع في القيود السياسية، ومطالبًا بإصلاحات دستورية وتشريعية، مع استمرار التزامه بالعمل الدعوي والسياسي والمؤسسي.
وقد أدرك حدود المعارضة وحدود التوافق، فلم يسع إلى إسقاط مؤسسات الدولة، وإنما إلى إصلاحها من الداخل، مع المحافظة على استقلاله الكامل عن السلطة، وعدم تقديم تنازلات تمس قناعاته الفكرية والسياسية.
ومن هنا، قامت رؤيته للعلاقة بين السلطة والدولة على التمييز بين معارضة السياسات الخاطئة، والحفاظ على الدولة ومؤسساتها، وهو ما جعل خطابه يجمع بين الصلابة في المبادئ، والالتزام بقواعد العمل السياسي والدستوري.
(12) أهم كتاباته وإنتاجه الفكري
رغم أن الشيخ صلاح أبو إسماعيل لم يكن من أصحاب المشاريع الموسوعية في التأليف، فإن إنتاجه الفكري ترك أثرًا ملحوظًا، لأنه ارتبط مباشرة بقضايا المجتمع والدولة والعمل الإسلامي.
شمل إنتاجه عددًا من المقالات السياسية والفكرية التي تناولت قضايا الشريعة والدستور والحريات والهوية الإسلامية، إضافة إلى مقالات دورية عالجت قضايا الواقع المصري والعربي من منظور إسلامي.
كما ترك عددًا من الكتب التي دافعت عن المرجعية الإسلامية، وناقشت قضايا التشريع والعمل السياسي والعلاقة بين الإسلام والدولة.
وشكّلت محاضراته وخطبه العامة أحد أهم روافد تأثيره، حيث امتاز بأسلوب يجمع بين البيان الشرعي والتحليل السياسي واللغة القانونية، واستطاع من خلالها الوصول إلى جمهور واسع من الإسلاميين والمثقفين.
أما المرافعات القانونية التي قدمها في عدد من القضايا، فقد عكست تمكنه من أدوات القانون والدستور، وربطها بالمرجعية الإسلامية، وهو ما أكسبه احترامًا حتى لدى خصومه.
وتظل الخطب والمداخلات البرلمانية أبرز ما تركه من تراث سياسي، لأنها تمثل سجلًا حيًا لمواقفه في الدفاع عن الشريعة والحريات والعدالة، ولطريقته في الجمع بين الخطاب الإسلامي والعمل المؤسسي، حتى أصبح اسمه مرتبطًا بواحدة من أكثر التجارب البرلمانية الإسلامية حضورًا وتأثيرًا في التاريخ السياسي المصري الحديث.
(13) سمات شخصيته
تميّز الشيخ صلاح أبو إسماعيل بشخصية قيادية جمعت بين العالم والداعية والسياسي، وهو ما منحه حضورًا استثنائيًا داخل البرلمان وخارجه. فقد عُرف أولًا بجرأته في مواجهة السلطة، فلم يكن يتردد في إعلان مواقفه أو توجيه النقد المباشر للحكومة، معتمدًا على قناعته بأن العالم والداعية مسؤول عن بيان الحق والدفاع عن مصالح الأمة.
كما اشتهر ببلاغته العالية، إذ امتلك قدرة لافتة على الجمع بين البيان العربي، والاستدلال الشرعي، فجاءت مداخلاته البرلمانية وخطبه الدعوية قوية السبك، واضحة الفكرة، مؤثرة في الجمهور.
وساعده ذلك على بناء حضور جماهيري واسع، فلم يكن تأثيره مقصورًا على النواب أو النخبة السياسية، بل امتد إلى قطاعات كبيرة من الجمهور، خاصة بين أبناء الصحوة الإسلامية والطبقة الوسطى.
واتسم كذلك بالثقة الكبيرة بالنفس، فكان حاضر الذهن في المناظرات، ثابتًا في الدفاع عن آرائه، لا يتردد في مواجهة كبار المسؤولين أو أشهر القانونيين تحت قبة البرلمان.
