أوراق بحثيةدراساتمن أرشيف الثورة

من الرصاص إلى التعذيب – أخطر الانتهاكات التي وثقتها الدولة في مواجهة ثورة يناير

🟦🟦 “من الرصاص إلى التعذيب – أخطر الانتهاكات التي وثقتها الدولة في مواجهة ثورة يناير”

🟦 قراءة تحليلية في شهادات الضحايا والشهود من واقع تقرير لجنة تقصي الحقائق

🟦 دراسة حقوقية – أمنية – سياسية – قانونية – استراتيجية

🟦 ضمن سلسلة معركة توثيق ثورة يناير واستعادة الذاكرة الوطنية

🟦 مركز حريات للدراسات السياسية والاستراتيجية – 2026

ـــــــــ

🔵 الملخص

لا يهدف هذا الإصدار إلى إعادة سرد الانتهاكات التي شهدتها ثورة الخامس والعشرين من يناير، وإنما إلى قراءتها بوصفها ظاهرة سياسية وأمنية ومؤسسية، اعتمادًا على ما وثقته لجنة جمع المعلومات والأدلة وتقصي الحقائق من شهادات الضحايا، وأقوال الشهود، وتقارير الطب الشرعي، والوثائق الرسمية، والمعاينات الميدانية، والأدلة الفنية. وينطلق من فرضية أن فهم طبيعة الانتهاكات لا يتحقق بدراسة كل واقعة على حدة، بل من خلال قراءة الصورة الكلية التي تكشفها آلاف الوقائع عندما تُجمع في إطار واحد.

ويستعرض الإصدار أنماط الانتهاكات التي وثقها التقرير، بما يشمل استخدام القوة المميتة، والاستهداف المتكرر للرأس والعينين، والاعتداء على الجرحى والمصابين، والاعتقال التعسفي، والتعذيب وسوء المعاملة، والانتهاكات التي تعرضت لها النساء، والصحفيون، والطواقم الطبية، إلى جانب دور المجموعات غير النظامية، والإعلام، وآليات التغطية على الوقائع، مع تحليل المسؤولية القانونية والمؤسسية لهذه الانتهاكات.

كما يسعى إلى تجاوز الوصف القانوني للوقائع، ليطرح سؤالًا أكثر عمقًا: هل تكشف هذه الانتهاكات عن تجاوزات فردية متفرقة، أم عن أنماط متكررة تسمح بدراستها بوصفها جزءًا من أسلوب مواجهة الدولة العميقة للثورة؟ ويجيب عن هذا السؤال من خلال تحليل تكرار الوقائع، وتشابه الإصابات، ووحدة أساليب التعامل، والانتشار الجغرافي، وربط ذلك بالقراءة المقارنة لتجارب الثورات العربية، وباستخلاص مجموعة من القوانين الاستراتيجية المتعلقة بالعلاقة بين القمع، والشرعية، والثورات، والعدالة الانتقالية.

وينتهي الإصدار إلى أن تقرير لجنة تقصي الحقائق لا يمثل مجرد سجل تاريخي للانتهاكات، بل يعد أكبر أرشيف رسمي يوثق العلاقة بين السلطة واستخدام القوة خلال أخطر أزمة سياسية شهدتها مصر الحديثة. ومن ثم، فإن حفظ هذا التقرير، ودراسة ما تضمنه من شهادات ووثائق، لا يقتصر على توثيق الماضي، بل يمثل شرطًا أساسيًا لفهم الثورة، وصيانة الذاكرة الوطنية، وبناء دولة القانون، ومنع تكرار الانتهاكات في المستقبل.

🔵 المقدمة

لا تُختزل الثورات في لحظة اندلاعها، ولا في سقوط الأنظمة التي تواجهها، وإنما تُقاس أيضًا بالطريقة التي تختار بها الدولة التعامل مع مواطنيها عندما تتحول الأزمة السياسية إلى مواجهة في الشارع. ففي تلك اللحظات الحرجة تتكشف طبيعة مؤسسات الدولة، وحدود التزامها بالقانون، ومدى احترامها للحقوق والحريات، كما تظهر الفوارق بين الدولة التي تدير الاحتجاج باعتباره حقًا دستوريًا، والدولة التي تنظر إليه باعتباره تهديدًا وجوديًا ينبغي القضاء عليه مهما كانت الكلفة.

ومن بين جميع الوثائق التي تناولت ثورة الخامس والعشرين من يناير، يكتسب تقرير لجنة جمع المعلومات والأدلة وتقصي الحقائق مكانة استثنائية؛ لأنه لا يكتفي بسرد الوقائع أو تسجيل أعداد الضحايا، بل يقدم مادة تحقيقية واسعة تستند إلى آلاف الوثائق الرسمية، وشهادات المصابين، وأسر الشهداء، وشهود العيان، والضباط، والأطباء، وتقارير الطب الشرعي، والمعاينات الفنية، والصور والتسجيلات، بما يجعله أقرب إلى إعادة بناء كاملة لما جرى على الأرض.

وقد شُكلت اللجنة بموجب قرار الدكتور محمد مرسي رئيس الجمهورية رقم (10) لسنة 2012، ثم أُعيد تشكيلها وتوسيع اختصاصاتها بالقرار الجمهوري رقم (12) لسنة 2012 الصادر في 8 يوليو 2012، لتتولى جمع الأدلة المتعلقة بوقائع قتل وإصابة المتظاهرين، والتحقيق في المسؤوليات السياسية والأمنية والإدارية، ومراجعة أداء مؤسسات الدولة طوال الثورة والمرحلة الانتقالية.

وترأس اللجنة المستشار محمد عزت علي شرباش، وأمينها العام الوزير عمر مروان، الذي يشغل حاليا منصب مدير مكتب رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي، وضمّت نخبة من القضاة والخبراء القانونيين والأمنيين والإداريين، إلى جانب ممثلين عن النيابة العامة ووزارة الداخلية والمخابرات العامة، كما شارك في أعمالها ممثلون عن أسر الشهداء والمصابين وشباب الثورة بصفة مراقبين. وامتدت تحقيقاتها لتغطي الفترة من 25 يناير 2011 حتى 30 يونيو 2012، واعتمدت على آلاف الوثائق الرسمية، وأوامر التشغيل، وسجلات الاتصالات، وتقارير الطب الشرعي، والمعاينات الميدانية، والخرائط، والتسجيلات المصورة، وشهادات القيادات الأمنية والعسكرية، والشهود، والمصابين، وأسر الضحايا، وهو ما جعل تقريرها أكبر قاعدة معلومات رسمية عن الثورة المصرية.

وتبرز أهمية هذا التقرير في أنه يسمح بالانتقال من دراسة كل حادثة منفردة إلى قراءة الصورة الكلية. فعندما تُقرأ مئات الوقائع مجتمعة، يظهر قدر كبير من التشابه في أنماط استخدام القوة، ومواضع الإصابات، وأساليب القبض والاحتجاز، وطريقة التعامل مع المصابين، وتكرار الانتهاكات في محافظات مختلفة وفي توقيتات متقاربة، الأمر الذي يفتح الباب أمام سؤال يتجاوز المسؤولية الفردية إلى دراسة طبيعة السياسات التي حكمت إدارة الدولة في حينها.

ولا يهدف هذا الإصدار إلى إصدار أحكام قانونية جديدة، ولا إلى إعادة التحقيق فيما انتهت إليه اللجنة، وإنما يسعى إلى قراءة الانتهاكات بوصفها ظاهرة مؤسسية يمكن تحليلها واستخلاص دلالاتها السياسية والأمنية والاستراتيجية. فالقضية ليست عدد الضحايا وحده، بل طبيعة القرارات التي أفضت إلى سقوطهم، وحجم الإصابات، فضلا عما تكشفه من أنماط متكررة في استخدام القوة، وحالات الاعتقال أو الاعتداء المنفصلة، والعلاقة بينها وبين فلسفة إدارة الدولة للمواجهة.

ومن هنا ينطلق هذا الإصدار من سؤال محوري هل كانت الانتهاكات التي وثقها التقرير مجرد تجاوزات فردية ارتكبها بعض أفراد الأجهزة الأمنية في ظروف استثنائية، أم أنها تعكس نمطًا مؤسسيًا في مواجهة الثورة، اتسم بالتكرار والتزامن وتشابه الأساليب، بما يسمح بدراستها بوصفها سياسة عامة لا مجرد وقائع متفرقة؟

إن الإجابة عن هذا السؤال لا تساعد فقط على فهم ما جرى خلال ثورة يناير، بل تمثل أيضًا مدخلًا أساسيًا لدراسة العلاقة بين السلطة، واستخدام القوة، وسيادة القانون، والعدالة الانتقالية، وهي قضايا تتجاوز الحالة المصرية لتصبح جزءًا من الخبرة الإنسانية في إدارة التحولات السياسية الكبرى.

🔵 كيف وثّقت اللجنة الانتهاكات؟

تكمن القيمة الاستثنائية لتقرير لجنة جمع المعلومات والأدلة وتقصي الحقائق في أنه لم يعتمد على مصدر واحد لإثبات الوقائع، بل انتهج منهجًا تحقيقيًا يقوم على تقاطع الأدلة، بحيث لا تُبنى الحقيقة على شهادة منفردة، وإنما على توافق عدد كبير من المصادر المستقلة. وقد منح هذا المنهج التقرير درجة عالية من الموثوقية، وجعله أقرب إلى قاعدة بيانات وطنية شاملة حول الانتهاكات التي صاحبت الثورة.

بدأت اللجنة بجمع شهادات المصابين، التي مثلت المصدر الأول لفهم كيفية وقوع الانتهاكات، وأنواع الأسلحة المستخدمة، وأماكن الإصابات، وتسلسل الأحداث. ولم تتعامل اللجنة مع هذه الشهادات باعتبارها روايات شخصية فحسب، بل قارنتها بالوثائق الطبية وتقارير الطب الشرعي والمعاينات الميدانية، للتحقق من دقتها ومدى اتساقها مع الأدلة الأخرى.

كما استمعت اللجنة إلى أسر الشهداء، التي قدمت معلومات مهمة عن ظروف استشهاد ذويهم، ومسار نقلهم إلى المستشفيات، والإجراءات التي أعقبت الوفاة، بما ساعد على استكمال الصورة الزمنية للوقائع.

واعتمدت كذلك على شهادات شهود العيان، الذين تابعوا الأحداث من مواقع مختلفة، وأسهمت رواياتهم في تفسير كثير من التفاصيل التي لم يكن في مقدور المصابين أو الضباط الإحاطة بها منفردين، مثل اتجاهات إطلاق النار، وتحركات القوات، وتطور الاشتباكات.

ولم تقتصر اللجنة على شهادات المدنيين، بل استمعت أيضًا إلى عدد من الضباط والقيادات الأمنية، وهو ما أتاح الاطلاع على الرواية الرسمية، وفهم طبيعة الخطط الأمنية، وآليات القيادة والسيطرة، والأوامر التي صدرت أثناء إدارة الأزمة، الأمر الذي مكّنها من مقارنة الروايات المختلفة واكتشاف مناطق الاتفاق والاختلاف بينها.

واعتمد التقرير بدرجة كبيرة على تقارير الطب الشرعي، التي مثلت أكثر الأدلة العلمية حيادًا، إذ حددت أسباب الوفاة، ومواضع الإصابات، واتجاهات المقذوفات، وأنواع الذخائر، بما وفر أساسًا موضوعيًا للتحليل القانوني والفني.

كما استعانت اللجنة بالتقارير الطبية، والمعاينات الميدانية، والصور، ومقاطع الفيديو، والخرائط، والأدلة الفنية، وربطت بينها جميعًا لإعادة بناء الوقائع دقيقة بدقيقة، وهو ما منح التقرير قوة استثنائية في توثيق الأحداث.

وتكشف طريقة عمل اللجنة أن الحقيقة لم تُستخلص من مصدر واحد، بل من شبكة متكاملة من الأدلة، بحيث أصبح كل دليل يراجع الآخر ويكمله. وهذا المنهج لا يرفع فقط من القيمة القانونية للتقرير، بل يمنحه أيضًا قيمة بحثية واستراتيجية كبيرة، لأنه يسمح بتحليل الانتهاكات بوصفها أنماطًا متكررة، لا مجرد حوادث منفصلة. ومن هنا، فإن أهمية التقرير لا تكمن في حجم المعلومات التي جمعها فقط، بل في المنهج الذي اتبعه في بناء الحقيقة، وهو منهج يجعل منه أهم وثيقة رسمية لدراسة ثورة يناير والانتهاكات التي صاحبتها.

🔵 القتل واستخدام القوة المميتة

يكشف تقرير لجنة جمع المعلومات والأدلة وتقصي الحقائق أن أخطر ما شهدته ثورة يناير لم يكن مجرد سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، وإنما طبيعة القوة التي استُخدمت في مواجهة متظاهرين مدنيين، وأنماط استخدامها، وتكرارها في مواقع جغرافية مختلفة، خلال مدد زمنية متقاربة. وعند قراءة الوقائع بصورة كلية، يتبين أن التقرير لا يوثق حوادث قتل متفرقة، بل يقدم مادة واسعة تسمح بتحليل فلسفة استخدام القوة المميتة أثناء إدارة الأزمة.

وتظهر الأدلة الواردة في التقرير أن الرصاص الحي استُخدم في عدد من مواقع المواجهة، وأن الإصابات الناتجة عنه توزعت على محافظات مختلفة، وهو ما منح هذا السلاح أهمية خاصة في التحقيقات، نظرًا لما يترتب عليه من نتائج قاتلة. وقد استعانت اللجنة بتقارير الطب الشرعي والتقارير الطبية لتحديد نوع الإصابات وخصائصها، وربطها بمواقع الأحداث وظروفها.

كما وثق التقرير استخدام طلقات الخرطوش على نطاق واسع، خاصة في المواجهات القريبة مع الحشود، وسجل عددًا كبيرًا من الإصابات في الوجه والعينين والصدر، وهو ما أتاح دراسة خصائص هذه الإصابات ومقارنتها بين مختلف مواقع الاشتباك.

وتكشف بيانات الطب الشرعي عن تكرار الإصابات في الرأس والرقبة والصدر، وهي مواضع ترتبط طبيًا بارتفاع احتمالات الوفاة أو العجز الدائم، الأمر الذي منح هذه الإصابات أهمية خاصة في التحليل القانوني والفني، ودفع اللجنة إلى دراسة اتجاهات المقذوفات، والمسافات المحتملة لإطلاق النار، والظروف التي وقعت فيها كل إصابة.

كما تعرض اللجنة حالات تشير إلى إطلاق نار مباشر في بعض الوقائع التي وثقتها، مستندة إلى شهادات الشهود، والتقارير الطبية، والمعاينات الفنية، دون الاكتفاء بالوصف العام للأحداث، وهو ما سمح بإعادة بناء جزء كبير من تسلسل استخدام القوة في عدد من مواقع الاشتباك.

وتبرز أهمية التوقيت في فهم هذه الوقائع؛ إذ تُظهر الأدلة أن استخدام القوة تطور تدريجيًا مع اتساع نطاق الاحتجاجات، وازدياد أعداد المشاركين، واقترابهم من المواقع الحيوية، بما يسمح بربط مستوى القوة المستخدمة بتطور الموقف الميداني.

وعند جمع هذه الوقائع في إطار واحد، يبرز نمط متكرر يتمثل في تشابه أنواع الذخائر، ومواضع الإصابات، وتزامن استخدامها في أكثر من محافظة، وهو ما يجعل التقرير يتجاوز مجرد إحصاء الضحايا، ليصبح وثيقة اتهام أساسية لدراسة كيفية استخدام القوة المميتة أثناء مواجهة الثورة.