ومن أبرز خصائصه سرعة البديهة، فقد امتلك قدرة على الرد الفوري، وتوظيف النصوص الدستورية والشرعية في اللحظة المناسبة، وهو ما أكسبه احترام أنصاره وخصومه على السواء.
كما عُرف باعتزازه بالشريعة الإسلامية، فلم يتعامل معها باعتبارها مجرد قضية فكرية، وإنما باعتبارها أساسًا لإصلاح الدولة والمجتمع، وظلت المرجعية الإسلامية هي البوصلة التي وجهت مواقفه السياسية والقانونية.
وفي الوقت نفسه، حافظ على استقلاليته الفكرية والسياسية، فلم يكن تابعًا لتنظيم بعينه، ولا أسيرًا لحسابات السلطة أو المعارضة، بل ظل يعبر عن اجتهاده الخاص، الأمر الذي أكسبه مكانة متميزة داخل التيار الإسلامي المصري.
(14) تأثيره في المجتمع المصري
ترك الشيخ صلاح أبو إسماعيل أثرًا واضحًا في الحياة الفكرية والسياسية المصرية، تجاوز حدود البرلمان إلى قطاعات واسعة من المجتمع.
فقد كان له تأثير كبير في التيار الإسلامي، حيث مثّل نموذجًا للداعية الذي يخوض العمل السياسي دون أن يتخلى عن مرجعيته الشرعية، وأسهم في ترسيخ فكرة المشاركة السياسية والحزبية المؤسسية والعمل الدستوري داخل أوساط واسعة من الإسلاميين.
كما أحدث حضورًا مميزًا داخل الحياة البرلمانية، إذ أعاد الاعتبار لدور النائب في الرقابة والتشريع والدفاع عن المبادئ، وجعل من البرلمان ساحة حقيقية للنقاش حول الشريعة والحريات والعدالة.
وامتد تأثيره إلى الشباب الإسلامي، الذين وجدوا فيه نموذجًا يجمع بين الجرأة والعلم والثقافة السياسية، وبين الالتزام الإسلامي والعمل الوطني، وهو ما جعل خطبه ومحاضراته تحظى بانتشار واسع.
وكان له كذلك أثر ملموس في الحركة الدعوية، من خلال تأكيده أن الدعوة لا تنفصل عن قضايا المجتمع والدولة، وأن العالم المسلم ينبغي أن يكون حاضرًا في المجال العام، مشاركًا في الدفاع عن الحقوق والهوية.
كما أسهم حضوره الإعلامي والجماهيري في توسيع دائرة تأثيره، إذ تحولت مداخلاته البرلمانية وخطبه إلى مادة يتابعها الرأي العام، وأصبح أحد أكثر الوجوه الإسلامية حضورًا في النقاشات السياسية خلال تلك المرحلة.
(15) المقارنة بين صلاح أبو إسماعيل ونجله حازم أبو إسماعيل
يمثل الشيخ صلاح أبو إسماعيل ونجله الشيخ حازم صلاح أبو إسماعيل مدرسة واحدة في المرجعية الإسلامية، لكنهما تنتميان إلى مرحلتين تاريخيتين مختلفتين، انعكس اختلافهما على أدوات العمل السياسي وأولوياته.
فقد اشترك الاثنان في وحدة المرجعية، والإيمان بمركزية الشريعة الإسلامية، والدفاع عن الهوية، ورفض التبعية، غير أن اختلاف السياق السياسي جعل لكل منهما أسلوبًا مختلفًا في إدارة العمل العام.
كان الأب رجل المؤسسات، يؤمن بإمكان الإصلاح من داخل البرلمان والدستور والقانون، ويرى أن التغيير يحتاج إلى عمل مؤسسي طويل النفس، وإلى تراكم سياسي وتشريعي.
أما الابن، فقد تشكل وعيه في مرحلة الانسداد السياسي التي سبقت ثورة يناير، ثم برز خلال المرحلة الثورية، فأصبح أحد أبرز رموز الحشد الشعبي والتعبئة الجماهيرية، معتمدًا على الخطاب المباشر والحضور الميداني.