ومن هنا، فإن القيمة الحقيقية لهذا المحور لا تكمن في بيان عدد القتلى أو المصابين، بل في إظهار أن القراءة التراكمية للأدلة تتيح فهمًا أعمق لطبيعة القرارات الأمنية، وأنماط تنفيذها، والآثار السياسية والإنسانية التي ترتبت عليها، وهو ما يجعل دراسة استخدام القوة أحد المفاتيح الرئيسة لفهم مسار ثورة يناير بأكملها.

🔵 الاستهداف المتكرر للعيون والرأس

من بين أكثر الوقائع التي تستوقف الباحث عند قراءة تقرير لجنة جمع المعلومات والأدلة وتقصي الحقائق ذلك التكرار اللافت للإصابات التي طالت الرأس والعينين. فالأمر لا يتعلق بحالات فردية متناثرة، وإنما بنمط متكرر وثقته شهادات المصابين، والتقارير الطبية، وتقارير الطب الشرعي، في مواقع مختلفة من القاهرة والمحافظات، وهو ما يمنح هذه الإصابات أهمية خاصة في فهم طبيعة استخدام القوة أثناء الثورة.

تكشف شهادات المصابين أن عددًا كبيرًا من الإصابات وقع في الوجه والعينين والرأس أثناء مواجهة المتظاهرين، وقدمت هذه الشهادات أوصافًا متقاربة لطبيعة الإصابات وظروف حدوثها، وهو ما دفع اللجنة إلى مقارنتها بالأدلة الطبية والفنية للتحقق من دقتها. كما بينت الملفات الطبية حجم الإصابات التي أدت إلى فقدان البصر الجزئي أو الكلي، وإلى كسور بالجمجمة أو إصابات دماغية خطيرة، بما يؤكد أن آثارها لم تكن وقتية، بل امتدت إلى إعاقات دائمة في كثير من الحالات.

وأضفت تقارير الطب الشرعي بعدًا علميًا على هذه الوقائع، إذ حددت مواضع دخول المقذوفات واتجاهاتها، وربطتها بالأسباب المباشرة للوفاة أو الإصابة، الأمر الذي سمح بإعادة بناء جزء مهم من المشهد الميداني. وعند جمع هذه البيانات، يظهر أن الإصابات في الرأس والعينين لم تكن محصورة في موقع بعينه، وإنما تكررت في أكثر من محور خلال توقيتات متقاربة، وهو ما يفتح المجال لاعتبارها تعكس نمطًا متشابهًا في استخدام القوة.

ويهدف التقرير إلى إبراز أن التكرار في شهادات الضحايا، وتقارير الطب الشرعي، والوثائق الطبية، يجعل هذه الاصابات ظاهرة تستحق الدراسة المستقلة. فالقيمة الحقيقية للتقرير تكمن في أنه لا يقدم وقائع منفصلة، بل يوفر قاعدة بيانات تسمح بفهم أنماط استخدام القوة، وتحليل دلالاتها القانونية والأمنية والإنسانية، بما يجعل ملف إصابات العيون والرأس أحد أبرز المؤشرات على طبيعة المواجهة التي شهدتها ثورة يناير.

🔵 الاعتداء على الجرحى والمصابين

لا تنتهي الانتهاكات عند لحظة الإصابة أو سقوط الضحية، بل تمتد – كما يكشف تقرير لجنة جمع المعلومات والأدلة وتقصي الحقائق – إلى ما بعدها، حين يتحول الجريح نفسه إلى هدف لإجراءات تعرقل إسعافه أو تعرضه لمزيد من الانتهاكات. وتكشف الشهادات التي جمعتها اللجنة أن بعض الوقائع لم تقتصر على استخدام القوة ضد المتظاهرين، بل شملت أيضًا الاعتداء على المصابين أو ملاحقتهم أثناء محاولة إسعافهم، وهو ما يضفي على هذه الأحداث بعدًا إنسانيًا وقانونيًا بالغ الخطورة.

وقد وثقت اللجنة شهادات متعددة تحدثت عن صعوبات واجهت سيارات الإسعاف أو المتطوعين في الوصول إلى أماكن المصابين في بعض مواقع الاشتباك، كما رصدت حالات أشار فيها الشهود إلى تعرض فرق الإسعاف أو من كانوا ينقلون المصابين للمضايقة أو الاعتداء أثناء أداء مهامهم. وأتاحت مقارنة هذه الشهادات بالتقارير الطبية والمعاينات الميدانية للجنة إعادة بناء جزء من الظروف التي أحاطت بعمليات الإنقاذ.

كما تضمنت التحقيقات روايات عن ملاحقة بعض المصابين بعد إصابتهم، أو القبض عليهم أثناء تلقي العلاج أو عقب خروجهم من المستشفيات، إضافة إلى حالات احتجاز وردت في شهادات عدد من الضحايا، وهو ما استدعى من اللجنة دراسة مدى توافق هذه الإجراءات مع الضمانات القانونية الواجبة في مثل هذه الظروف.

وتكتسب شهادات الأطباء وأفراد الإسعاف أهمية خاصة؛ لأنها صدرت عن أطراف لم تكن مشاركة في الاشتباكات، وإنما كانت تؤدي واجبًا مهنيًا وإنسانيًا. وقد ساعدت هذه الشهادات في توثيق طبيعة الإصابات، والوقت الذي استغرقه وصول المصابين إلى المستشفيات، والعقبات التي واجهت عمليات الإسعاف، وهو ما أضاف بعدًا موضوعيًا إلى التحقيقات.

وتكشف القراءة الشاملة لهذه الوقائع أن حماية الجرحى وحقهم في العلاج أصبحت جزءًا من ملف الانتهاكات الذي تناولته اللجنة، وأن دراسة هذه الوقائع لا تقل أهمية عن دراسة استخدام القوة نفسه، لأنها تمثل مرحلة لاحقة من التعامل مع الضحايا. كما تؤكد أن احترام العمل الطبي وحياد فرق الإسعاف يعد أحد المعايير الأساسية التي تقاس بها التزام الدول بالقانون أثناء إدارة الأزمات، وهو ما يجعل هذا الملف عنصرًا رئيسيًا في فهم الصورة الكاملة للانتهاكات التي صاحبت الثورة.

🔵 الاعتقال التعسفي والإخفاء

إلى جانب وقائع القتل العديدة والإصابة، يكشف تقرير لجنة جمع المعلومات والأدلة وتقصي الحقائق عن ملف واسع يتعلق بعمليات القبض والاحتجاز التي صاحبت أحداث الثورة. وتوضح التحقيقات أن هذا الملف لم يقتصر على تنفيذ أوامر ضبط بحق أشخاص محددين، بل شمل في بعض الحالات عمليات قبض عشوائي، واحتجازًا في أماكن مختلفة، وشكاوى من سوء المعاملة، وهو ما دفع اللجنة إلى تخصيص مساحة مهمة لدراسة هذه الوقائع والتحقق منها.

وتشير شهادات المحتجزين إلى أن بعض عمليات القبض تمت أثناء الاشتباكات أو بعدها مباشرة دون إيضاح أسباب قانونية، بينما أفادت روايات أخرى بتوقيف أشخاص كانوا يمرون بمحيط الأحداث أو يساعدون المصابين. وقد قارنت اللجنة هذه الشهادات بالسجلات الرسمية ومحاضر الضبط، كلما أمكن ذلك، للتحقق من مدى توافق الإجراءات مع الضمانات القانونية.

كما تناول التقرير أوضاع الاحتجاز، وأماكن إيداع المقبوض عليهم، والمدة التي قضاها بعضهم قبل عرضهم على جهات التحقيق، إضافة إلى الشكاوى المتعلقة بسوء المعاملة أو الحرمان من بعض الحقوق الأساسية أثناء الاحتجاز. ولم تكتف اللجنة بإثبات هذه الادعاءات، بل سعت إلى مطابقتها مع أقوال الشهود والوثائق الرسمية المتاحة.

ومن القضايا التي أولتها اللجنة اهتمامًا خاصًا حالات الاختفاء المؤقت التي وردت في عدد من الشهادات، حيث تحدث بعض المحتجزين أو ذووهم عن انقطاع الاتصال بهم لفترات قبل معرفة أماكن احتجازهم. وقد تعاملت اللجنة مع هذه الوقائع بمنهج تحقيقي قائم على مقارنة الروايات بالبيانات الرسمية، لتحديد ما أمكن إثباته منها.

وتبرز شهادات المحتجزين بوصفها مصدرًا مهمًا لفهم ما جرى بعد انتهاء المواجهات في الشارع، إذ تكشف جانبًا آخر من إدارة الأزمة لا يظهر في ساحات الاحتجاج وحدها. وعند جمع هذه الشهادات مع بقية الأدلة، يتبين أن ملف الاعتقال والاحتجاز يمثل جزءًا لا يتجزأ من دراسة الانتهاكات التي صاحبت الثورة.

ولا تقف أهمية هذا المحور عند توثيق ما وقع من تجاوزات، بل تمتد إلى إبراز أن حماية الحرية الشخصية، وضمانات القبض والاحتجاز، تمثل ركيزة أساسية لدولة القانون، وأن أي إخلال بها أثناء الأزمات يترك آثارًا عميقة على الثقة بين الدولة والمجتمع، ويجعل من توثيق هذه الوقائع ضرورة تاريخية وقانونية لمنع تكرارها مستقبلاً.

🔵 التعذيب وسوء المعاملة

يكشف تقرير لجنة جمع المعلومات والأدلة وتقصي الحقائق أن الانتهاكات لم تتوقف عند لحظة القبض على المتظاهرين، وإنما امتدت – في عدد من الوقائع التي وثقتها اللجنة – إلى مراحل الاحتجاز والاستجواب، حيث تضمنت الشهادات روايات عن التعذيب، والإهانات، وسوء المعاملة، والضغوط البدنية والنفسية التي تعرض لها بعض المحتجزين. وتبرز أهمية هذا الملف في أنه يعكس كيفية انتقال المواجهة من الشارع إلى أماكن الاحتجاز، بما يوسع نطاق الانتهاكات محل الدراسة.

وتضمنت شهادات عدد من المحتجزين أوصافًا لتعرضهم للضرب أثناء القبض عليهم أو بعد احتجازهم، باستخدام وسائل مختلفة، بما أدى في بعض الحالات إلى إصابات أثبتتها التقارير الطبية أو عاينتها النيابة. كما وردت في التحقيقات روايات عن تعرض بعض المحتجزين للإهانات اللفظية والمعاملة الحاطة بالكرامة الإنسانية، وهو ما أولته اللجنة اهتمامًا خاصًا باعتباره جزءًا من تقييم مدى احترام الضمانات القانونية أثناء الاحتجاز.

كما تناول التقرير وقائع تتعلق بما وصفه أصحابها بالتعذيب البدني أو النفسي، سواء من خلال الإيذاء المباشر أو التهديد المستمر أو الحرمان من بعض الحقوق الأساسية. ووردت أيضًا شهادات تحدثت عن ممارسة ضغوط نفسية على المحتجزين، من بينها التهديد بإطالة الاحتجاز أو بإلحاق الأذى بهم أو بذويهم، في محاولة للتأثير في أقوالهم أو إرادتهم.

ومن بين أكثر القضايا حساسية ما ورد في بعض الشهادات بشأن الإكراه على الإدلاء باعترافات أو توقيع محاضر دون الاطلاع على محتواها. وقد تعاملت اللجنة مع هذه الوقائع بمنهج تحقيقي يقوم على مقارنة أقوال المحتجزين بما توفر من محاضر ووثائق وشهادات أخرى، دون تجاوز حدود ما أمكن إثباته بالأدلة.

وتكشف القراءة الكلية لهذا الملف أن سوء المعاملة لم يُدرس بوصفه حالات فردية معزولة، وإنما باعتباره جانبًا من الجوانب التي صاحبت إدارة التعامل مع الثورة. كما يبرز التقرير أن احترام كرامة الإنسان أثناء الاحتجاز ليس مجرد التزام قانوني، بل معيار أساسي لقياس مدى التزام الدولة بسيادة القانون في الظروف الاستثنائية. ولذلك فإن توثيق هذه الوقائع لا يخدم العدالة الانتقالية وحدها، بل يسهم أيضًا في بناء ضمانات تحول دون تكرارها في المستقبل.

🔵 الاعتداء على النساء

تكشف وثائق لجنة جمع المعلومات والأدلة وتقصي الحقائق أن النساء لم يكنّ خارج دائرة الانتهاكات التي صاحبت ثورة يناير، بل تعرض عدد منهن لصور متعددة من الاعتداء أثناء المشاركة في التظاهرات أو خلال عمليات القبض والاحتجاز. وتكتسب هذه الوقائع أهمية خاصة لأنها تعكس أن المرأة لم تكن مجرد شاهدة على الثورة، وإنما كانت أيضًا من ضحايا الانتهاكات التي وثقتها اللجنة.

وتضمنت التحقيقات شهادات عن تعرض بعض المتظاهرات للاعتداء البدني أثناء فض التجمعات أو أثناء القبض عليهن، كما رصدت اللجنة وقائع أشارت فيها الضحايا إلى تعرضهن للإهانات اللفظية أو المعاملة المهينة، بما يخالف الضمانات التي يكفلها القانون لحماية الكرامة الإنسانية.

كما تناول التقرير شهادات تتعلق بحالات تحرش أو اعتداءات ذات طابع جنسي وردت في إفادات بعض الضحايا، وتعاملت اللجنة معها بحساسية خاصة، مستندة إلى شهادات المجني عليهن، وما توفر من تقارير طبية أو أقوال شهود، مع مراعاة الطبيعة الخاصة لهذه الوقائع وصعوبة توثيق بعضها.

وتبرز شهادات النساء بعدًا إنسانيًا مهمًا في التقرير؛ إذ تكشف كيف واجهت كثيرات مخاطر المشاركة في المجال العام، وكيف تحولت بعض الانتهاكات إلى وسيلة لإثارة الخوف أو ردع النساء عن الاستمرار في المشاركة في الاحتجاجات. كما توضح أن استهداف النساء لا ينعكس على الضحية وحدها، بل يترك أثرًا اجتماعيًا أوسع يمتد إلى الأسرة والمجتمع.

ولا يقتصر هذا المحور على توثيق ما تعرضت له النساء، بل يسعى أيضًا إلى فهم دلالاته. فالاعتداء على المرأة في سياق الاحتجاجات يحمل رسالة تتجاوز شخصها إلى محاولة التأثير في المشاركة المجتمعية عمومًا، وإضعاف الحضور النسائي في المجال العام. ومن هنا، فإن حماية النساء أثناء الأزمات ليست قضية فئوية، وإنما جزء من حماية الحقوق والحريات العامة، واحترام مبدأ المساواة أمام القانون.

🔵 الاعتداء على الصحفيين والإعلاميين

تؤكد وقائع تقرير لجنة جمع المعلومات والأدلة وتقصي الحقائق أن معركة الثورة لم تكن ميدانية فقط، بل كانت أيضًا معركة على نقل الحقيقة وصناعة الرواية العامة. ولذلك لم يكن الصحفيون والمصورون مجرد مراقبين للأحداث، بل أصبحوا في عدد من الوقائع جزءًا من دائرة الانتهاكات التي وثقتها اللجنة، في ظل محاولات الحد من التغطية الإعلامية أو السيطرة على الصورة المتداولة.

وتضمنت الشهادات التي اعتمدت عليها اللجنة وقائع عن منع بعض الصحفيين أو المصورين من أداء عملهم في مواقع الاشتباك، أو إجبارهم على مغادرة أماكن الأحداث، بما حال دون توثيق بعض الوقائع لحظة وقوعها. كما سجل التقرير حالات اعتداء بدني على عدد من المصورين والصحفيين أثناء تغطيتهم للمواجهات، إضافة إلى وقائع مصادرة كاميرات أو معدات تصوير أو إتلافها.