وبذلك مثّل الأب مدرسة البرلمان والمؤسسات، بينما مثّل الابن مدرسة الشارع والحراك الجماهيري، دون أن يعني ذلك اختلافًا جذريًا في المرجعية الفكرية.
كما كان الأب أقرب إلى الإصلاح الدستوري والقانوني فضلا عن الدعوي، بينما اتجه الابن بصورة أكبر إلى الخطاب الجماهيري والحشد السياسي، بما فرضته طبيعة المرحلة التي عاشها كل منهما.
ومع ذلك، ظل الرابط الأساسي بين التجربتين هو الدفاع عن المرجعية الإسلامية والهوية الوطنية، وإن اختلفت الوسائل وأدوات العمل السياسي.
وقد ترك كل واحد منهما أثرًا خاصًا في الحركة الإسلامية؛ فالأب أسهم في ترسيخ العمل البرلماني الإسلامي، بينما أصبح الابن أحد أبرز رموز الحراك الثوري والسياسي والجماهيري الإسلامي خلال الربع الأول من القرن الحادي والعشرين.
(16) النقد والتقييم
أثارت تجربة الشيخ صلاح أبو إسماعيل نقاشًا واسعًا داخل الأوساط السياسية والإسلامية، باعتبارها واحدة من أوائل التجارب التي حاولت الجمع بين الدعوة والعمل البرلماني في مصر.
فقد رأى بعض منتقديه أن خطابه السياسي اتسم أحيانًا بالحِدة والاندفاع، وأنه كان يميل إلى المواجهة المباشرة مع السلطة، وهو ما قلّل من فرص بناء توافقات سياسية أوسع.
كما وُجهت إليه انتقادات تتعلق بالمبالغة في التركيز على قضية الشريعة مقارنة ببعض الملفات الاقتصادية والاجتماعية، بينما رأى أنصاره أن الشريعة تمثل الإطار المرجعي الذي تنبثق منه جميع السياسات العامة وتبنى عليها الحقوق كافة.
وأثير كذلك تساؤل حول حدود نجاح المعارضة البرلمانية في ظل بيئة سياسية تهيمن عليها السلطة التنفيذية، وهل كان العمل من داخل البرلمان قادرًا وحده على تحقيق الإصلاح المنشود.
ومع ذلك، يتفق معظم الباحثين على أن تجربته كانت من أنجح التجارب الإسلامية في توظيف الأدوات الدستورية والقانونية للدفاع عن المبادئ، وأنها أسهمت في ترسيخ ثقافة المعارضة البرلمانية الإسلامية.
ولهذا، يحتل الشيخ صلاح أبو إسماعيل مكانة بارزة في تاريخ الإسلام السياسي المصري، بوصفه أحد أبرز من جمعوا بين المرجعية الشرعية، والثقافة القانونية، والعمل السياسي و المؤسسي.
(17) القراءة الاستراتيجية
تكشف تجربة الشيخ صلاح أبو إسماعيل أن أحد أهم إسهاماته تمثل في إدخال العمل البرلماني إلى قلب المشروع الإسلامي، وإثبات أن المؤسسات الدستورية يمكن أن تتحول إلى أدوات فعالة للدفاع عن الهوية والشريعة والحريات.
كما أبرزت تجربته أهمية الجمع بين الدعوة والعمل المؤسسي، بحيث لا ينفصل الخطاب الإسلامي عن الواقع السياسي، ولا يتحول العمل السياسي إلى ممارسة منفصلة عن المرجعية الأخلاقية والدينية.
وأكدت كذلك أن البرلمان ليس مجرد مؤسسة تشريعية، بل ساحة لتشكيل الرأي العام، والدفاع عن الحقوق، وإعادة طرح القضايا الكبرى أمام المجتمع.
وأعادت الاعتبار إلى دور العلماء والدعاة في المجال العام، باعتبارهم شركاء في صناعة الوعي، وفي توجيه المجتمع، وفي الدفاع عن الثوابت الوطنية والحضارية.