وتناولت التحقيقات كذلك حالات احتجاز لصحفيين أو إعلاميين أثناء ممارسة عملهم، واستجوبت اللجنة عددًا منهم للوقوف على ظروف القبض عليهم أو احتجازهم، ومقارنة رواياتهم بالبيانات الرسمية والأدلة الأخرى.

وتكشف القراءة التحليلية لهذه الوقائع أن السيطرة على تدفق المعلومات كانت تمثل أحد أبعاد إدارة الثورة المضادة. فالصورة التي تُنقل إلى الرأي العام المحلي والدولي أصبحت جزءًا من الصراع نفسه، ولم تعد مجرد وسيلة لنقل الأحداث. ولهذا اكتسبت محاولات منع التصوير أو تعطيل التغطية الإعلامية أهمية سياسية تتجاوز آثارها المباشرة.

ومن ثم، فإن الاعتداء على الإعلاميين لا يُفهم باعتباره استهدافًا لفئة مهنية فقط، بل باعتباره مساسًا بحق المجتمع في المعرفة، وبحرية تداول المعلومات. ويبرز التقرير أن توثيق هذه الوقائع يمثل عنصرًا أساسيًا لفهم العلاقة بين الأمن والإعلام أثناء الأزمات، وكيف يمكن لمعركة الصورة أن تؤثر في مسار الأحداث بقدر ما تؤثر المواجهات في الشارع.

🔵 استهداف المستشفيات والإسعاف

يكشف تقرير لجنة جمع المعلومات والأدلة وتقصي الحقائق أن المؤسسات الطبية لم تكن بمنأى عن تداعيات المواجهات التي شهدتها الثورة، إذ تضمنت الشهادات والوثائق وقائع تتعلق بتعطيل عمل سيارات الإسعاف، وصعوبات واجهت نقل المصابين، وادعاءات باعتداءات على بعض الطواقم الطبية، وهو ما دفع اللجنة إلى دراسة هذه الوقائع باعتبارها جزءًا من ملف الانتهاكات.

وتشير شهادات عدد من الأطباء والمسعفين إلى أن سيارات الإسعاف واجهت في بعض المناطق صعوبات في الوصول إلى المصابين أو نقلهم إلى المستشفيات، سواء بسبب استمرار الاشتباكات أو نتيجة إجراءات أمنية وردت في بعض الإفادات. كما تناولت التحقيقات روايات عن تعرض بعض المستشفيات لضغوط كبيرة بسبب الأعداد الضخمة من المصابين، وما ترتب على ذلك من تحديات في تقديم الرعاية الطبية.

وتوثق اللجنة أيضًا شهادات تحدثت عن وقائع اعتداء على بعض أفراد الطواقم الطبية أو مضايقتهم أثناء أداء واجبهم، إضافة إلى حالات أشار فيها الشهود إلى وجود معوقات حالت دون تقديم العلاج بالسرعة المطلوبة لبعض المصابين. وقد قارنت اللجنة هذه الإفادات بالتقارير الطبية والمعاينات والوثائق الرسمية للتحقق من مدى صحتها.

وتبرز شهادات الأطباء والمسعفين أهمية خاصة لأنها تقدم وصفًا مهنيًا لما جرى داخل المستشفيات وأقسام الطوارئ، وتوضح حجم الضغط الذي تعرض له القطاع الصحي خلال أيام الثورة، كما تسهم في توثيق طبيعة الإصابات وتسلسل وصول المصابين، وهو ما يضيف قيمة علمية كبيرة للتحقيقات.

وتكشف القراءة الشاملة لهذا الملف أن حماية المنشآت الصحية، وضمان حياد الخدمات الطبية، وتأمين وصول الإسعاف إلى المصابين، ليست مجرد مسائل إجرائية، وإنما تمثل التزامًا قانونيًا وأخلاقيًا أساسيًا في جميع الظروف. ولذلك فإن ما وثقته اللجنة في هذا المجال يضيف بعدًا مهمًا لفهم طبيعة الأزمة، ويؤكد أن احترام العمل الطبي يظل أحد أهم معايير الالتزام بسيادة القانون وحماية حقوق الإنسان أثناء الاضطرابات العامة.

🔵 الاعتداء على الممتلكات ودور العبادة

تكشف قراءة تقرير لجنة جمع المعلومات والأدلة وتقصي الحقائق أن آثار المواجهات لم تقتصر على الضحايا والإصابات، بل امتدت إلى الممتلكات العامة والخاصة وعدد من دور العبادة والمنشآت الحيوية. وقد تعاملت اللجنة مع هذه الوقائع باعتبارها جزءًا من المشهد العام للأزمة، وسعت إلى التمييز بين ما نتج عن الاشتباكات المباشرة، وما كان نتيجة أعمال تخريب أو اعتداءات نفذتها أطراف مختلفة، اعتمادًا على المعاينات الميدانية، والتقارير الرسمية، وشهادات الشهود.

وتضمنت التحقيقات وقائع تتعلق باقتحام أو إتلاف بعض الممتلكات العامة والخاصة في عدد من المحافظات، كما وثقت حالات حرق أو تحطيم سيارات، وإتلاف منشآت حكومية، وأضرارًا لحقت بمقار رسمية أو خاصة. ولم تكتف اللجنة بإحصاء هذه الوقائع، بل سعت إلى تحديد توقيتها، والظروف التي وقعت فيها، والأطراف التي نسبت إليها هذه الأفعال، كلما أمكن ذلك.

كما تناول التقرير ما تعرضت له بعض المساجد والكنائس من تأثيرات مباشرة أو غير مباشرة خلال الأحداث، سواء نتيجة وقوعها في نطاق الاشتباكات أو بسبب الاعتداء الشرطي عليها في بعض الوقائع التي خضعت للتحقيق. وتعاملت اللجنة مع هذه الملفات بحساسية خاصة، إدراكًا لما تمثله دور العبادة من قيمة دينية ووطنية، وحرصًا على التحقق من كل واقعة قبل إدراجها ضمن نتائجها.

وامتد التحقيق كذلك إلى المنشآت العامة، بما في ذلك المقار الحكومية وبعض المرافق الحيوية التي تعرضت لأعمال اقتحام أو إتلاف أو تعطيل، مع محاولة التمييز بين الأضرار الناتجة عن المواجهات الميدانية، وتلك التي وقعت في ظل الانفلات الأمني الذي أعقب انسحاب قوات الشرطة من مواقع عديدة.

وتكشف القراءة التحليلية لهذا الملف أن الاعتداء على الممتلكات لم يكن مجرد خسائر مادية، بل أصبح جزءًا من الصراع على صورة الدولة وقدرتها على حماية المجتمع. كما يبرز التقرير أهمية التوثيق الدقيق لهذه الوقائع؛ لأنه يساعد على فهم طبيعة الانفلات الذي شهدته البلاد، والتمييز بين الاحتجاج السلمي والأفعال الجنائية، بما يمنع الخلط بينهما في قراءة أحداث الثورة.

🔵 البلطجية والمجموعات غير النظامية

يعد ملف المجموعات غير النظامية، التي اصطلح على تسميتها شعبيًا بـ”البلطجية”، من أكثر الملفات تعقيدًا في تقرير لجنة جمع المعلومات والأدلة وتقصي الحقائق، نظرًا لتعدد الوقائع المرتبطة به، وصعوبة تحديد هوية المشاركين فيها على وجه الدقة. ومع ذلك، فقد خصصت اللجنة مساحة مهمة لدراسة الشهادات والأدلة المتعلقة بظهور هذه المجموعات ودورها في بعض أحداث الثورة.

وتكشف التحقيقات أن اللجنة استندت إلى شهادات عدد كبير من المتظاهرين، وشهود العيان، وبعض القيادات الأمنية، إضافة إلى الصور ومقاطع الفيديو والمعاينات، لرصد الوقائع التي تحدثت عن مشاركة مجموعات مدنية غير نظامية في الاعتداء على المتظاهرين أو إثارة أعمال عنف في بعض المواقع. وقد حرصت اللجنة على مقارنة هذه الروايات بالأدلة الأخرى، دون الاكتفاء بالشهادات المنفردة.

كما تناول التقرير التساؤلات المتعلقة بطبيعة العلاقة بين هذه المجموعات وبعض الأجهزة الأمنية، ومدى وجود تنسيق أو دعم أو تغاضٍ عن نشاطها، إلا أنه التزم فقط بما أمكن إثباته بالأدلة، وميّز بينه وبين تلك الوقائع التي بقيت في إطار الادعاءات التي لم تتوافر لها أدلة كافية.

وتشير الشهادات التي اعتمدت عليها اللجنة إلى أن بعض هذه المجموعات شاركت في الاعتداء على المتظاهرين، أو في إثارة الفوضى، أو في الاعتداء على الممتلكات، بما أدى إلى تعقيد المشهد الأمني، وصعوبة التمييز بين العنف الصادر عن أطراف مختلفة أثناء الأحداث.

وتبرز أهمية هذا الملف في دلالاته المؤسسية؛ إذ إن ظهور مجموعات غير نظامية في سياق إدارة أزمة عامة يثير تساؤلات تتعلق باحتكار الدولة لاستخدام القوة، وبحدود المسؤولية عن الأفعال التي تقع خارج الأطر النظامية. ومن هنا فإن القيمة الحقيقية لهذا المحور لا تكمن في تعداد الوقائع، بل في إظهار كيف يمكن أن يؤدي استخدام أو السماح بنشاط مجموعات غير رسمية إلى تعقيد المشهد وإلى الفوضى وإضعاف الثقة في مؤسسات الدولة.

🔵 الإعلام والتغطية على الانتهاكات

تكشف قراءة تقرير لجنة جمع المعلومات والأدلة وتقصي الحقائق أن معركة الثورة لم تُخض في الشوارع وحدها، بل امتدت إلى المجال الإعلامي، حيث تنافست روايات متعددة على تفسير ما يجري، وتحديد المسؤولين عنه، وصياغة الصورة التي ستصل إلى الرأي العام. ولهذا أصبح الإعلام أحد ميادين الصراع الرئيسة، لا مجرد وسيلة لنقل الأحداث.

وتبين التحقيقات أن الرواية الرسمية في المراحل الأولى للأحداث ركزت على توصيف الاحتجاجات باعتبارها أعمال شغب أو اضطرابات أمنية، وربطت بين اتساع المواجهات ووجود عناصر خارجة على القانون. وفي المقابل، كانت الشهادات والصور والتسجيلات التي وثقتها اللجنة تكشف تفاصيل ميدانية أكثر تعقيدًا، بما أتاح مقارنة الرواية الرسمية بالأدلة المتوافرة.

كما تناول التقرير وقائع الإنكار أو التقليل من بعض الانتهاكات في مراحل مختلفة، قبل أن تكشف التحقيقات والوثائق حجمًا أكبر من الوقائع التي لم تكن قد ظهرت في حينها. وتبرز أهمية هذا الجانب في أن إدارة المعلومات أصبحت جزءًا من إدارة الأزمة، وأن الصراع لم يكن على السيطرة على الشارع فقط، بل أيضًا على تفسير ما يحدث فيه.

وتناول التقرير كذلك الخطاب الذي برر في بعض الأحيان استخدام القوة باعتباره ضرورة لحماية الأمن والاستقرار، مقابل روايات الضحايا والشهود التي وثقت آثار هذه القوة على المتظاهرين. كما رصدت اللجنة ما ورد في بعض وسائل الإعلام من أوصاف أو اتهامات طالت المحتجين، وهو ما جعل معركة الصورة والرواية عنصرًا مؤثرًا في تطور الأزمة.

وتكشف القراءة الاستراتيجية لهذا الملف أن الإعلام لم يكن عنصرًا ثانويًا في الثورة، بل أصبح أداة لتشكيل الإدراك العام، والتأثير في المواقف السياسية، وإعادة تعريف الضحية والجاني في نظر الرأي العام. ولذلك فإن دراسة الأداء الإعلامي خلال الثورة تعد جزءًا أساسيًا من فهم كيفية مواجهة الدولة العميقة للثورة، وكيف أثرت معركة الرواية في مسار الأحداث ونتائجها.

🔵 المسؤولية القانونية والمؤسسية

يمثل تحديد المسؤولية أحد أهم الأهداف التي سعت إليها لجنة جمع المعلومات والأدلة وتقصي الحقائق، إذ لم يكن المقصود توثيق الوقائع وحدها، وإنما الانتقال من معرفة ما حدث إلى تحديد من يتحمل مسؤوليته، وفقًا للقواعد القانونية والمعايير المؤسسية. ولذلك أولت اللجنة اهتمامًا خاصًا بتحليل التسلسل القيادي، وطبيعة الاختصاصات، وآليات إصدار الأوامر وتنفيذها.

وتبدأ المسؤولية من المستوى الفردي، حيث يتحمل كل شخص مسؤولية أفعاله متى ثبتت بالأدلة، سواء تعلق الأمر باستخدام القوة أو ارتكاب أي انتهاك آخر. إلا أن اللجنة لم تقف عند هذا الحد، بل درست أيضًا مسؤولية القيادات التي تولت الإشراف على القوات، ومدى علمها بما وقع، وطبيعة التعليمات التي صدرت عنها، وحدود الرقابة التي مارستها على مرؤوسيها.

كما تناول التقرير مسؤولية المؤسسات، بوصفها الجهة التي وضعت الخطط، وأدارت العمليات، وأشرفت على تنفيذها، مع محاولة التمييز بين الأخطاء الفردية، والقصور المؤسسي، والسياسات العامة التي أثرت في عمليات مواجهة الثورة. وفي هذا السياق، يبرز مفهوم التسلسل القيادي بوصفه أحد المفاتيح الأساسية لفهم كيفية انتقال الأوامر، وتوزيع المسؤوليات بين المستويات المختلفة.

ولم يغفل التقرير البعد السياسي للمسؤولية، إذ إن إدارة أزمة بهذا الحجم لا تقتصر على القرارات الميدانية، وإنما ترتبط أيضًا بالسياسات العامة، وبكيفية تعامل مؤسسات الدولة العميقة مع الاحتجاجات منذ بدايتها. ومن هنا، فإن المسؤولية السياسية لا تنفصل عن المسؤولية القانونية، وإن اختلفت طبيعة كل منهما وآليات المساءلة المرتبطة بها.

وتكشف القراءة التحليلية لهذا المحور أن الوصول إلى العدالة لا يتحقق بالبحث عن المسؤول المباشر وحده، بل بفهم المنظومة التي أُديرت من خلالها الثورة، وتحديد مواضع الخلل في اتخاذ القرار، وفي الرقابة، وفي تنفيذ التعليمات. ولهذا يمثل تقرير لجنة تقصي الحقائق خطوة مهمة في إعادة بناء المسؤولية على أسس قانونية ومؤسسية، ويؤكد أن كشف الحقيقة الكاملة هو المدخل الضروري لأي مسار جاد للمساءلة والعدالة الانتقالية.

🔵 هل تكشف الوقائع عن سياسة عامة؟

يمثل هذا السؤال أحد أكثر الأسئلة تعقيدًا في دراسة ثورة يناير؛ فالتقرير لا يكتفي بتوثيق مئات الوقائع، وإنما يتيح أيضًا قراءة هذه الوقائع بصورة تراكمية تسمح بالانتقال من الحدث الفردي إلى تحليل الأنماط العامة. وعندما تُجمع شهادات الضحايا، وتقارير الطب الشرعي، والوثائق الرسمية، والمعاينات الميدانية، ونتائج التحقيقات في إطار واحد، تبرز مجموعة من السمات المتكررة التي تستحق الدراسة من منظور العلوم السياسية والإدارة العامة، دون تجاوز ما تثبته الأدلة.