كما أظهرت أهمية التكامل بين الفقه والسياسة، وأن نجاح العمل الإسلامي يتطلب قيادات تمتلك تكوينًا شرعيًا، وثقافة قانونية، وخبرة مؤسسية، وقدرة على مخاطبة الدولة والمجتمع بلغة واحدة.
وتبقى أبرز دروس تجربته أن الإصلاح طويل المدى يحتاج إلى بناء المؤسسات، وإعداد الكفاءات، وترسيخ الثقافة الدستورية، إلى جانب الثبات على المبادئ وحسن إدارة الاختلاف.
(18) الخلاصات العامة
يُعد الشيخ صلاح أبو إسماعيل أحد أبرز رواد الفكر السياسي الإسلامي والعمل البرلماني في مصر خلال القرن العشرين، وقد أسهم في بناء نموذج يجمع بين الفقيه، والداعية، والسياسي، ورجل القانون.
كما قدم نموذجًا للداعية الذي لم يكتف بالتعليم والوعظ، وإنما انتقل إلى المجال العام، وجعل من البرلمان منبرًا للدفاع عن الشريعة والحريات والعدالة.
وأعاد الاعتبار إلى المؤسسة البرلمانية باعتبارها إحدى ساحات الإصلاح، وأثبت أن العمل المؤسسي يمكن أن يكون جزءًا أصيلًا من المشروع الإسلامي.
وفي الوقت نفسه، حافظ على استقلاليته الفكرية، فلم يذب في السلطة، ولم يتحول إلى تابع لتنظيم، وإنما بقي صاحب اجتهاد خاص ومدرسة مستقلة داخل التيار الإسلامي المصري.
ولهذا، فإن أثره لا يقتصر على المرحلة التي عاشها، بل يمتد إلى مسار تطور الفكر السياسي الإسلامي، وإلى النقاش المتواصل حول العلاقة بين الشريعة والدستور، وبين الدعوة والدولة، وبين المرجعية الإسلامية والعمل المؤسسي.
(19) توصيات مركز حريات
(1) إعادة إحياء تراث الشيخ صلاح أبو إسماعيل بجمع خطبه، ومحاضراته، ومداخلاته البرلمانية، ومقالاته، ومرافعاته القانونية، وإصدارها في موسوعة علمية موثقة.
(2) توثيق التجربة البرلمانية الإسلامية في مصر، وإبراز إسهامها في الدفاع عن الحريات، والهوية الإسلامية، والعمل الدستوري.
(3) تشجيع الدراسات المقارنة بين المدارس المختلفة في العمل السياسي الإسلامي، لاستخلاص عناصر القوة والقصور وتطوير التجربة.
(4) إعداد برامج متخصصة لتأهيل قيادات تجمع بين التكوين الشرعي، والثقافة القانونية، والخبرة السياسية والمؤسسية.
(5) الإفادة من تجربة الشيخ صلاح أبو إسماعيل في ترسيخ ثقافة المعارضة الدستورية السلمية، وتفعيل المؤسسات العامة لخدمة المجتمع.
(6) إبراز دور العلماء والدعاة في المجال العام باعتبارهم شركاء في بناء الوعي، وصيانة الهوية، وترسيخ قيم الحرية والعدالة، مع الحفاظ على استقلالهم العلمي والأخلاقي.
(7) دعم الدراسات التي تبحث في العلاقة بين الشريعة والدستور، وبين المرجعية الإسلامية والدولة الحديثة، في ضوء التجربة المصرية.
(8) تطوير الخطاب السياسي الإسلامي بحيث يجمع بين الثبات على المبادئ، والكفاءة المؤسسية، والقدرة على مخاطبة مختلف مكونات المجتمع والدولة.
(9) العناية بدراسة الشخصيات التي جمعت بين الدعوة والسياسة والقانون، بوصفها نماذج رائدة في تطور الفكر الإسلامي المعاصر.
(10) التأكيد على أن بناء الوعي، وإعداد القيادات، وتفعيل المؤسسات الدستورية، تمثل ركائز أساسية لأي مشروع إصلاحي يسعى إلى ترسيخ الحرية، والعدالة، والهوية، وسيادة القانون في إطار الدولة والمجتمع.