ويكشف التقرير عن تكرار واضح لأنماط الانتهاكات في مواقع جغرافية متعددة، وفي توقيتات متقاربة، مع تشابه ملحوظ في وسائل استخدام القوة، وأنواع الإصابات، وأساليب القبض والاحتجاز، وهو ما يدفع إلى تجاوز تفسير كل واقعة بمعزل عن غيرها. كما تظهر وحدة في أنماط التعامل مع الاحتجاجات في محافظات مختلفة، رغم اختلاف القيادات الميدانية والظروف المحلية، بما يشير إلى وجود إطار عام وقيادة عامة عليا تحكم إدارة الأزمة.

ويدعم تشابه الإصابات، ولا سيما في الرأس والعينين والصدر، إضافة إلى تشابه أنواع الذخائر المستخدمة في عدد كبير من المواقع، أهمية دراسة هذه الوقائع بوصفها نمطًا متكررًا، لا مجرد مصادفات مستقلة. كما أن الانتشار الجغرافي للانتهاكات، من القاهرة إلى الإسكندرية والسويس والدلتا والصعيد، يمنحها بعدًا وطنيًا يتجاوز الخصوصية المحلية لكل محافظة.

وتشير الوثائق أيضًا إلى قرائن مؤسسية تتمثل في وحدة التسلسل القيادي، وتشابه الخطط الأمنية، ووجود غرف عمليات مركزية، وتكرار الإجراءات في أكثر من موقع، وهي معطيات تشير لوجود قيادة عليا وسياسة عامة بالمعنى القانوني.

ومن منظور العلوم السياسية، فإن الحكم على وجود سياسة عامة لا يقوم على واقعة واحدة، بل على انتظام السلوك وتكراره واتساقه عبر الزمان والمكان وهو ما توافر لحد بعيد. ولهذا فإن قيمة التقرير لا تكمن في تقديم إجابة نهائية، وإنما في توفير المادة العلمية التي تسمح للباحثين بدراسة هذه الفرضية وفق مناهج البحث المقارن وتحليل السياسات العامة. وهكذا يتحول التقرير من مجرد سجل للانتهاكات إلى وثيقة تساعد على فهم كيفية اتخاذ القرار داخل الدولة، وحدود العلاقة بين القيادة السياسية والأجهزة التنفيذية في إدارة الأزمات الكبرى، ولاسيما ما يترتب على ذلك من انتهاكات واسعة.

🔵 القراءة المقارنة

لا تكتمل دراسة الانتهاكات التي وثقها تقرير لجنة تقصي الحقائق دون وضعها في سياق أوسع يشمل تجارب عربية أخرى شهدت موجات احتجاج وثورات خلال العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين. فالمقارنة لا تهدف إلى المساواة بين الحالات المختلفة، وإنما إلى فهم أنماط استجابة الأنظمة السياسية عندما تواجه تحديات تهدد بقاءها، واستخلاص أوجه التشابه والاختلاف في إدارة الأزمات.

في تونس، أدى الاستخدام المحدود للقوة، إلى جانب الموقف الحاسم للمؤسسة العسكرية، إلى انتقال سياسي أقل كلفة مقارنة بدول أخرى. أما في سوريا، فقد اتجهت الأزمة سريعًا نحو الاستخدام الواسع للقوة، لتتحول الاحتجاجات إلى صراع مسلح طويل، أعاد تشكيل الدولة والمجتمع معًا.

وفي ليبيا، أدى انهيار مؤسسات الدولة واستخدام القوة العسكرية إلى تدويل الأزمة وانهيار النظام بالكامل، بينما شهدت البحرين استجابة اعتمدت على أدوات أمنية مدعومة بإجراءات سياسية وإقليمية مختلفة، حالت دون تطور الاحتجاجات إلى تغيير للنظام. أما اليمن، فقد جمع بين الانقسام المؤسسي، والتسويات السياسية، والانزلاق لاحقًا إلى صراع مفتوح.

وتكشف هذه المقارنة أن الأنظمة القمعية، رغم اختلافها، تتبنى غالبًا مجموعة متشابهة من الأدوات في مواجهة الثورات، تبدأ بمحاولة الاحتواء، ثم تتدرج إلى استخدام القوة، وإدارة الإعلام، وإعادة تنظيم التحالفات السياسية، قبل البحث عن مخرج يعيد تثبيت النظام أو استبداله.

غير أن التجارب المقارنة تؤكد أيضًا أن مستوى استخدام القوة لا يحدد مآلات الثورات، بل تتداخل معه عوامل أخرى، مثل شرعية النظام، وموقف المؤسسة العسكرية، ووحدة المعارضة، والظروف الإقليمية والدولية، وطبيعة المجتمع نفسه.

ومن هنا، فإن قراءة الانتهاكات في الحالة المصرية ضمن هذا السياق المقارن تساعد على إدراك أن ما حدث لم يكن ظاهرة معزولة، وإنما جزء من أنماط أوسع شهدتها المنطقة العربية خلال مرحلة الثورات العربية والتحولات الكبرى، مع احتفاظ كل تجربة بخصوصيتها السياسية والاجتماعية والمؤسسية.

🔵 القراءة الاستراتيجية

تتجاوز قيمة تقرير لجنة جمع المعلومات والأدلة وتقصي الحقائق حدود التوثيق القانوني، لأنه يسمح باستخلاص مجموعة من القوانين العامة التي تحكم العلاقة بين السلطة، واستخدام القوة، والشرعية، وإدارة الأزمات. وهذه القوانين لا ترتبط بالحالة المصرية وحدها، بل تمثل إطارًا تحليليًا لفهم كثير من الثورات والتحولات السياسية المعاصرة.

تكشف التجربة أن الانتهاكات تتحول إلى سياسة دولة عندما تتكرر بصورة منتظمة، وتتشابه أنماطها، وتنتشر في نطاق جغرافي واسع، وتصدر عن أجهزة متعددة تعمل داخل منظومة واحدة، وهو ما يجعل دراستها تتجاوز المسؤولية الفردية إلى تحليل البنية المؤسسية التي سمحت بحدوثها.

كما تؤكد الوقائع أن القمع لا يستطيع تعويض أزمة الشرعية. فقد يوفر للدولة سيطرة مؤقتة، لكنه لا يعيد بناء الثقة المفقودة بينها وبين المجتمع. وكلما اتسعت الفجوة بين القوة والشرعية، تراجعت فعالية الأدوات الأمنية، وازدادت كلفة استخدامها.

وتثبت التجارب أن العنف لا ينجح دائمًا في الردع؛ إذ قد يؤدي في ظروف معينة إلى نتائج معاكسة، حين تتحول دماء الضحايا إلى عامل تعبئة، وتصبح الانتهاكات نفسها مصدرًا لتوسيع الاحتجاجات بدلًا من احتوائها.

وتبرز أهمية التوثيق بوصفه السلاح الأكثر فاعلية في مواجهة الإفلات من العقاب؛ لأن حفظ الأدلة، وجمع الشهادات، وتوثيق الوقائع، يحول الجرائم من أحداث قابلة للنسيان إلى حقائق تاريخية قابلة للمساءلة القانونية والسياسية عندما تتوفر الظروف الملائمة.

كما تكشف الدراسة أن العدالة والاستقرار ليسا نقيضين، بل إن غياب العدالة يترك جراحًا مفتوحة تؤثر في استقرار الدول على المدى الطويل، بينما تمثل المساءلة المنصفة أحد أسس المصالحة الوطنية.

وتؤكد الوقائع أيضًا أن الأنظمة قد تنتصر أمنيًا في بعض المراحل، لكنها تخسر معركة الشرعية إذا تآكلت ثقة المجتمع في مؤسساتها. ولهذا تبقى الذاكرة الوطنية عنصرًا حاسمًا في حماية المستقبل؛ لأنها تمنع تزييف التاريخ، وتحفظ حقوق الضحايا، وتوفر للأجيال القادمة مادة موثقة لفهم الماضي وتجنب تكرار أخطائه.

🔵 الخلاصات العامة

تكشف القراءة التحليلية لتقرير لجنة جمع المعلومات والأدلة وتقصي الحقائق أن الانتهاكات التي صاحبت ثورة يناير لا يمكن فهمها من خلال دراسة كل واقعة على حدة، وإنما من خلال النظر إليها بوصفها جزءًا من صورة كلية وسياسة عامة أعادت تشكيل العلاقة بين السلطة والمجتمع. فقد أظهرت شهادات الضحايا، وأقوال الشهود، وتقارير الطب الشرعي، والوثائق الرسمية، أن كثيرًا من الانتهاكات اتسم بأنماط متكررة في أكثر من محافظة، وبأساليب متشابهة في استخدام القوة، والقبض، والاحتجاز، والتعامل مع المصابين.

كما أبرز التقرير القيمة الاستثنائية لمنهج تقاطع الأدلة، الذي جمع بين الشهادات الإنسانية والوثائق الرسمية والأدلة الطبية والفنية، ليقدم واحدة من أكثر عمليات التوثيق الرسمية شمولًا في التاريخ المصري الحديث. وأثبتت الوقائع أن الانتهاكات لم تؤدِّ إلى إنهاء الاحتجاجات، بل أسهمت في توسيع قاعدة المشاركة الشعبية، وتعميق أزمة الشرعية، وإضعاف الثقة في مؤسسات الدولة.

وتؤكد التجربة أن الإفلات من العقاب يمثل أحد أكبر معوقات العدالة الانتقالية، وأن غياب المساءلة يهدد فرص المصالحة الوطنية ويُبقي آثار الأزمات مفتوحة. كما يبرز التقرير بوصفه أرشيفًا وطنيًا لا غنى عنه لفهم طبيعة العلاقة بين السلطة واستخدام القوة في لحظات التحول التاريخي، ويؤكد أن حماية الحقيقة ليست حقًا للضحايا وحدهم، بل ضمانة لمستقبل الدولة وسيادة القانون.

🔵 توصيات مركز حريات

انطلاقًا من أن معركة الذاكرة لا تقل أهمية عن معركة الحرية، وأن حفظ الحقيقة يمثل الشرط الأول لأي عدالة مستقبلية، فإن مركز حريات للدراسات السياسية والاستراتيجية يوصي بما يأتي:

1. إطلاق مشروع وطني مستقل لتوثيق ثورة يناير، تتعاون فيه مراكز الدراسات، والمؤسسات الحقوقية، والجامعات، والباحثون المستقلون، بهدف جمع كل ما يتعلق بالثورة من وثائق وشهادات وأدلة قبل ضياعها أو إتلافها أو تشويهها، باعتبار أن الزمن يمثل أحد أخطر التحديات أمام حفظ الحقيقة.

2. إنشاء أرشيف رقمي مستقل وآمن للثورة، يخضع لإدارة علمية ومهنية، ويضم الوثائق الرسمية، وشهادات الضحايا والشهود، وتقارير الطب الشرعي، والملفات الطبية، والصور، ومقاطع الفيديو، والخرائط، والمواد الإعلامية، مع حفظ نسخ احتياطية في أكثر من دولة لضمان بقائه وحمايته من الإتلاف أو المصادرة.

3. استكمال مشروع الشهادات الشفوية للثورة عبر تسجيل شهادات المصابين، وأسر الشهداء، والأطباء، والمسعفين، والصحفيين، والمحامين، وشهود العيان، وكل من شارك في الأحداث أو عاصرها، وفق المعايير العلمية المعتمدة في التاريخ الشفهي، حتى لا تضيع هذه الذاكرة برحيل أصحابها.

4. إنشاء قاعدة بيانات علمية موحدة تربط بين أسماء الضحايا، ومواقع الأحداث، وأنواع الإصابات، والأدلة الطبية، والشهادات، والوثائق الرسمية، بما يسمح بإعادة بناء الوقائع بصورة دقيقة، ويساعد الباحثين على إجراء الدراسات الكمية والمقارنة.

5. تحويل تقرير لجنة تقصي الحقائق إلى مشروع بحثي دائم، من خلال إصدار دراسات متخصصة لكل محور من محاوره، وتحليل بياناته بمنهجيات سياسية وقانونية وأمنية واجتماعية، وعدم الاكتفاء باعتباره وثيقة تاريخية أو تقريرًا رسميًا.

6. تشجيع الدراسات المقارنة بين التجربة المصرية وتجارب الدول الأخرى التي شهدت ثورات أو انتفاضات شعبية، بهدف فهم أنماط استخدام القمع، وآليات إدارة الاحتجاجات، ودور المؤسسات الأمنية، واستخلاص الدروس التي تسهم في تطوير المعرفة السياسية والاستراتيجية.

7. إعداد موسوعة علمية شاملة عن ثورة يناير تجمع الوثائق، والشهادات، والإحصاءات، والأحكام القضائية، والخرائط، والسير الذاتية للشهداء والمصابين، والتحليلات الأكاديمية، لتكون المرجع الأهم لدراسة الثورة وتاريخها.

8. تشجيع الجامعات ومراكز البحث على تخصيص برامج بحثية ورسائل ماجستير ودكتوراه لدراسة ثورة يناير من مختلف التخصصات؛ السياسية، والقانونية، والاجتماعية، والنفسية، والإعلامية، والعسكرية، بما يضمن إنتاج معرفة علمية رصينة حولها.

9. إنشاء شبكة تعاون دولية تضم الجامعات، ومراكز الدراسات، والمؤسسات الحقوقية، وأرشيفات الذاكرة التاريخية، لتبادل الخبرات والمنهجيات في مجالات التوثيق، وحفظ الأدلة، والتاريخ الشفهي، والعدالة الانتقالية.

10. تطوير معايير مهنية لحفظ الأدلة وفق القواعد الدولية المعتمدة، بما يحافظ على سلامة الوثائق وسلسلة حيازتها، ويضمن إمكان الاستفادة منها في أي مسارات مستقبلية للحقيقة أو العدالة أو المساءلة.

11. دعم الإنتاج الثقافي والإعلامي الذي يستند إلى الوقائع الموثقة، من كتب وأفلام وثائقية ومنصات رقمية ومعارض ومشروعات تعليمية، بما يحول دون احتكار الرواية أو تشويهها، ويُبقي الذاكرة الوطنية حاضرة في الوعي العام.

12. تشجيع كل من يمتلك وثائق أو تسجيلات أو صورًا أو شهادات لم تُنشر بعد على حفظها وإيداع نسخ منها لدى جهات بحثية مستقلة، حمايةً لها من الضياع أو التلف، وإثراءً للرصيد الوثائقي المتاح للباحثين.

13. إنشاء مرصد دائم لرصد الذاكرة الوطنية يتابع محاولات طمس الوثائق، أو تحريف الوقائع، أو إعادة كتابة التاريخ على نحو يخالف الأدلة الموثقة، ويصدر تقارير دورية توثق تلك المحاولات وتفندها علميًا.

14. ترسيخ ثقافة العدالة والذاكرة داخل المجتمع، والتأكيد على أن حفظ الحقيقة ليس فعلًا انتقاميًا، بل شرطًا لبناء الثقة بين الدولة والمجتمع، ومنع تكرار الانتهاكات، وترسيخ سيادة القانون في المستقبل.

15. اعتبار الدفاع عن الحقيقة مسؤولية مجتمعية مشتركة لا تقتصر على الضحايا أو ذويهم، بل تشمل الباحثين، والمؤرخين، والحقوقيين، والإعلاميين، والأكاديميين، لأن صون الذاكرة الوطنية هو صون لحق الأجيال القادمة في معرفة تاريخها كما وقع، لا كما يُراد لها أن تتذكره.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى